اللغة : العربية

لا أمل في اجتماع المانحين في نيويورك

20 أيلول / سبتمبر 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

في نهاية شهر سبتمبر الجاري، سيعقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك اجتماع للدول المانحة، سيُخصص لمناقشة دعم مشاريع تأهيل وتطوير وإنشاء البنية التحتية لقطاع غزة، ويُشارك في هذا الاجتماع لأول مرة الجنرال كميل أبو ركن بصفته المنسق الجديد لحكومة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، كما سيشارك الوزير الصهيوني تساحي هنيغبي بصفته يحمل مسمى وزير للتعاون الإقليمي، ويبدو أن دولًا عربية تعودت أن تشارك في مثل هذه الاجتماعات ستشارك فيه أيضًا، ومن غير الواضح بعد مشاركة ممثل عن السلطة الفلسطينية أو عدم المشاركة، وتعتبر مشاركة السلطة من عدمها أحد المقومات الرئيسية لإنجاح أهداف الاجتماع، لكن النجاح لا يتوقف على مشاركة السلطة فقط؛ بل وعلى عوامل كثيرة لها علاقة بالتهدئة في الميدان والموقف الاحتلالي ومدى رغبة الدول في تقديم المساعدات.

لقد خطط لعقد هذا الاجتماع منذ أشهر، وقد عقد اجتماع تمهيدي في بروكسل لهذا الغرض بداية الشهر الجاري، وحضره عدد من ضباط الإدارة المدنية وموظفون من وزارة خارجية الاحتلال، وقد عرض مندوبو الاحتلال على المانحين مشاريع ومخططات عُرضت في اجتماعات ومؤتمرات مانحة سابقة، منها مشاريع لغرض المساعدة الفورية، محدودة الحجم والتأثير، غير مرتبطة بالتهدئة الشاملة، وأخرى مشاريع كبرى مرتبطة بما يسميه الاحتلال بالتسوية أو التهدئة الشاملة طويلة الأمد. ومن بين تلك المشاريع المقدمة إنشاء قسم لعلاج الأورام لدى الأطفال في القطاع، ومنطقة صناعية في كارني تستطيع أن توفر آلاف فرص العمل، تزويد أسطح المنازل في القطاع بلوحات الطاقة الشمسية لتحسين الكهرباء، وتزويد القطاع بخط كهرباء آخر من إسرائيل لمضاعفة ما يحصل علية الغزيون من كهرباء، وبنية تحتية لتزويدهم بالغاز الطبيعي، وتسهيلات لها علاقة بنقل وتوصيل المنتجات الزراعية من القطاع إلى الضفة.

عندما يحتل عدد من ضباط وموظفي الاحتلال عددًا من مقاعد اجتماع مخصص لدعم سكان القطاع، ويقوم هؤلاء الضباط بتقديم الخطط والمشاريع، ويجندون ويشجعون المانحين لتقديم مساعداتهم المالية والإسهام بتخفيف الأزمة الإنسانية في القطاع، ومن جهة أخرى يقومون بأبشع ما يمكن للاحتلال أن يقوم به ضد شعب أعزل يبحث عن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، فيحرمون الأطفال حقهم الطبيعي بالعلاج في مستشفيات فلسطينية في الضفة، وكذلك النساء، ويدمّرون كل البنى التحتية الصناعية والزراعية، ويفرضون حصارًا مشددًا، برًا وبحرًا، لدفع الشباب والمجتمع لليأس والهجرة، هذا فضلًا عن القتل بالقصف والقنص؛ تجد أنك كفلسطيني أمام صورة تنضح تناقضًا وتزييفًا وكذبًا، وتثير فيك غضبًا حد الانفجار، فقاتلك يسير في جنازتك ويذرف الدموع ويلومك كيف أفجعته بقتلك لنفسك!

الاحتلال لا يقصد حقًا تقديم تسهيلات حقيقية للقطاع، لا سيما قبل التوصل إلى ما يسميه بالتسوية أو بمعنى آخر قبل أن تقبل الفصائل الفلسطينية في القطاع بشروطه ومعادلاته، فقد حضر الاحتلال أكثر من اجتماع سابق للممولين، والمشاريع المقترحة حاليًا هي ذاتها التي كان يقترحها في السابق، أي إنها مشاريع مكررة مع بعض التعديل. الاحتلال يحاول أن يقدّم نفسه أمام العالم كوصيّ وحريص على رفاهية سكان القطاع، لكن العالم ينظر إليه في هذه الاجتماعات بصفته المحتل المسؤول عن المنطقة والسكان الذين يقعون تحت احتلاله.

ليبرمان - الوزير المسؤول عن المنسق كميل أبو ركن - أعلن صراحة أن حكومته تفرض حصارًا على قطاع غزة، يسمح ببقاء الوجه فوق الماء، وربطه بعودة جنودهم والتسوية الشاملة، والكابينت الذي اجتمع أكثر من مرة في آب/ أغسطس الماضي سمح فقط بالحديث عن تسهيلات محدودة، وربط عمق التسهيلات الكبرى بقضية الجنود، وبعمق الحصول على تسوية أمنية شاملة وطويلة الأمد.

وكأن الجميع يدرك أن مثل هذه الاجتماعات هي عباره عن لعبة تملك إسرائيل مفاتيحها، وغرض هذه الاجتماعات تقديم الإغراءات والعلاقات العامة والتنصل من المسؤوليات الأخلاقية والإنسانية، فلا أحد من المجتمعين يعوّل عليها، لا سيما في ظل فشل محادثات التهدئة حتى الآن، وفشل المصالحة وتعمق الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية.

مع ذلك، يكتسب هذا الاجتماع أهمية خاصة ويُنظر إليه كاجتماع طارئ، في ظل وقف المساعدات الأمريكية عن السلطة وعن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" وتعمّق الأزمة الإنسانية في القطاع، وفي ظل زيادة احتمالات الانفجار وتزايد نذر الحرب فيما لو استمر الحصار.

فالاحتلال الذي دعم بقوة قرار أمريكا بوقف مساعداتها عن الأونروا ويطالب بحلها، يشعر بالقلق من انهيار الأونروا بشكل سريع، ومن توقف خدماتها الخاصة بالإغاثة الإنسانية وتقديم الرعاية الصحية والتعليمية، وهناك من الأمنيين من يحذر من مخاطر انهيار الوكالة قبل إنشاء جسم وعنوان بديل توجّه إليه المساعدات، وهذا يعني ان ثمة مخطط لإنشاء أجسام بديلة تستطيع أن تحل محل الوكالة وتمنع أو ترجئ أو تخفف حدة تفاقم الأزمة الإنسانية وتحوّلها إلى درجة الكارثة الإنسانية.

ومن جهة أخرى، يسعى الاحتلال للمناورة والخداع وتوظيف أطراف ثالثة ونفخ تسهيلاته المحدودة ونشر الوعود الغامضة بهدف تخفيف الاحتقان ودرء تهديدات الانفجار أو بهدف التنصل من تحمل مسؤولية أنه لم يفعل شيئًا لمنع الانفجار.

لكن في النهاية (وهو ما يجمع عليه الكثير من المراقبين للمشهد السياسي الاحتلالي)، إن المستبدين بقرار دولة الاحتلال فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سواء في الضفة أو القطاع، فقدوا منذ زمن الاستقلالية في اتخاذ القرارات وتحديد السياسات بناءً على التوصيات والمصالح العامة وباتوا تحت تأثير قوي لجماعات الضغط الانتخابية المتطرفة، ويزداد انصياعهم للمصوتين كلما اقترب موعد الانتخابات؛ ما يعني أن الآفاق مغلقة، ومن الصعب رؤية انفراجات في الأفق القريب، والأزمة مرشحة للمزيد من الاحتقان، وليس أمامنا من خيار سوى جمع الشمل الفلسطيني.

انشر عبر

أخبار مميزة