اللغة : العربية

تغير مُفاجئ بمنظومة علاقات ترامب - نتنياهو - عباس

02 تشرين الأول / أكتوبر 2018

بقلم: يوسي بيلين

 

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في ظاهر الأمر، لم يكن هناك مفاجآت في السياق الشرق أوسطي خلال الأيام الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2018)، لا بالخطابات، لا بالمؤتمرات الصحفية ولا حتى بالحوارات التي عُقدت على هامشها أيضًا. لكن بالطبع، يمكن أن تشهد هذه الجمعية على تغير مفاجئ في منظومة العلاقات بين أضلاع المثلث الإشكالي: الإدارة الأمريكية، الحكومة الإسرائيلية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

ظاهريًا، قام كل اللاعبين بأدوارهم الموكلة إليهم في المسرحية السنوية: الرئيس دونالد ترامب تحدث عن حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في دوره غير الملزم كناقد مسرحي. في مؤتمر صحفي عُقد بعد لقائه مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (26 سبتمبر) قال ترامب بأنه "يميل" لحل الدولتين، لاحقًا عاد لقرار أقل إلزامية بدعم أي حل يدعمه الطرفان (27 سبتمبر)، في الواقع فإن ترامب لم يتراجع عن تقديم الخطة الأمريكية التي ستكون "صفقة القرن"، بل هو غير مستعد للالتزام بخصوص موعد تقديمها، فقد يحتاج الأمر شهرين أو ثلاثة وربما أربعة. على أي حال، لقد حصلت إسرائيل - حسب قوله - على بطاقة جيدة، وهي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وفي إطار نفس الصفقة (التي لم تُطرح بعد) سيكون عليها تعويض الفلسطينيين.

أما الرئيس محمود عباس فقد كرر ادعاءاته حول خرق الاتفاقات من قِبل إسرائيل، وقد ادعى بأن الولايات المتحدة أثبتت أنها ليست وسيطًا عادلًا، وقال بأن الفلسطينيين لا يستطيعون قبولها كطرف ثالث منفرد، بل في إطار أوسع لمؤتمر دولي مع الأعضاء الثابتين لمجلس الأمن وجهات أخرى. عباس عاد وكرر معارضته لأي نوع من العنف.

كعادته، نتنياهو عاد مجددًا ليتحدث عن التهديد الإيراني، ولم يتردد بمشاركة القاعة شبه الفارغة بمعلومات استخباراتية حساسة حول وجود مستودع إيراني آخر يحتوي معدات متعلقة بتطوير النووي. وبشأن الصراع مع الفلسطينيين، فقد تناوله من خلال التهديد الإيراني، حيث أشار إلى أن الاتفاق (الأسوأ حسب وصفه) بين القوى العظمى وبين إيران أدى لتعزيز التعاون بين إسرائيل وبين عدد من الدول العربية، وأنه يأمل بالتوصل للسلام مع تلك الدول، كما تمنى التوصل لسلام مع الفلسطينيين. هذا كل شيء.

يبدو أن ما حدث في الجمعية وعلى هامشها كان متوقعًا ومفهومًا، وفي الواقع فقد تم الكشف عن صورة أكثر تعقيدًا. من نواحٍ كثيرة، الحديث عن طرفان ضد واحد: ترامب ونتنياهو ضد عباس، ترامب يعرب عن تقديره لنتنياهو، إنه يرى معه بوضوح التهديد الإيراني.

لكن، من ناحية أخرى، ترامب لم يتنازل عن "صفقة القرن" خاصته، وهو يعلم أنه لو خسر الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، فسيكون مقيدًا بدرجة كبيرة في الشؤون الداخلية؛ لذلك فإن ساحة اللعب الأساسية ستكون العلاقات الدولية، وهو يقدّر بأنه يستطيع حل صراعنا المستمر، وهذه الثقة بنفسه وفي الفريق الذي شكله ما زالت تميزه. حديث ترامب في أغسطس للملك عبد الله الثاني حول أنه لو أُنشئت، في نهاية المطاف، دولة واحدة بين الأردن للبحر؛ تكشف أن الرئيس يفهم المشكلة الديمغرافية التي ستواجهها إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، في حال لم تدعم حل الدولتين؛ تمامًا كنا فهم ذلك سلفه المكروه بالنسبة إليه، الرئيس باراك أوباما.

الطريقة التي يريد ترامب أن يقود بها حلًا تاريخيًا إشكالية جدًا، لأنه يعتقد بأن الفلسطينيين سيكونون مستعدين للعودة لطاولة المفاوضات برئاسة أمريكية في حال تم الضغط عليهم ماديًا. ترامب لا يأخذ في الحسبان الاحترام الوطني الفلسطيني (تمامًا كما فعل في إيران)، لكن رغبته برؤية عملية استئناف المفاوضات واضحة. يبدو أيضًا أن الحل الذي يضعه نصب عينيه هو أقرب جدًا للحل الذي يتحدث عنه عباس، وأبعد بكثير من إصرار نتنياهو على التمسك بالوضع الراهن.

ملامح وجه نتنياهو التي تجمدت في الوقت الذي تحدث ترامب، الذي جلس بجانبه، مشيدًا بحل الدولتين؛ تُذكر بملامحه حين تحدث أوباما أمام الكاميرا في ظروف مشابهة. ليس هناك أي احتمال لأن يكون حديث ترامب حول حل الدولتين منسق مع نتنياهو، ومن المعقول جدًا أن تغير لهجة الرئيس في اللقاء الأخير نابع من طلب نتنياهو بعدم توريطه مع شركائه الائتلافيين، الذين سارعوا لانتقاد الحديث.

في الشأن الإيراني، هناك علاقة استراتيجية بين رئيس الحكومة والرئيس الأمريكي، في الشأن الفلسطيني العلاقة تكتيكية، وهناك جليد دقيق جدًا، وفي اللحظة التي يتم الحديث عن خطوة سياسية جوهرية، أيّ كانت، سيتشقق هذا الجليد. قد تكون الجمعية العامة الحالية بمثابة نقطة تحول في المثلث، ففي حال نجح فريق ترامب بإقناع عباس (في أعقاب حديث ترامب حول حل الدولتين) بقبول الوساطة الأمريكية، رغم أن الحكومة الأمريكية لن تلغي القرارات حول السفارة في القدس (ربما من خلال التزام أمريكي مبدئي بالاعتراف بعاصمة فلسطينية يُطلق عليها "القدس" في إطار اتفاق سلام ومع استعداد أمريكي لإلغاء كل العقوبات الاقتصادية على الفلسطينيين)؛ فإن الصورة الحقيقية ستصبح أكثر وضوحًا.

في المثلث الأمريكي - الإسرائيلي - الفلسطيني هناك جهتان ترغبان بتغيير الوضع الراهن، وجهة تعارض ذلك بقوة. نتنياهو سيحاول تأجيل لحظة الحقيقة قدر الإمكان وكشف الخطة الأمريكية، وذلك لأنه لا يستطيع الموافقة على أي خطة تستند على أساس تقسيم البلاد. في حال نجحت الإدارة بإقناع الفلسطينيين بقبول تدخلها، سيجد نتنياهو تحديدًا نفسه محاصرًا في الزاوية من قِبل الضلعين الآخرين في المثلث.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر

أخبار مميزة