اللغة : العربية

ترنحات في اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن

29 تشرين الأول / أكتوبر 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: جلعاد شير، مور بن كاليفا 

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

الإعلان الدراماتيكي للملك عبد الله الثاني بعدم استئناف الاتفاق الخاص المتعلق بالباقورة والغمر، اللتيْن يعمل بهما إسرائيليين، استنادًا إلى البند (6) من كلا الملحقين (1ب) و(1ج) لاتفاق السلام بين إسرائيل والأردن، والذي تم توقيعه في 26 أكتوبر 1994. البند ينص على أنه "بدون المساس بحقوق الملكية الخاصة للأراضي في المنطقة سيبقى هذا الملحق ساري المفعول حتى 25 عامًا، وسيتم تجديده تلقائيًا لنفس الفترة؛ إلا لو تم الاعلان قبل عام عن انتهاء المدة من قبل أحد الطرفين، وفي حالة كهذه - بناءً على طلب أحد الطرفين - سيتم استئناف المشاورات".

قبل عام من التجديد التلقائي للملحق، أعلن ملك الأردن أنه لن يتم تجديد الاتفاق، وسيفرض بشكل كلي السيادة الأردنية على هذه المناطق. إن ملحقي اتفاق السلام متماثلان، ومتعلقان بأراضٍ في منطقة الباقورة في الشمال والغمر في الجنوب، حوالي 800 وحوالي 2000 دونم على التوالي، وتم الاتفاق بشأنهما على "إدارة خاصة". إن الواقع المعقد في كلتا المنطقتيْن المحددتيْن فرض اتفاقًا خاصًا: سيادة أردنية، ملكية إسرائيلية على الأراضي و/ أو العمل في الأراضي على يد مزارعين إسرائيليين، وحق استخدام العقارات التي أعطتها الأردن لإسرائيل، لفترة 25 عامًا قابلة للتجديد.

لقد تم التوقيع على اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن في أكتوبر 1994، العلاقات السرية بين البلديْن مستمرة من سنوات الخمسينات للقرن الماضي، حتى وصلت عام 1987 لاتفاق مبدئي غير رسمي خلال لقاء الملك حسين مع الوزير شمعون بيرز، في لندن. الاتفاق تطرق لخطوة، وليس لقضايا جوهرية: عقد لجنة دولية برعاية أممية تناقش حل الصراع الإسرائيلي - العربي والقضية الفلسطينية، على أساس قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة 242، وتشكيل لجان مشتركة، واحدة منها من أجل المفاوضات بين إسرائيل وبين ممثلية أردنية فلسطينية، لكن هذا الاتفاق انهار في كلا الجانبين، بدءًا بإسرائيل، في الكابينت برئاسة رئيس الحكومة إسحاق شامير، وبعد اندلاع الانتفاضة في ديسمبر 1987، على يد الملك حسين. وصل وفد أردني - فلسطيني مشترك لمؤتمر مدريد عام 1991. إن توقيع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية على الاتفاق المبدئي لأوسلو (سبتمبر 1993) سمح باستئناف سري للمحادثات بين إسرائيل والأدن، وبعد عام من ذلك تم التوقيع على اتفاق السلام.

الاتفاق ضم تعديلات بسيطة على الحدود، ومن بينها تعليمات خاصة بشأن المناطق الزراعية في الباقورة والغمر، كما شمل الاتفاق بندًا يعطي للمملكة الهاشمية دور خاص في الأماكن المقدسة الاسلامية في القدس، ونص على أنه "عند المفاوضات حول الوضع النهائي، ستعطي إسرائيل أولوية عالية للدور الأردني التاريخي في الأماكن المقدسة".

العائلة المالكة في عمان تعتقد بأنه لو لم يكن هناك اتفاق إسرائيلي - فلسطيني دائم بشكل عام، وفي البلدة القديمة بالقدس بشكل خاص، ستصل الأمور لحريق إقليمي وتهديد حقيقي على الأردن؛ لذلك كان الأردنيون شركاء نشطون في نقاط اللقاء الأساسية في عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية، وملوك الأردن (بدءًا من حسين، وبعد وفاته ابنه عبد الله) حضروا مراسم توقيع الاتفاقيات بين إسرائيل ومنظمة التحرير، بما فيها الثامن والأخير الذي تم التوقيع عليه حتى الآن، مذكرة شرم الشيخ، في سبتمبر 1999.

إن اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن، الذي هو اليوم في بداية عامه الـ 25، صمد أمام أزمات حادة خلال هذه الفترة، بدءًا من مقتل سبع فتيات على يد جندي أردني في هجوم في "نهاريم" 1997، ومحاولة الاغتيال الفاشلة لمسؤول حماس خالد مشعل على أرض الأردن في نفس العام، مرورًا بانتفاضة الأقصى خلال سنوات (2000 - 2005)، التوتر والاحتجاجات في الحرم القدسي في (2014 - 2017)، وكذلك مقتل مواطنين أردنيين على يد رجل أمن من السفارة في عمان في العام الماضي، ومنذ فترة طويلة لم يعمل سفير أردني في إسرائيل.

بجانب الأزمات ولحظات الركود السياسي، في السنوات الماضية منذ توقيع اتفاق السلام تم التوقيع (وفعلًا تم تنفيذها) على عدة تفاهمات متبادلة مختلفة في مجال الاقتصاد، البيئة، التجارة، الصحة العامة، العلوم، الثقافة والزراعة، واتفاقيات في مجال الغاز الطبيعي، المياه والسياحة، على نطاقات واسعة، تم توقيعها في العقد الماضي.

مشروع قناة البحرين - المخصص لإنقاذ البحر الميت، بتزويد مياه محلاة للمنطقة، إنتاج طاقة كهرومائية وتطوير مجالات الزراعة والسياحة - لم يسر كما كان مخططًا من ناحية إسرائيل. الأردن، من جانبها، أعلنت أنها مستمرة في المشروع بشكل مستقل واتهمت إسرائيل بأنها تقوض التعاون الاقليمي. ممر السلام في أريحا مشروع أردني - فلسطيني - إسرائيلي، يهدف لإقامة بنى تحتية اقتصادية للسلام الاقليمي، يُفترض أن يكون عنصرًا أساسيًا في تطوير الصناعة الفلسطينية في الضفة الغربية. مشروع "بوابة الأردن" منطقة صناعة مشتركة إسرائيلية - أردنية في منطقة وادي الينابيع، الذي يستند على أساس مبدأ تجارة حرة بين البلدين للولايات المتحدة، تم الاتفاق عليه في 1998، لكن فقط في صيف 2018 تم الانتهاء من بناء الممر في الجانب الإسرائيلي، وقريبًا سيبدؤون في موقع أعمال التطوير.

في المجال الأمني، يحافظ كلا البلدان على التعاون الكامل على الحدود الهادئة بينهما. صفقات سلاح وإمدادات عسكرية وشرطية يتم تنفيذها بدعم من الولايات المتحدة وبمساعدتها بعيدًا عن أعين الجمهور، وكلا الجيشان على علاقة دائمة تشمل تدريبات وتمارين.  مع ذلك، تنظر الأردن للجمود السياسي الإسرائيلي - الفلسطيني واستمرار سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية على أنه تهديد استراتيجي حقيقي. الملك حسن، أخ الملك حسين، وصف الأمر في وقت من الأوقات بانه "عدوان ديمغرافي".

الأردن تشهد الآن وضعًا اجتماعيًا - اقتصاديًا غير مستقر ومتوتر. الوضع نابع - من بين جملة أمور - من العبء الشديد المفروضة عليها من ناحية اقتصادية، بنى تحتية، سياسية واجتماعية. مليون وأكثر لاجئ أغلبهم جاؤوا من سوريا، وأقلية من العراق واليمن. علاوةً على ذلك، تراجع الدعم المالي من دول الخليج في السنوات الماضية، وفي عام 2017، وصلت نسبة البطالة لأعلى مستوى منذ 25 عام، حوالي 18% من السكان.

ربما كان يمكن منع هذه الأزمة الحالية مسبقًا من خلال سياسيات حكيمة ومستقبلية لإسرائيل، ولمنع مفاجأة سياسية محرجة ومخاطر مستقبلية على مزارعين إسرائيليين. ولأنها اندلعت، يجب أن نأمل بأن لا تشكل الأزمة تشكل نقطة تحول للأسوأ في العلاقات بين البلديْن. لقد أثبتت إسرائيل والأردن في السابق أن باستطاعتهم التغلب على الأحداث الصعبة والمعقدة وحل الخلافات بينهما. المصالح الثنائية العميقة بين البلدين كثيرة، سواء في المجال الاقتصادي، أمن داخلي، توفير مياه، زراعة وبالطبع الأمن الإقليمي.

اتفاق السلام نفسه يشمل آلية مشاورات متبادلة، وبها يجب البدء على الفور، في بداية عام الإعلان التمهيدي، وليس الجلوس، مجددًا، بدون فعل شيء. كلا الطرفان معنيان بوجود اتفاق السلام بينهما؛ ولذلك ليس هناك أي منطق أو معنى لتهديد وزراء في حكومة إسرائيل بمعاقبة الأردن على الخطوة التي اتخذتها. هذه التصريحات غير مسؤولة.

لا يمكن أن نتوقع أن يتراجع الملك عن إعلانه، لذلك يجب على إسرائيل أن تركز على المفاوضات والاستعدادات قبيل انتهاء استخدام هذه المناطق التي بيد الإسرائيليين، على تمديد فترة النقل، على إيجاد حلول بديلة للمزارعين الإسرائيليين، وقيمة التعويضات التي سيتم دفعها لإسرائيل. إن هذا بمثابة اخفاق خطير، يجب التعامل معه من خلال حوار معتدل وتجاهل الاعتبارات السياسية الداخلية، والأهم من كل ذلك، بعيدًا عن الأضواء.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر