اللغة : العربية

تفاهمات "عناقيد الغضب" ممكنة أيضًا بغزة 2018

06 تشرين الثاني / نوفمبر 2018

بقلم: يوسي بيلين

 

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

التقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قبل أيام معدودة (29 أكتوبر) مع كبار المراسلين في وسائل الإعلام بإسرائيل، خلال مؤتمر سمح لهم فيه بنشر حديثه تحت اسم "مصدر سياسي رفيع المستوى".

لقد تفهمته، لم يكن لديه ما يتباهى به خلال هذا المؤتمر، وكان من الأفضل له ألا يظهر باسمه، لقد شرح حقائق معروفة للكثيرين، هو نفسه لم يتحدث عنها بتفصيل من قبل، بوضوح كهذا: ليس لديه أي مصلحة بجولة أخرى مع حماس في غزة، لأنه في حال اندلاع جولة كهذه سيؤدي الأمر لسقوط ضحايا من الطرفين، وفي نهاية المطاف سيكون الوضع مشابهًا جدًا للوضع الحالي. لقد كان يرغب بنقل مسؤولية غزة لجهة ما، لكن لا يوجد مثل هذا العنوان. إسرائيل غير مستعدة لإجراء مفاوضات مع تنظيم غير مستعد للاعتراف بها، حماس لا تعترف بإسرائيل؛ ولذلك هو غير مستعد للتفاوض معها، والسلطة الفلسطينية غير مستعدة للدخول إلى غزة طالما أنها لا تتولى مسؤولية السلاح الموجود بيد التنظيمات المختلفة، لأنه واضح لها أنه في اللحظة التي تتحمل بها مسؤولية القطاع ويطلق أحد التنظيمات صواريخ وقذائف نحو إسرائيل؛ فإن إسرائيل ستضربها هي.

الوضع الذي علقت به إسرائيل في أعقاب قرار رئيس الحكومة أريئيل شارون (الذي كان يشغل منصب رئيس "الليكود") بالخروج بشكل أحادي الجانب من قطاع غزة (2005)، أي عدم تنفيذ الأمر كجزء من تنفيذ الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وبعد ذلك عدم إجراء مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني الجديد محمود عباس حول اتفاق دائم؛ أدى بنا لما يبدو كأنه طريق مسدود. في هذا الوضع، حين تقول قيادة حماس أيضًا بكل وضوح أنها غير معنية بجولة عنف أخرى مع إسرائيل؛ فمن الممكن جدًا إحالة الطرفين لتفاهمات "عناقيد الغضب" من عام 1996.

الوضع في الشمال كان مشابهًا حينها للوضع الحالي في الجنوب؛ أمام إسرائيل كانت تقف ميليشيات حزب الله، تنظيم شيعي متشدد، أسس في بداية حرب لبنان الأولى، وحينها أقسم على دحر إسرائيل ليس فقط من "المنطقة الامنية" جنوب لبنان، بل من الشرق الأوسط كله. حكومة لبنان - كالعادة - كانت ضعيفة، تقف على أقدام دجاج، تعتمد على سوريا ورهينة لحزب الله.

في ابريل 1996، على خلفية عيد الفصح، بدأ حزب الله بقصف الشمال؛ الحياة هناك تعرقلت، والسياحة انقطعت، ولجأت حكومة إسرائيل برئاسة شمعون بيرس لكافة القنوات الدبلوماسية، وبالأخص الامريكان والفرنسيين من أجل محاولة التوصل لهدنة، لكن الميليشيات لم تكن مستعدة لأن تستمع لأي هدنة كهذه، ووابل الصواريخ لم يتوقف. لم يكن لدينا أي مصلحة بالدخول لمواجهة عسكرية مع التنظيم، وذلك لأننا عرفنا أن حكومة لبنان لا تقف وراءه، وأن من سيدفع أساس ثمن المواجهة سيكون سكان لبنان، كما عرفنا أيضًا أنه حين تنتهي الجولة، لن ينتصر أي من الطرفين وحقًا لن يتغير الوضع.

كوزير في مكتب رئيس الحكومة، كنت مطلعًا حينها على المحادثات التي حاولت الجهات الدبلوماسية إجراءها من أجل وقف اطلاق النار. آخر شيء كنا نريده هو العودة للوضع السابق، عملية تصفية الحساب من يوليو 1993، والتي حاولت في أعقاب إطلاق نار مشابه أن تؤدي بسكان جنوب لبنان للتوجه نحو الشمال، نحو بيروت، والضغط على الحكومة اللبنانية لوقف اطلاق النار. وبدلًا من ذلك، وجدنا أنفسنا في عملية مشابهة أنتجت فاكهة متعفنة. حين أخطأ جنود إسرائيليون بهدف إطلاق النار وتسببوا بمقتل 102 مدنيًا لبنانيًا خلال فرارهم نحو معسكر الأمم المتحدة في قانا، انتهت هذه العملية المؤسفة.

حينها بدأت الخطوة غير العادية التي أدت لتفاهمات "عناقيد الغضب". كانت هناك مفاوضات سرية تهدف لتخفيف حدة اللهب بين الطرفين (في وضع مختلف لا يريد فيه القوي تحقيق كامل قوته)، لقد توصلنا للتفاهمات - شفويًا - بعد عملية "تصفية الحساب"، لكن في "عناقيد الغضب" كانت تفاهمات مكتوبة.

حزب الله لم يكن طرفًا بالمفاوضات، ومن أدار المحادثات مع حكومة لبنان ومع حكومة إسرائيل كان الأمريكان والفرنسيون، كان الهدف إبعاد المواجهة العنيفة عن المدنيين وتركها للمقاتلين. هذه الوثيقة كُتبت على يد الجانب الأمريكي كموجز للتفهم الأمريكي لموقف إسرائيل ولبنان، وبمشاورات مع سوريا، وتحدد فيها أن "المجموعات المسلحة" في لبنان لن تهاجم إسرائيل، كي لا تمس إسرائيل وشركاؤها بمدنيين أو بأهداف مدنية في لبنان، وألا يتم استخدام مناطق تركز السكان كمراكز لإطلاق الهجمات. لقد تم تشكيل مجموعة مراقبة بمشاركة ممثلين من امريكا، فرنسا، سوريا، لبنان وإسرائيل، وظيفتها كان التعامل خلال 24 ساعة مع كل شكوى تُقدم لها على يد أحد الطرفيْن وتحديد موقفها بشأن كل شكوى كهذه، كما تقرر أن هذه التفاهمات لن تكون بمثابة بديل لاتفاق سلام.

لقد تشكلت مجموعة المراقبة بالفعل، وقد تقلصت أحداث إطلاق النار، لكنها لم تتوقف نهائيًا، وفي كل حادثة كهذه تم تقديم شكاوى تمت مناقشتها من قِبل المجموعة التي التقت في رأس الناقورة في لبنان. الاستنتاجات تم نقلها لكلا الطرفين، لكن لم يتم نشرها، ولذلك لم تكن سببًا في مزيد من المواجهات. المحادثات الداخلية كانت شخصيات معنية، وأكثر من مرة كانت ذات صلة ونزيهة.

تفاهمات "عناقيد الغضب" هي نوع من الضرورة التي لا تُدان. حين لا يكون هناك إمكانية للتوصل لمفاوضات مباشرة بين طرفين، حين تكون الفجوات كبيرة جدًا وحين يفهم كلا الطرفين أن المواجهة العنيف لن تحسن وضعه. من الجدير بنا أن نتباحثها الآن مجددًا، وبالأخص الآلية التي تشكلت حينها ومنعت وضعًا كان فيه الرد الوحيد على إطلاق النار من جانب هو إطلاق النار من قِبل الطرف الآخر.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر