اللغة : العربية

الباقورة والغمر.. انفجار علني واحتواء داخلي

25 تشرين الأول / أكتوبر 2018

 

أطلس للدراسات

قرار الملك عبد الله، ملك الأردن، بوقف تأجير أراضي الباقورة والغمر لإسرائيل، الذي أعلن عنه قبل أيام، ورغم أنه وقع على الإعلام الإسرائيلي كالرعد في يوم صافٍ؛ لم يفاجئ حكومة الاحتلال، وهي التي تتابع كل ما يدور حولها ويرتبط بها، ولا شك بأنها عرفت بهذا التوجه الأردني عبر قنواتها السرية، وعرفت به منذ انطلاق المطالبات الشعبية الأردنية، لكنها باستعلائها وعدوانيتها اصرت على التعامي عن هذا التوجه، وحتى أنها أصرت - وبحسب المتابعين الإسرائيليين - على تجاهل الأمر وتصعيد استفزازها للمملكة الأردنية، سواء فيما يتعلق بالقدس والحرم القدسي أو ما يتعلق بنشاطها العلني السياسي الذي كان هدفه دومًا إرضاء شعور القوة والغرور لدى الجمهور اليميني، دون مراعاة مشاعر الأردن، حتى لو كان ذلك بجرح مشاعرهم علنًا مثلما فعل نتنياهو عندما استقبل القاتل حارس السفارة بعد جريمة قتله لأحد الأردنيين، ممّا أثار في ذلك الوقت الكثير من الغضب لدى الأردنيين.

الأزمة السياسية الأردنية - الإسرائيلية فيما يتعلق ببسط السيادة الأردنية على المنطقتين وعدم تجديد اتفاقية الإيجار، هي على مسار العلاقات الديبلوماسية العلنية، ولا نعتقد في نهاية الأمر بأنها ستؤثر على مجمل العلاقات بين إسرائيل والأردن، لاسيما وأن معظم تلك العلاقات قائمة على المسار السري، وعلى التعاون والتنسيق العالي في القضايا الأمنية الثنائية والقضايا الإقليمية، وقد شاهدنا سابقًا حجم وقوة هذا التنسيق والتفاهم في الموضوع السوري، حيث ظهر واضحًا التنسيق الأمني والعسكري برعاية أمريكية.

إسرائيل نتنياهو لا يبدو أنها تشعر بأي حالة من حالات التوتر والضغط نتيجة المطلب الأردني وصدوره عبر تصريح علني من الملك عبد الله، وتعتقد بأن الأمر لا يعدو كونه محاولة وسياسة هدفها احتواء غضب الشارع الأردني. وفي كل الأحوال، فأن إسرائيل مستعدة للدخول في مفاوضات للوصول إلى تفاهم قد يستغرق سنوات، وبعيدًا عن الإعلام، وفي المحصلة فإن الأمر بالنسبة لها لا يشكل أي قيمة اقتصادية جوهرية أو حتى أمنية.

"الباقورة" منطقة حدودية أردنية تقع شرق نهر الأردن، في محافظة إربد في الشمال، وتقدر مساحتها الإجمالية بحوالي ستة آلاف دونم (الدونم يعادل 1000 متر مربع)، وقد احتلت إسرائيل المنطقة عام 1950 واستعادها الأردن بموجب اتفاقية السلام بين البلدين. أما "الغمر" فهي منطقة حدودية أردنية، تقع ضمن محافظة العقبة (جنوب)، وتبلغ مساحتها حوالي أربعة كيلومترات مربعة، احتلتها إسرائيل خلال حرب حزيران/ يونيو 1967.

وتؤكد معاهدة السلام بين البلدين على سيادة الأردن على هاتيْن المنطقتيْن، ويشرف حاليًا الجيش الأردني عليهما، ويدخل المزارعون الإسرائيليون ويخرجون منهما من خلال نقاط عسكرية أردنية، وبالتنسيق بين الجانبين الأردني والإسرائيلي بعد حصولهم على تصاريح أمنية. ومنذ توقيع اتفاقية السلام بين الطرفين، تعهد الأردن بأن "يمنح دون استيفاء رسوم، حرية غير مقيدة لمستعملي الأرض (الإسرائيليين) أو ضيوفهم أو مستخدميهم بالدخول إليها والخروج منها واستعمالها والحركة ضمن حدودها، وأن يسمح لمستعملي الأراضي بالتخلي بحرية عن حقوقهم باستعمال الأرض وفق القانون الأردني المعمول به، وألا يطبق تشريعاته الجمركية عليهم وألا يفرض ضرائب تمييزية أو رسوم تمييزية على الأرض أو الأنشطة ضمنها".

وبموجب الملحق، لم يكن يحق للأردن تطبيق قوانينه الجنائية على الإسرائيليين بسبب نشاطاتهم في المنطقتيْن طيلة فترة الاتفاق. وتعهد الأردن كذلك بـ "أن يتخذ الإجراءات الضرورية لحماية أي شخص يدخل المنطقة حسب الملحق والحيلولة دون مضايقته أو إيذائه، وأن يسمح بدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي، بالحد الأدنى من الشكليات، إلى المنطقة، لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرًا بمستعملي الأراضي أو ضيوفهم أو مستخدميهم".

وتعهدت إسرائيل بحسب الملحق بعدم القيام أو السماح بقيام أية نشاطات في المنطقة من شأنها "الإضرار بأمن الأردن أو سلامته، وبعدم السماح لأي شخص يدخل المنطقة بموجب هذا الملحق (ما عدا ضباط الشرطة باللباس الرسمي) بحمل أية أسلحة من أي نوع في المنطقة ما لم يرخص له بذلك من قبل السلطات الأردنية المختصة، وبعدم السماح بإلقاء الفضلات من خارج المنطقة إلى داخلها".

وتعالت الأصوات المطالبة بإلغاء ملحقي تأجير منطقتي الباقورة والغمر مع اقتراب موعد انتهاء ملحقي اتفاقية السلام، إذ وقع 80 نائبًا على مذكرة نيابية ربطت استمرار منح الحكومة الأردنية الثقة بإلغاء عقدي التأجير الذين ينتهيان في 25 أكتوبر 2019. كما خرجت المظاهرات الحاشدة التي نظمتها النقابات والمعارضة الأردنية في الأسابيع الأخيرة للمطالبة باستعادة الحقوق الأردنية على هاتيْن المنطقتين.

المطالبة الأردنية باستعادة الباقورة والغمر وجدت صدىً كبيرًا لها في الإعلام الإسرائيلي، حيث احتلت صدارة العناوين ومقالات الرأي باعتبارها تعبيرًا عن أزمة قوية مع الدولة التي تتمتع بمكانة خاصة لدى إسرائيل واستقرارها واستقرار العلاقة معها، فضلًا عن أن تمتينها يشكّل عاملًا استراتيجيًا مهمًا في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، فبعضها حمّل مسؤولية انفجار الأزمة لسياسات نتنياهو، فكتب غيورا آيلاند أن العنوان كان مكتوبًا على الحائط، وأنه شخصيًا حذر من هذا الانفجار قبل سنة، وحمّل المسؤولية لوزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي ولنتنياهو شخصيًا، فيما مضى آخرون بأن غضب الملك وردة فعله جاء على سبيل الرد على سياسات نتنياهو في الحرم وإهمال مشروع قناة البحرين وإعادة إحياء أفكار الكونفدرالية، وهناك من حذر نتنياهو من المتاجرة بالحرم في سبيل شراء تراجع الأردنيين عن مطلبهم.

أما بعض المتابعين للسياسات العربية فاعتبروا أن تصريح الملك في الإعلام يعبر عن ضائقة ملكية لها علاقة بتوترات داخلية أردنية، ومحاولة من الملك لكسب رضي الشارع واحتواء غضبه، ووصفوا ذلك بورطة الملك بين مطالبات الشارع واحتقانه وبين الضغط الإسرائيلي عليه. أما صحيفة "هآرتس" فاعتبرت ان الأخطر في الموضوع هو ما تسببت به سياسة نتنياهو بالقضاء على إحدى طرق تسوية الخلافات، حيث ان التأجير من وجهة نظرها لا ينطوي على أهمية اقتصادية بقدر قيمته كسبيل لحل الخلافات وتجاوزها وشق طريق لاقتراحات بديلة يمكن نمذجتها على الساحة الفلسطينية والسورية لاحقًا.

في النهاية، بتقديرنا فإن الانفجار العلني للأزمة أفاد نظام الملك بشكل كبير جدًا، ومنحه رصيدًا كبيرًا، وإن المعالجات الحقيقية ستتم في جلسات مغلقة بعيدًا عن الإعلام وستستغرق وقتًا طويلًا وستتشكل لها الكثير من اللجان؛ لكن للأمر مدلولات عميقة وكبيرة تختمر على مدار الوقت.

انشر عبر

متعلقات