اللغة : العربية

على إسرائيل أن تخرج من سجن الكلام

22 تشرين الأول / أكتوبر 2018

هآرتس

 

بقلم: تسيفي برئيل

أطلس للدراسات

منذ بدء مسيرات العودة في قطاع غزة، والافتراض السائد: لا  إسرائيل ولا حماس معنيتيْن بحرب، بل بالتسوية. ولكن عندما يكون أفق إعادة إعمار القطاع آخذ في الابتعاد، وبعد أن مد يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة، يده لوقف إطلاق النار؛ فإن حماس من شأنها أن تفكر بأن بإمكانها تحقيق إنجازات عن طريق الحرب أكثر ممّا تحقق عن طريق الاتصالات الطويلة وعديمة الجدوى مع إسرائيل، حيث ان اتفاق إعادة الإعمار الواعد جدًا حققته حماس بالذات بعد عملية "الجرف الصامد".

حماس من شأنها أن تجد نفسها في نفس الشرك الذي تقدر فيه بأن إسرائيل لا تريد الحرب، لذلك مسموح لها بأن تشد الحبل دون خوف.

"إذا لم تتوقف هذه الهجمات فنحن سنوقفها، إسرائيل ستعمل بقوة شديدة" هكذا تعهد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في جلسة لتقدير الوضع قبل أسبوع مع كبار قادة قوات الأمن، فيما قال وزير الجيش أفيغدور ليبرمان في ذات الأسبوع "لقد استنفدنا كل الإمكانيات، ويجب علينا أن نوقع ضربة شديدة بحماس".

الافتراض الذي يرافق المواجهات مع حماس والفصائل الأخرى في غزة منذ بدء مسيرات العودة هو أن إسرائيل وحماس غير معنيتيْن بحرب، فالطرفان يريدان "التهدئة"، أي وقف طويل المدى لإطلاق النار، والذي ثمنه معروف: إسرائيل تسمح بإعادة إعمار الاقتصاد (وليس فقط مساعدة إنسانية محدودة في غزة)، بحيث يتضمن إقامة ميناء ومنطقة صناعية في المنطقة المصرية، بينما حماس من ناحيتها تتعهد بوقف المسيرات وإطلاق البالونات الحارقة وتتنازل عن الكفاح المسلح.

"لا يوجد أيّ طرف معني بالحرب، والحرب لن تفيد أحدًا" أوضح يحيى السنوار، في مقابلة نشرت في "يديعوت احرونوت". أقوال السنوار لم تترك انطباعًا خاصًا على القيادة الإسرائيلية، لاسيما على خلفية استمرار المظاهرات على الجدار، وإطلاق البالونات والصواريخ نحو إسرائيل.

إسرائيل سجنت نفسها في سجن البلاغة العدوانية، التي تحاول نقل القرار إلى ملعب حماس، "إذا سيطرت حماس على المظاهرات غدًا، فسترى إسرائيل في ذلك إشارة إلى استعدادها لمواصلة التسوية، وإذا استمر إطلاق الصواريخ والمظاهرات فهذه إشارة إلى أن حماس تريد إجبار إسرائيل على التنازل أو شن حرب"؛ هذه معادلة غير واقعية تضع منذ أسابيع طرفًا واحدًا فقط في الاختبار، ولا تطلب من إسرائيل أن تتوقف هي نفسها عن إطلاق النار على المتظاهرين، والذي يغذي بنفسه المزيد من المظاهرات.

الوضع الذي أجرى فيه الطرفان مفاوضات غير مباشرة بوساطة مصر لإجمال تفاصيل التسوية، تحول إلى مفاوضات علنية على رسم العتبة، والتي منها لن يكون هناك طريق للعودة إلى القتال؛ ميزان التهديدات هذا يناقض الافتراض الذي يقول بأنه لا يوجد أي طرف معني بالحرب. اتفاق الإعمار الذي حققته حماس بعد عملية "الجرف الصامد"، وعلى الرغم من حقيقة أن الاعمار لم ينفذ؛ فقد تحول الاتفاق لحجر أساس لكل خطة للهدنة، التهدئة أو التسوية تم بحثها بعده. في حماس يشرحون بأن تصريحات إسرائيل استهدفت تخويف التنظيمات وجعلها تتراجع عن طلباتها، ولكن حماس أيضًا يمكن أن تجد نفسها في نفس الشرك: هي تقدر بأن إسرائيل لا تريد الحرب؛ لذلك مسموح لها شد حبل المفاوضات دون خوف.

في هذا الوضع، رأى رئيس المخابرات المصرية عباس كامل أن إسرائيل وحماس مرة أخرى تضعان مصر في اختبار السيطرة، مصر - حسب التفاهمات - هي مَن يجب أن تضمن السلوك الأمني "الجيد" لحماس، بيدها أن تفتح القطاع أمام عمليات إعادة الإعمار، وهذا متعلق بسلوك حماس، التفاهمات مع حماس سبق وأجملها كامل في بداية الشهر عندما التقى في القاهرة مع وفد كبار قادة حماس برئاسة صالح العاروري. كامل سينهي مع محمود عباس تفاصيل التعاون بين السلطة وقطاع غزة، التي أساسها الإفراج عن الأموال لدفع الرواتب، والخطوات التي ستؤدي لعودة السلطة إلى غزة.

تصميم عباس حتى الآن على عدم التعاون مع العملية المصرية طالما أن حماس لا تتنازل عن سيطرتها على غزة ونزع سلاحها؛ خلق خطًا التفافيًا، تلعب فيه قطر دور الصراف الآلي الذي يموّل الآن دفع الرواتب، ولكن إشراك قطر ليس هو حلم مصر، التي بينها وبين قطر قطيعة سياسية وعداءً علنيًا. يبدو أنه في زمن الأزمة، ومن أجل لي ذراع عباس، الذي قيد نفسه مع واشنطن وإسرائيل ومصر؛ فإن قطر هي حل مؤقت ومقبول أيضًا من قِبل مصر.

الهدف المصري كان وما زال أن تسود المصالحة بين فتح وحماس، من أجل إعادة المسؤولية على غزة إلى أيدٍ فلسطينية؛ هكذا يمكن للقاهرة التحرر من المسؤولية عن أمن الحدود مع إسرائيل، أيضًا هنا اضطرت مصر إلى التنازل، وهي الآن لا تتمسك بإشراك السلطة الفلسطينية بالسيطرة على غزة كشرط لإعادة إعمار القطاع؛ وبهذا فإنها تعزز سياسة إسرائيل التي تعارض المصالحة الفلسطينية الداخلية من أجل فصل المنطقتيْن الفلسطينيتيْن الجغرافيتيْن، وبالتالي إحباط أي جهد لإقامة الدولة الفلسطينية.

التصعيد اللفظي والعسكري يوضح لمصر أنه يمكنها مرة أخرى أن يكون مطلوب منها الانشغال بالتوصل إلى وقف إطلاق النار بدلًا من العمل على تحقيق التسوية طويلة المدى، وهذا كما يبدو هو سبب تأجيل زيارة رئيس المخابرات المصرية، الذي يفضل أن تثمر زيارته النتيجة السياسية وليس فقط تهدئة مؤقتة. السؤال الآن: هل بقي مجال لضبط النفس، الذي فيه إسرائيل تكون مستعدة للاكتفاء بمهاجمة أهداف محددة في غزة، وليس تنفيذ تهديدات نتنياهو وليبرمان؟ هذه ليست فقط معضلة عسكرية؛ بل خلاف سياسي، ليس فقط حماس تمليه، بل أيضًا - وربما في الأساس - الأحزاب اليمينية.

 

انشر عبر