اللغة : العربية

إطلاق الصواريخ والرسائل المتناقضة

18 تشرين الأول / أكتوبر 2018

 

أطلس للدراسات

في ظل ذروة من التعقيدات والحساسيات السياسية والأمنية وجهود العديد من الأطراف، ما قبل اختراق أبواب التهدئة والمصالحة الموصدة أو انفجارها؛ يطلق صاروخي بئر السبع و"بات يام" في توقيت احترافي من قبل الجهة المنفذة، سواء كان هدفها إيصال رسائل ضاغطة في لحظة حاسمة أو رسالة تخريب وتفجير وإجهاض لأية محاولات، فالصاروخ - الذي أصاب بشكل مباشر بيتًا في مدينة بئر السبع وألحق به دمارًا كبيرًا، ونجى ساكنوه بفعل إنذار الصافرات، حيث هرعوا للغرفة المحصنة في الطابق الأرضي - كان يحمل رسائل مهمة، بعضها حملها حجمه ورأسه المتفجر ودقته النسبية، وبعضها حمله التوقيت واختيار الهدف ("بات يام" وبئر السبع)، وبعضها حملتها قدرة مطلقي الصواريخ على إطلاق صواريخ من عيار ثقيل متى يشاؤون.

طوال الفترة الماضية التي شهدت تصعيدًا فلسطينيًا إسرائيليًا أثناء مسيرات العودة والإرباك الليلي وغيرها من أشكال التصعيد، وبرغم سقوط عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين وعدد كبير آخر من الجرحى؛ التزمت فصائل المقاومة بعدم إطلاق الصواريخ، والتزمت وألزمت نفسها باستمرار التصعيد الميداني ذي الطابع الشعبي، تصعيد اعتبرته إسرائيل على أنه لا يتعدى الاستفزاز، لكنه لا يشكل سببًا للخروج لحرب، وكان هدف المقاومة وجهدها ينصبّ على ممارسة المزيد من الضغوط، لتفرض أمر حصار القطاع على أجندة المحاصِرين، وعلى أجندة دول الإقليم والأمم المتحدة، وقد نجحت إلى حد بعيد في ذلك.

اضطر العدو للتسليم بالأمر الواقع، وبعد ان حوصرت خياراته وفشل في قمع وإجهاض المسيرات وإرهاب القوى المنظمة لها؛ بدأ يدخل في مسار المساومة والمفاوضات، وصارت الوفود الدولية والعربية تتقاطر إلى القطاع للحوار حول المطالب ومحاولة احتواء المسيرات. وبما لا يتجاوز الخطوط الحمراء الإسرائيلية، وابتداءً من السقف الأدنى؛ بدأت العروض، ومع كل جولة من جولات الحوارات هذه رافقها تصعيد وتهديد.

انضباط المقاومة وقدرتها العالية على الصمود والتضحية والحشد الجماهيري، وامتلاكها سلة تصعيد متنوعة وإبداعية، وإظهارها دومًا المزيد من الدافعية والطاقة المتجددة؛ أربك الاحتلال وكشف حجم المعضلة التي يواجهها على جبهة القطاع. وما سُرب في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فضلًا عن تحليلات ما كان يدور داخل الكابينت في جلساته الخاصة بالقطاع، والتناقضات بين أقوالهم واتجاهات حواراتهم داخل الكابينت وبين أقوالهم للإعلام؛ شكّل عامل إحراج لهم، وأظهر حقيقة عجزهم وارتباك موقفهم وتهرّبهم من الحسم، تهربهم من الحسم على المستوى السياسي، حيث غياب أية استراتيجيات لديهم باستثناء استراتيجية الحصار واستمرار الوضع القائم، وتهرّبهم من الحسم العسكري أحيانًا بذريعة الانشغال بجبهة الشمال، وأحيان أخرى بسبب عدم الانتهاء من بناء العائق تحت الأرضي للتصدي للأنفاق.

لكن مع الوقت وزيادة شكوى مستوطني الجنوب، وتركيز المعارضة والإعلام على تهرب المستوى السياسي من حسم الأمر على جبهة القطاع، وفي ظل سخونة الأجواء الانتخابية وما تفرضها هذه الأجواء عادة من تصعيد خطابي؛ جعل المستوى السياسي (ممثلًا بنتنياهو تحديدًا) يميل إلى التقدم خطوه أخرى مهمة على مسار احتواء المسيرات، باقتراح درجة أعلى من التسهيلات، وفي نفس الوقت تصعيد خطابه التهديدي.

وفي هذا السياق، يُمكن أن نقرأ جولة وزير المخابرات عباس كامل، حيث سيزور القطاع للمرة الأولى منذ تعيينه وزيرًا للمخابرات، ومن الواضح أنه سيقوم بجولات مكوكية بين تل أبيب وغزة ورام الله، ومن المحتمل جدًا أنه لم يأتِ ليقوم بعملية فحص وإجراء مساومات؛ بل يحمل في جعبته أهم عرض حتى الآن، أي انه يحمل جزرة كبيرة وعصا كبيرة أيضًا، باعتباره عرض الفرصة الأخيرة قبل استسلام الجهود المصرية في درء الانفجار.

بغض النظر عن موقف الفصائل الفلسطينية ممّا يحمله الوزير كامل، فإن استقباله بإطلاق صاروخيْن من وزن ثقيل لهو أمر ينطوي على عبثية واستهتار ولا يخدم أحدًا، فثمة مكانة كبيرة لما يمثله الوزير كامل؛ لذلك نعتقد بأن الفصائل الفلسطينية التي أدارت معاركها وعلاقاتها بحكمة ودراية من غير المحتمل أن ترتكب مثل هذه الحماقة، بغض النظر عن الأهداف غير المباشرة التي يمكن أن تتحقق بإطلاق هذيْن الصاروخيْن، ونميل إلى أن من أطلق الصواريخ أراد أولًا إلغاء جولة الوزير كامل، وتوتير العلاقة مع مصر ثانيًا، والأهم أراد دفع الاحتلال عنوة لتصعيد هجومه على القطاع والانزلاق نحو التفجير وقطع الطريق، بل وإغلاق باب حوارات التهدئة تمامًا، والسؤال: من هي تلك الجهة؟ وكيف استطاعت أن تصل لمثل هذه القدرة في إطلاق صواريخ من هذا الطراز وفي هذا التوقيت ؟ أليس في ذلك شكلًا من أشكال العبث بجبهة المقاومة، إن لم نقل اختراقًا لها؟ ويلاحظ ان الأمر يعتبر تكرارًا لإطلاق سابق أيضًا استهدف بئر السبع قبل عدة أسابيع، وردت عليه إسرائيل بقصف مركز المسحال.

ولا يبدو ان الاحتلال قال كلمته الأخيرة فيما يتعلق بالرد على إطلاق الصواريخ حتى ظهيرة الأربعاء، ونعتقد بأن ردًا أوسع سيستهدف هدفًا مهمًا هو في مهداف الرد الإسرائيلي، والأهم أن إطلاق الصواريخ فجرًا زاد دفع المستوى السياسي الإسرائيلي تجاه الحسم، سواءً الحسم باتجاه التسوية أو التصعيد العسكري.

انشر عبر