اللغة : العربية

قوتنا وترهاتهم

08 تشرين الثاني / نوفمبر 2018

 

أطلس للدراسات

لا نعرف كيف ومتى ولماذا استطاع سماسرة السياسة وذئابها النجاح بإقناع القيادة الفلسطينية بأن السياسة التي تنبذ القوة وتتسلح فقط بقوة الحق وتعتمد على ما تسمى بالشرعية الدولية قادرة على تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها التحرر من الاحتلال، وأن المرجعيات الدولية قادرة على منحنا الحرية والاستقلال، وأنه ليس علينا سوى أن نثبت تمسكنا وتبنينا للمفاوضات كأسلوب وحيد، بعيدًا عن كل أشكال العنف!

والغريب أنهم نجحوا في خداعنا، ونحن المفترض بنا أن نكون أكثر الشعوب في هذا العالم كشفًا لزيف مثل هذه المقولات، وأكثرها إدراكًا ومعرفة بأن كل السياسات والقرارات ليست إلا ترجمة لمفاعيل القوة، وأن العالم لا يحترم إلا القوة؛ حتى وإن احترم مبادئ الحق والعدالة والحرية فهو لن يترجم هذا الاحترام إلى قرارات فاعلة بدون وجود قوة تربط بمصالح. وللقوة أشكال ومكونات وتعبيرات كثيرة، فمنها الاقتصادية والدبلوماسية والرأي العام، ولكن أهمها وفي مقدمتها تأتي القوة بمفهومها البسيط والمباشر والمجرد.

نحن الفلسطينيون، من شدة يأسنا وإحباطنا وسطوة عدونا، قبلنا بخديعة الشرعية الدولية؛ رغم أننا نعرف بأن تلك الشرعية على مدار أكثر من سبعين عامًا لم تستطِع أن تنفذ قرارًا واحدًا من قراراتها الكثيرة ضد الاحتلال، كما لم تستطِع عدالتها أن تُحاكم ولو قاتلًا واحدًا من جنود القتل والإجرام؛ حتى أنها لا تستطيع أن تحمى القرية البدوية (الخان الأحمر) من تهديدات الترحيل القسري، وهي واحدة فقط من عديد القرى التي تم الاستيلاء على أراضيها بالقوة، في الوقت الذي لم تستطِع أن تحاصر صادرات مستوطنة واحدة، بينما نجحت في تدمير العراق وليبيا ومحاصرة إيران واستهداف سوريا واستهداف المقاومة الفلسطينية بحجة "مكافحة الإرهاب" وفرض شروطهم (شروط الرباعية).

إن ما نعيشه ونعايشه هذه الأيام ليس إلا ترجمة مباشرة وقوية لمنطق القوة ولمنطق الضعف، فالاحتلال اليوم - ومنذ فترة طويلة - يجنى ثمار قوته الجمعية الكلية على الكثير من الجبهات؛ فيتنكر للشرعيات الدولية ويتمدد في الاستيطان والمصادرة والتهويد، ويبلطج على أموال السلطة بقوانين عنصرية احتلالية، ويصدر تشريعات عنصرية ومنفلتة، ويقمع ويقتل دون حسيب أو رقيب. وفي نفس الوقت، يحظى بمؤتمرات قمم داعمة ومؤيدة من شرق افريقيا إلى غربها، إلى وسط أوروبا وجنوب شرق آسيا، وصولًا إلى أمريكا اللاتينية وللأسف عربية أيضًا، ونرى تهافتًا عربيًا للتنافس على القيام بدور الوسيط، ونرى دفاعًا إسرائيليًا عن دولة عربية خشية على تهديد استقرارها.

فائض الشعور بالقوة لدى نتنياهو منحه قدرًا كبيرًا من الوقاحة ليعلن في اجتماع لنشطاء حزبه (بعد زيارة قمة إلى بلغاريا، اجتمع فيها مع رئيس وزراء اليونان وبلغاريا ورومانيا ومع الرئيس الصربي) أن الاحتلال مجرد ترهات، وأن ما تفعله إسرائيل فعلت أكثر منه دول عظمى، إذ احتلت وغيّرت السكان وأحلت محلهم سكانًا آخرين والعالم يصمت، ويبدو أنه يقصد روسيا، ثم استنتج من ذلك بكل وقاحة أن القوة والقوة فقط هي المفتاح، "القوة تغير كل شيء في سياستنا الخارجية، وأن التنازلات ضعف لا يخدم الا مرحلة تكتيكية".

نعم، نتنياهو الذي يتفاخر بالقوة هو أكثر من يعرف أنه لا يمكنه معاندتها، فعلى الرغم من استباحته المتبجحة والاستعراضية لضعف السلطة؛ إلا أنه يعرف أكثر من غيره بأنه على جبهة القطاع لا يستطيع أن يتبنى ذات السياسات العنجهية، وأن عليه هنا أن يتبنى سياسات تبدأ بالتهديدات ثم المناورات والاحتواء واستخدام الوسطاء بكثافة ثم البدء بتقديم التنازلات، وقد شاهدنا ذلك في صفقة "وفاء الأحرار"، وفي عدوان 2014، رغم أنه تم الالتفاف على مطالب رفع الحصار. ونشاهده بشكل شديد الوضوح اليوم، وفي هذه المرحلة، حيث نشاهد كيف تستطيع المقاومة أن تنتزع من عدوها اللئيم بعض الإنجازات، ودون تهويل هذه الإنجازات او تقزيمها؛ فما كان لها أن تنتزع أقل قليلها دون أن تمتلك القوة والإرادة التي تجعل عدوها - المتكبر والمتغطرس، والذي لا يفهم سوى لغة القوة - يذعن لها صاغرًا.

أسباب كثيرة تجعل عدونا يشعر بالضعف أمام المقاومة في القطاع، ولسنا هنا في معرض عرض تلك الأسباب، وما يهمنا هو أن نشير على مكامن التفاؤل ومقومات القوة التي يمتلكها شعبنا برغم التبجح الاحتلالي والانهيار الرسمي العربي، فقوة شعبنا - عدا عن أنه يمتلك الحق والشرعية وعدالة القضية - تكمن قبل كل شيء في وجوده على أرضه وعدم استسلامه وتمسكه بحقوقه وتمسكه بالمقاومة بكل أشكالها وبعوامل الصمود والبقاء؛ وهذه وحدها كفيلة (في حال وجود قيادة حكيمة تمتلك إرادة التمرد والمقاومة) أن تحوّل كل نجاحات الاحتلال في سياساته الخارجية إلى مجرد ترهات، فالصمود والانتصار في الميدان هو العامل الأهم، ولتذهب إلى الجحيم كل أوسمة ونياشين إنجازات الاحتلال على الساحات الخارجية، وبما فيها العربية، فهي لن تنفعه كثيرًا، وعندما نعريه ونكشف ضعفه وعجزه فلن يكسيه أحد ولن يتطوع أحد ليمد له يد المساعدة، بل وأكثر من ذلك، فإن عجلة الشرعية الدولية ستبدأ بالدوران بالاتجاه الصحيح، وبكثير من القوة والجرأة، فقضيتنا لا زالت بين أيدينا؛ ونحن بسلوكنا وممارستنا فقط من نستطيع التحكم بالنتائج.

انشر عبر