اللغة : العربية

إسرائيل النووية وبيت العنكبوت

05 تشرين الثاني / نوفمبر 2018

بقلم: عبد الرحمن شهاب

 

أطلس للدراسات

يهتم الكثيرون بتذكيرنا أن إسرائيل دولة تملك أكثر من 200 رأس نووي، وذلك كلما نوقش موضوع قتال هذه الدولة ومناهضة احتلالها لأرض فلسطين، فيما يفسرون عجزها عن الحسم في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وعن استخدام تلك القوة ضد المقاومة اللبنانية 2006، وأخيرًا ترددها في احتلال القطاع وتهجير أهله، وكذلك التخلص من مأزق الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية بتهجير أهلها مرة أخرى؛ بأن ذلك نابع من قوة أخلاقية إسرائيلية، ومن التزام إسرائيل بالقانون الدولي واحترامها لحقوق الانسان، رغم أنها قتلت وارتكبت مجازر، وهجرت سابقًا في 1948 و1967 و1982 وغيرها من المجازر.

الحقيقة ان إسرائيل فعلًا تملك قدرة تدميرية أكثر من أي جيش في الشرق الأوسط، وتملك أسلحة دمار شامل وإبادة جماعية، لكن هل تملك استخدام هذه القوة؟ خلال النقاش الدائر في إسرائيل داخل أروقة الأمن والسياسة فيما يتعلق بالتعامل العسكري لمشكلة غزة؛ يناقشون ثلاثة مسائل ويوازنون بينهما؛ الأول: ما حجم الخسائر التي يحتملها المجتمع الإسرائيلي حال الدخول في مواجهة؟ والثاني: ما هي النتائج السياسية للمواجهة؟ وما هو الزمن الذي يمكن أن يحتمله المجتمع الدولي والمجتمع الإسرائيلي والعالم العربي والإسلامي لطول المعركة؟ والأمر الثالث: ما هي حدود استخدام القوة؟

لا يناقشون هناك الاعتبارات الأخلاقية لنتائج استخدام القوة ، فهذا الأمر عندما يُناقش داخل المنظومة السياسية والأمنية في إسرائيل لا يؤخذ بعين الاعتبار البعد الأخلاقي؛ بل يناقش من خلال تأثيره على المهلة الممنوحة للجيش بالاستمرار في استخدام القوة الزائدة ضد طرف أضعف منه وضد شعب محتل وصاحب حق. الحديث هنا عن المهلة التي يمنحها الرأي العام العالمي والعربي قبل أن يشكل ضغطًا على المحتل لإيقاف عدوانه.

 

شرعية المحتل وشرعية العدوان

إسرائيل تدرك مشكلة شرعية وجودها على هذه الأرض أكثر ممّا يدركه العرب أنفسهم؛ بل وبعض الفلسطينيين الذين استسلموا للهيبة وللقوة الإسرائيلية، فهي تدرك أنها جسم أجنبي نتج عن احتلال الغرب للعالم العربي والإسلامي، والذي توج بتقسيمه وزرع إسرائيل كقوة ممثلة للاحتلال الغربي لتحافظ على تقسيم المنطقة، وأن المحافظة على هذا التقسيم تقتضي عدم القيام بأي فعل يمكن أن يخلق وعيًا في المنطقة يعمل على توحيدها وعدم خلق أي هم مشترك لدي الشعوب العربية والإسلامية، لأن الهم المشترك هو الوحيد القادر على تجاوز الهموم والخلافات الصغيرة، وليس هناك همًا يُمكن أن يوحد العالم العربي أكثر من الهم الفلسطيني والشعور بضياع المسجد الأقصى.

كل دور شعبي متجاوز لحدود "سايكس بيكو" ومشترك للعالم العربي هو ليس في مصلحة إسرائيل، بل ويُعيد إلى الذاكرة أصل الصراع الإسلامي - الغربي، وتلك العداوة القديمة بين اليهود والمسلمين، وقد لاحظنا كيف وقفت إسرائيل مع الثورة المضادة للربيع العربي ودعمت مشروع الصد الذي قامت به السعودية ودول الخليج، ذلك الربيع العربي الذي كان عبارة عن صحوة ضد الاستعمار بوجهه العربي ونزعة نحو التحرر الحقيقي من الاستعمار.

 

القدرة النووية الإسرائيلية

إسرائيل حصلت على القوة النووية لهدف واحد ووحيد، وهو تثبيت كيانها، كونها تدرك أنها مهددة وجوديًا على هذه الأرض، وأن المحيط الذي زرعت فيه لن يقبل بها يومًا من الأيام؛ ولذلك عملت للحصول على السلاح النووي كمثبت وجودي، وحرصت في المقابل على أن يبقى امتلاكها للسلاح النووي غامضًا كي لا يخلق سباقًا تسليحيًا في المنطقة، وتصبح إسرائيل والشعب اليهودي مهددان بمحرقة وكارثة تاريخية أخرى، ويكون ذلك نتيجة تهجيرها لشعب واحتلال أرضه.

استخدم السلاح النووي ضد المدنيين في اليابان، ولم يستخدم مرة أخرى، وأصبح النووي سلاحًا استراتيجيًا تملكه الدول لتأمين وجودها وحمايتها من الإبادة وليس لاستخدامه ضد أي جهة خلال الصراعات على الحدود أو النفوذ أو الموارد، فلم يعد العالم يحتمل استخدام هذا السلاح أو أي سلاح دمار شامل، حتى اعتبر في المجال الاستراتيجي سلاحًا مساعدًا للاستقرار وليس مساعدًا للتوتر، ومثالٌ على ذلك الهند والباكستان، اللتان تراجعت شدة وعدد الحروب بينهما وحدود ميادين الحروب وطولها منذ امتلكت الدولتان سلاحًا نوويًا.

إن استخدام الأسلحة الفتاكة - وحتى ما يُعتبر منها سلاحًا غير استراتيجي - يترك آثارًا على محيط المكان الذي استخدم فيه هذا السلاح، الآثار تنتشر عبر أجيال البشر وأجيال باقي الكائنات، كما ان مساحة فلسطين أصغر من ان تحتمل استخدام هذا السلاح، لأن الآثار المترتبة على ذلك ستطال كل من يسكن على هذه الأرض؛ ولذلك لا يمكن استخدامه من قبل الجيش الإسرائيلي ما دام هناك يهودي يطمع في البقاء على هذه الأرض، وقد لاحظنا أن وزارة الصحة الإسرائيلية تقلق من تزايد تدفق مياه الصرف الصحي إلى مياه البحر قبالة شواطئ غزة، والتي تتجه شمالًا نتيجة الرياح لتلوث الشواطئ "الإسرائيلية"، وبالتالي تتسرب إلى المياه الجوفية تحت المدن "الإسرائيلية"، كما تتابع بقلق الأوبئة التي قد تنتشر في الضفة والقطاع؛ ليس حرصًا أخلاقيًا على الفلسطينيين، بل لأن الرياح ستنقل هذه الأوبئة إلى المستوطنات الإسرائيلية ومن ثم إلى جميع الإسرائيليين، ومن هنا لا يُمكن أن نتصور زعيمًا إسرائيليًا يقدم على اتخاذ قرار باستخدام تلك الأسلحة.

قد يطرح البعض فكرة أن إسرائيل طوّرت قنابل محدودة القدرة والمساحة، بحيث يكون أثرها التدميري محدودًا وأثرها على البيئة أيضًا محدود. سأتحدث عن نموذجين من استخدام أسلحة دمار شامل محدودة:

النموذج الأول/ استخدام الولايات المتحدة لليورانيوم المُنَضب خلال احتلالها للعراق 1991 وكذلك 2004، فقد كانت هناك أثار تدميرية هائلة على البشر والتربة وجميع باقي الكائنات الحية، كما كان لها أضرار على الجنود الأمريكيين أنفسهم، وقد بذلت الإدارة الأمريكية جهودًا كبيرة من أجل إخفاء تلك الآثار، ناهيك عن تكاليف التخلص من مخلفات استخدامه. لقد تعرضت الولايات المتحدة لانتقادات نتيجة ذلك، ويمكننا القول بأن الحرب لو كانت على الأرض الأمريكية لما استخدمت الولايات المتحدة هذا السلاح.

النموذج الثاني/ إسرائيل استخدمت الفوسفور لمرة واحدة ضد الفلسطينيين خلال العدوان على غزة (2008-2009) ولم يتكرر استخدامه - في تقديري - لسببين: الأول والأهم للآثار التي نشأت عن ذلك، ولم نطلع على كثافتها كوننا كفلسطينيين ليس لدينا الأدوات التي تكتشف تلك الآثار، والثاني هو الرأي العام العالمي الذي لم يحتمل استمرار العدوان وتدخل لإنهائه، فقد كان لاستخدام الفوسفور دور في تقصير الزمن الممنوح للاحتلال للاستمرار في عدوانه.

 

بيت العنكبوت

عندما تحدث السيد حسن نصر الله في خطاب بيت العنكبوت عام 2000، كانت بداية عصر جديد دخلته إسرائيل بعد الانسحاب من جنوب لبنان، انكشف هذا الوهن بعد ذلك بست سنوات في حرب لبنان الثانية، فقد بدى الجيش الإسرائيلي مستميتًا للحصول على التقاط صورة لعلم إسرائيلي مرفوعًا فوق نفس المينى الذي ألقى منه نصر الله خطابه.

لقد انتقلت الحروب الإسرائيلية لتصبح على الأرض الفلسطينية، التي يسيطر عليها الجيش، وداخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وأصبح المجتمع الإسرائيلي جزءًا من القتال اليومي؛ هكذا كانت الانتفاضة الثانية (من خلال العمليات الاستشهادية)، وكذلك خلال العدوان على لبنان 2006، وعلى قطاع غزة ثلاث مرات (2008، 2012، 2014)، فلقد أصبحت الجبهة الداخلية جزءًا من أية معركة يخوضها الجيش الإسرائيلي؛ ومن هنا فإن البيت الحاضن للجيش (الجبهة الداخلية) أصبح يدفع ثمن الاقتتال، وهو الذي كان يطالب بأن يسمح للجيش بأن يحقق الانتصار، أصبح يعلم معنى الحرب وتكاليفها المادية والمعنوية والبشرية؛ ومن هنا انتقل إلى حالة بيت العنكبوت، فلم يعد ذلك المجتمع الذي بإمكانه احتمال حياة الحروب، فلم يأتِ لهذه الأرض إلا للحياة الآمنة، وليس للتعرض للقتل.

 

ظلال مسيرات العودة

لقد كشفت مسيرات العودة مدي محدودية قدرة الجيش الإسرائيلي على استخدام القوة، فلا الشعب الإسرائيلي مستعد لدفع تكاليف حرب من أجل منع الفلسطينيين في القطاع أو الضفة من تقرير مصيرهم، ولا الجيش الإسرائيلي مستعد لخوض معركة لا يمكنه حسمها؛ بل قد علمته التجربة وأصبح علي يقين بأنه إذا دخل معركة مع المقاومة - رغم أنها محدودة القوة - فلا يمكنه تحديد نهاية المعركة، ولا يمكنه تقدير حجم الخسائر، ولا يمكنه تقدير الثمن السياسي الذي سيخسره كمخرجات سياسية للمعركة، ولا يمكنه تقدير مدي زعزعة شرعية وجوده التي اكتسبها نتيجة تحالفه مع زعامات المنطقة العربية، كما لا يمكنه تقدير الانتكاسة في نظر هؤلاء الذين يعتمدون في السيطرة على شعوبهم بالتحالف معه، وسيدركون بعد أن اتكأوا عليه لمواجهة المد الإيراني في المنطقة بأنه حليف لا يمكن الاعتماد عليه، وسيسقط أيضًا في نظر الدول الغربية الحليفة، التي ترى في هذا الكيان راس حربة لها في العالم الإسلامي.

هذه هي الدولة النووية، والتي لا تشبه إلا بيت العنكبوت؛ بل هي أوهن من ذلك.

انشر عبر