اللغة : العربية

أزمة إسقاط الطائرة الروسية، ماذا بعد؟

22 أيلول / سبتمبر 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: عاموس يدلين، تسفي ميغان، فيرا ميخلين شابير

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

بعد إسقاط الطائرة - وعلى ما يبدو قبل انتهاء التحقيق بالحدث - نفت روسيا التقرير الأمريكي الذي يؤكد أن الطائرة تم اعتراضها من قبل السوريين، ووجهت أصابع الاتهام نحو سفينة الأسطول الفرنسي الذي كان في المنطقة أثناء الهجوم الإسرائيلي. بعد مرور عدة ساعات، صاغت وزارة الدفاع الروسية النسخة الرسمية للإعلام، وفيها اتهمت إسرائيل بالعمل "الاستفزازي غير المسؤول"، وأن طائرات الـ "اف 16" الإسرائيلية "تخفت" وراء "إيل 20" الروسية؛ حتى ان وزير الدفاع الروسي هدد بأن روسيا تحتفظ لنفسها بحق الرد على الحدث.

لقي الأمر تغطية أوسع في القنوات الروسية التي تسيطر عليها الحكومة، وتميزت بالتحريض ضد إسرائيل بشكل كاسح، دعوات للانتقام، وعقوبات ضد إسرائيل. المتحدث باسم بوتين أيضًا باسكوف أيّد وزارة الدفاع في هذه المرحلة. من الجانب الإسرائيلي، يبدو أن التعتيم الذي تم بثه في البداية لم يخدم مصالحها، ففي وقت لاحق غيّر المتحدث باسم الجيش السياسات، وأكد العمل الإسرائيلي في سوريا، وأعرب عن أسفه لوفاة روس، لكنه ألقى اللوم كله على سوريا التي اعترضت الطائرة (في الوقت الذي كانت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي فعليًا في مناطق إسرائيل)، وعلى إيران التي تعمل في سوريا. بعد عدة ساعات، ليّن الرئيس بوتين من ردة فعل روسيا، ووصف الحدث بأنه "سلسلة من الأخطاء التراجيدية"، وأكد على المسؤولية السورية في إسقاط الطائرة، لكنه أيضًا دعم - بلهجة أكثر اعتدالًا - الموقف الذي قدمته وزارة الدفاع.

في الواقع، يبدو أن الرد الروسي يعكس غضبًا حقيقًا تجاه إسرائيل، التي عملت ليس بعيدًا عن مناطق انتشار القوات العسكرية الروسية في سوريا (قاعدة حميميم) وفي الوقت الذي كانت الطائرة الروسية في الجو في طريق عودتها لهناك؛ وبذلك خلقت وضعًا كان من المنطقي أن يؤدي لخطأ من قِبل منظومة الدفاع الجوية السورية. ربما أيضًا كانت هناك رغبة لدى المنظومة الأمنية الروسية بأن تبعد اللوم عن القوة الروسية في سوريا، إذ أنها تعمل بالتعاون الكلي والتواصل بين سلاح الجو والدفاع الجوي السوري، وكان متوقعًا منها أن تمنع مثل هذه الأخطاء. ومع ذلك، مجموع الردود الروسية (بما في ذلك الهجوم ضد إسرائيل) قد تشير لنية روسية لاستغلال الحدث لتشديد الأزمة، لكي يُمكنها ذلك من تعزيز الأهداف الروسية في المنطقة.

في الوقت نفسه، أعلنت روسيا إغلاق جزء من المجال الجوي والبحري غرب المياه السواحل السورية أمام حركة الطائرات والسفن خلال الأسبوع المقبل، رغم أنه من المرجح أن يتم فتح المنطقة في ظل حركة السير المدنية. هناك خطر من أن يشمل الرد الروسي أيضًا نشاطات لتعزيز الدفاع الجوي السوري، ومن ضمنها نقل منظومات دفاع جوية أكثر تطورًا، والتي تم التفاوض عليها من قبل سوريا. في الوقت نفسه، يجب أن نأخذ بالحسبان أن مسؤولون في الحكومة الروسية ممّن لا تروق لهم فكرة حرية العمل التي أعطتها روسيا لإسرائيل للعمل ضد التواجد الإيراني، سيستغلون ذلك للمساس بعلاقة روسيا وإسرائيل والمساس بحرية العمل الإسرائيلية في سوريا؛ ربما تم التعبير عن ذلك من خلال قسوة الانتقادات ضد إسرائيل في الإعلام الروسي.

مع ذلك، يبدو أن عمق المصالح الإسرائيلية - الروسية سيسمح للجانبين بالتغلب على الحادثة، فمن غير المعقول أن تكون روسيا مهتمة حاليًا بالإضرار جوهريًا بالعلاقات الحيوية لها مع إسرائيل؛ ولذلك، من المتوقع أن يتم تسوية الأزمة في الأيام المقبلة من خلال التوصل لتفاهمات بين زعيمي البلدين، رئيس الحكومة نتنياهو اتصل وأعرب عن أسفه، لكنه أيضًا أصر على أن اللوم ليس على إسرائيل. يجب أن نأمل بأن يتم التوصل لحل متفق عليه بين الطرفين، على الأقل في إطار التسوية المعروفة حتى الآن في المجال السوري، مع حد أدنى من القيود على حرية العمل الإسرائيلية وآلية منع الاحتكاك.

مع ذلك، هناك احتمال بأن يقع تضييق على حرية العمل في سوريا. قد يطلب الروس من إسرائيل الامتناع عن أي نشاطات في مناطق انتشار قواتها، أو على الأقل إعطاء تنبيه للقوات الروسية قبل وقت أطول. ستحاول روسيا - كعادتها - استغلال الحدث لتعزيز مصالح إضافية لها. في هذا السياق، يتوقع أن تعطي زيارة قائد سلاح الجو الجنرال عميكام نوركين، في موسكو، بهدف توضيح الموقف الإسرائيلي، أبعادًا توضيحية من قِبل الروس، الذين سيسعون لاستغلال الحدث كأداة تأثير على إسرائيل وسلوكها في سوريا، وربما لإظهار موقفهم المهيمن في الدولة وضرورة أن تأخذ جميع الأطراف ذلك في اعتباراها.

حادثة من هذا النوع كانت متوقعة عاجلًا أو آجلًا، في ظل النشاطات المكثفة لسلاح الجو الإسرائيلي ضد التواجد الإيراني في سوريا ونقل سلاح متطور لحزب الله. الأسباب التي جعلت إسرائيل تبني هذه الاستراتيجية ما زالت قائمة، وتتطلع إسرائيل للاستمرار في سياساتها. سلاح الجو (الذي حقق بالطبع بعناية بالحدث) سيضطر لاستخلاص العبر والتدقيق على الظروف التي ستنفذ بها هجوم كهذا في مناطق انتشار وعمل القوات الروسية، مع تفكير أكبر بنشاطات القوات الروسية، حتى وإن لم تكن قريبة من مسار طائراته. من المرجح أن تتضاءل نشاطات سلاح الجو في سوريا، على الأقل في الفترة المقبلة، وستكون خاضعة لإشراف أدق من قبل القيادة السياسية، ومن الممكن أيضًا أن يتم ادخال تغيرات بسيطة على آلية الإنذار ومنع الاحتكاك أمام الروس، مع خطر أن هذه التحذيرات قد يتم نقلها للدفاع الجوي السوري.

كما يجب استغلال الحادثة للتوضيح للروس بأن نقل منظومات دفاعية جوية أكثر تطورًا للسوريين سيصعّد من الخطر على قواتهم، حيث ان الحدث يوضح الدور الضعيف للدفاع الجوي السوري. علاوة على ذلك، فإن هذه فرصة إضافية للتوضيح للروس بأن تواجد قوات إيرانية وميليشيات التي تخضع لتأثيرها يخلق وضع متفجر في سوريا ويؤدي لأحداث واخفاقات من هذا النوع.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر

أخبار مميزة