اللغة : العربية

العراق كساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وبين إيران

07 تشرين الأول / أكتوبر 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: إلداد شبيط وراز تسيمات

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، مؤخرًا، وعلى خلفية الارتفاع المتزايد بالتهديد من جانب إيران والميليشيات الشيعية الحلفاء في العراق؛ أنه تقرر "مؤقتًا" نقل الدبلوماسيين الأمريكيين من القنصلية في البصرة إلى لسفارة في بغداد. البيان يلقي المسؤولية على "فيلق القدس" بقيادة قاسم سليماني في إطلاق النار نحو مبنى القنصلية، والذي حسب ادعاء الإدارة الأمريكية تم تنفيذه على يد عناصر من الميلشيات الشيعية. وحسب بومبيو، ترى الولايات المتحدة أن إيران هي المسؤولة، وسترد بأسرع وقت وبقوة على أي ضرر في الأرواح وفي الممتلكات قد يصيب الأمريكيين، حتى وإن تم تنفيذ الهجوم على يد ميليشيات محلية. يشار إلى أن البيان تم نشره بعد إطلاق عدة صواريخ مرتين خلال الأسابيع الماضية للمنطقة التي تقع فيها القنصلية، دون وقوع إصابات.

يجدر التأكيد على أنه خلال الأشهر الماضية تزايد التوتر في منطقة البصرة (التي تقع جنوب العراق، وأغلب سكانها شيعة) وظهر الأمر على شكل مظاهرات، رافقها خرق عنيف للنظام، ضد عجز الحكومة العراقية عن تقديم استجابة لأزمة المواطنين، وكل ذلك ضد إيران، بما في ذلك حرق للممثلية الدبلوماسية الإيرانية في المدينة. التوتر تجلى أيضًا على المستوى السياسي، حين اتُهم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بالمسؤولية المباشرة بشأن الوضع. عناصر موالية لإيران اتهمت أمريكا بأنها هي مَن ألهبت المظاهرات ضد إيران.

غير واضح إذا كان إخلاء القنصلية الأمريكية في البصرة جاء على خلفية معلومات حقيقية لدى الولايات المتحدة وتربط إيران بإطلاق النار، وهل فعلًا كان إطلاق النار موجهًا نحو القنصلية الأمريكية؟ علاوة على ذلك، وحسب تقارير صحفية، بحثت وزارة الخارجية الأمريكية في العام الماضي إغلاق القنصلية في البصرة في أعقاب تقليصات في الميزانية. الانطباع هو أن إعلان وزارة الخارجية نُشر بعد أن سارع البيت الأبيض لاتهام الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران بتنفيذ الهجمات، ورافقها إدارة حملة تبرز سلوكيات إيران الاشكالية في المنطقة، وفي إطار ذلك تم تشديد لغة الخطاب لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي جون بولتون، ضد إيران، أساسها التهديد بأن "إيران ستدفع ثمنًا باهظًا في حال مسّت بالمصالح الأمريكية".

في الواقع، تتطرق الإدارة الأمريكية في بياناتها لنشاطات إيران في المنطقة، لكن يبدو أنها تؤكد بشكل خاص على إمكانية اندلاع احتكاك في العراق. هذا، وقبل كل شيء، لأنها ترى في هذه الساحة الخطر الأكبر على خلفية تواجد أفراد عسكريين وعناصر مدنية أمريكية تعمل في أنحاء الدولة، كذلك في ضوء التجربة السابقة التي تضرر في إطارها جنود أمريكيون كُثر من نشاطات الميليشيات الشيعية بتوجيه إيراني. ونقل الإعلام الأمريكي أن الاستخبارات الأمريكية لديها معلومات تؤكد على أن الميليشيات الشيعية وعناصر أخرى تدعمها إيران تنوي تنفيذ عمليات ضد أهداف ومصالح أمريكية؛ لذلك فمن المرجح أن تأخذ الإدارة الأمريكية بالحسبان أنه في الوقت الذي تحظى فيه الحملة الشاملة ضد إيران بزخم - وخصوصًا بعد بدء مفعول العقوبات في مجال الطاقة والبنوك (بداية نوفمبر) - سيزيد من حافز إيران بتأكيد قوة ردعها.

في الوقت نفسه، تقود الولايات المتحدة حاليًا وإيران حملات إقناع أمام كل الجهات السياسية في العراق لضمان أن الادارة التي ستتشكل في أعقاب الانتخابات البرلمانية (مايو 2018) ستعمل حسب مصالحهم. يشار إلى أن حليف الولايات المتحدة، رئيس الحكومة السابق العبادي، لن يستمر في منصبه، هذا بعد أن فقد مقتضى الصدر، الذي فاز حزبه في الانتخابات بعدد الممثلين الأكبر، والزعيم الشيعي الديني آية الله علي السيستاني، الثقة به وطالبوا بأن تتشكل الحكومة المقبلة من تكنوقراط. على خلفية ذلك، مهمة تشكيل الحكومة ألقيت على عاتق من شغل في السابق منصب نائب الرئيس ووزير المالية والنفط، عادل عبد المهدي، (شيعي، يعتبر اليوم مستقلًا. في السابق كان عضوًا في الحزب يمثل "المجلس الإسلامي الأعلى للعراق" المقرب من إيران).

لقد اعتمدت سياسات الإدارة الأمريكية في العراق خلال السنوات الماضية بالأساس على العلاقات الشخصية لرئيس الحكومة العبادي، وعلى التعاون الذي تمت صياغته مع الجيش العراقي على خلفية الحرب المشتركة لإبادة "داعش". في هذه الحرب، تغاضت الولايات المتحدة عن خلافها مع إيران، التي شاركت كذلك بالحرب ضد "داعش" من خلال الميليشيات الشيعية التي ساعدت بذلك. تعتبر هذه الميليشيات اليوم عامل التأثير المركزي لإيران في الساحة السياسية في العراق، بعد أن أصبح تحالف الفتح برئاسة عامري (التابع لإيران) ثاني أكبر حزب في البرلمان.

ترى إيران في تأثيرها في العراق - الذي يقاسمها حدودًا طويلة - عنصرًا مركزيًا في منظور الأمن القومي الخاص بها، هذا أيضًا كجزء من جهودها لمركزة تأثير إقليمي شامل وضمان خط توريد بري يصل إيران عبر العراق، لسوريا ولبنان. هزيمة "الدولة الاسلامية" وفشل الاستفتاء الشعبي الكردي شمال العراق خدم إيران. مع ذلك، تمركز الحكم المركزي مجددًا في بغداد وضع أمامها تحديًا كبيرًا، بعد أن اتبع رئيس الحكومة السابق العبادي خطًا مستقلًا أمام طهران وأعرب عن تحفظه من تدخلها الصارخ، بقيادة فيلق القدس، في شؤون بلاده. رغم أن مسؤولين إيرانيين وعراقيين أكدوا على أن العلاقات بين البلدين جيدة؛ إلا أن طهران كانت قلقة من تآكل محتمل لمكانتها.

في الوقت الحالي، في ضوء المواجهة المتصاعدة مع الولايات المتحدة وفي أعقاب الأزمة الاقتصادية المتزايدة نتيجة لذلك في العراق، يرى النظام الإيراني أن هناك ضرورة متزايدة للحفاظ على تأثير إيران في العراق، كي يتم استغلالها في سيناريو اندلاع مواجهة مستقبلية أمام الولايات المتحدة. تسعى القيادة الإيرانية لنقل رسالة ردع للولايات المتحدة بتداعيات مواجهة عسكرية.

من ناحية إسرائيل، تطرق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الجيش أفيغدور ليبرمان لاحتمالية أن تعمل إسرائيل أيضًا ضد إيرانيين في العراق، ذلك بعد أن حظيت هذه الساحة في السنوات الماضية قليل من طرف صناع القرارات في إسرائيل. في هذا السياق، وخصوصًا في ظل إمكانية أن تتحول هذه الساحة في الأشهر المقبلة لساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؛ من المهم ضمان التنسيق المسبق بين الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا في أعقاب القلق الأمريكي من تدهور الوضع أمام إيران وحساسية في الإدارة لضمان الاستقرار في العراق كعامل مركزي في القدرة على التأثير على التطورات سواء في اطار الحرب أمام "داعش"، التي حتى لو تُوجت على أنها ناجحة، إلا أنها لم تنتهِ بعد.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر

أخبار مميزة