اللغة : العربية

حالة استعصاء والزمن عدو

12 أيلول / سبتمبر 2018

بقلم: عبد السلام الحايك

 

اليوم قرأت لأحد كتاب قطاع غزة ما معناه أن للسلطة اليد العليا وأن على حماس أن تخضع وتسلم القطاع من الباب إلى المحراب ولو على سبيل التجريب، فهي في النهاية تملك القوة وتستطيع التراجع وفرض سيطرتها من جديد إذا أرادت.

والحقيقة أن هذا منطق متناقض في داخله من عدة جهات:

اولها أن السلطة لن تقبل أن تستلم القطاع في ظل وضع تستطيع حماس فيه الاحتفاظ بقوتها وتملك قدرة طرد السلطة، فهي لن تعود إلا بعد امتلاك الضمانات لعدم حدوث ذلك.

ثانياً: أن حماس تدرك أن عودة السلطة تعني تضاؤل قدرة حماس على التراجع عن ذلك، سواء من الناحية القانونية أو من الناحية السياسية، فأي تمرد عسكري جديد لن يتم التعامل معه بتساهل من الأطراف الراعية للاتفاق ويمكن أن يقود إلى ما لا تحمد عقباه.

ثالثاً: أن فكرة امتلاك السلطة لليد العليا تتناقض مع فكرة قدرة حماس على طردها، يعني هو يفترض أن السلطة تمتلك اليد العليا بدون سيطرة مباشرة، فكيف إذا امتلكت السيطرة المباشرة والدعم العربي والدولي وربما الجماهيري أيضاً.

رابعاً: عودة السلطة تعني قدرتها على إعادة ترميم قوتها في القطاع ولا تستطيع حماس معارضة ذلك.

هذا النوع من التحليلات يشبه فكرة "سلموا المعبر"، والتي افترضت أن تسليم المعابر سيؤدي إلى فك الحصار وهذا ما لم يحدث.

على الجانب الآخر، يتم تقديم قراءة أخرى تتحدث عن ضعف السلطة وهشاشة وضعها السياسي في مقابل قوة حماس وقدرتها على تفجير الأوضاع والضغط على جميع الأطراف، ويقدمون مسيرات العودة كسلاح فعال قادر على تغيير المعادلة، وإمكانية استغلال ذلك للوصول إلى اختراق يقود إلى رفع الحصار، في ضوء حقيقة أن عودة السلطة إلى القطاع لا تعني رفع الحصار بالضرورة.

وهذا نوع من المبالغة التي يتم خلالها تجاهل أدوات الضغط المختلفة التي تمارس على القطاع لمواجهة أي تحرك من داخله، وهو ما شاهدناه خلال الشهور الأخيرة.

في الواقع كل هذه التحليلات لا تزيد عن نوع من الدعاية التي يحاول من خلالها طرفان ضعيفان ترميم الموقف الذي يتخذانه، وتصوير نفسيهما كلاعبين مؤثرين في الساحة، وهما مؤثران بالتأكيد لكنهما ليسا طرفين مقررين، فالذي يفرض الحصار فعلياً هو إسرائيل، والذي يسحب البساط السياسي من تحت أقدام السلطة هو إسرائيل وامريكا، وبالتالي فإن هناك من يملك القرار فيما يخص الحصار وفي ما يخص المصالحة أكثر من الطرفين الفلسطينيين.

وفي الواقع لا يوجد اي فائدة يمكن أن تجنيها السلطة من خلال عودتها إلى القطاع تحت هيمنة حماس، العكس هو الصحيح إذ سيتحول كل الضغط السياسي عليها فيما يخص سلاح المقاومة دون أن تمتلك سلطة فعلية على الأرض، كما إن العبء المالي عليها سيزداد في ضوء مسار التجفيف الأميركي لقنوات الدعم المالي للشعب الفلسطيني (السلطة والأونروا والإن جي أوز) وهو ما يهدد بتقويض وضعها في الضفة أيضاً، وبالتالي لن يكون في استطاعة السلطة العودة للقطاع دون ضمانات تتعلق بالتمويل وبصفقة سياسية تخرجها من دائرة الضغط السياسي الحالي، أو أن يتم تحييد سلاح الفصائل تماماً وهي تفضل أن تأتي الضمانات من أمريكا وإسرائيل وهذا ما لم يحدث، كما إن تحييد السلاح لم يحدث، وفي ظل هذا الواقع فإن قرار المصالحة لم يعد فلسطينياً.

الصيغة الثالثة هي التصرف وفق مفهوم للوحدة الفلسطينية يتضمن التعامل مع حماس والجهاد الإسلامي كشركاء وهو يعني أن تغير السلطة من طبيعتها لتتحول إلى سلطة مقاومة، أو أن تغير الفصائل من طبيعتها فتعترف بالترتيبات القائمة بين السلطة وإسرائيل وتخضع لها.

إن حالة الاستعصاء الحالية ناتجة عن عدم قدرة أي طرف على إحداث اختراق في ساحة الطرف الآخر، فلا السلطة قادرة على إخضاع حماس، ولا حماس قادرة على التأثير على خيارات السلطة بشكل جوهري، ولا إسرائيل راغبة في الدخول في مواجهة مفتوحة في القطاع أو إعادة احتلاله.

هذا التحليل يتناقض مع فكرة أن هناك قراراً بتطبيق حل إنساني في القطاع، إذ إن هذا القرار مشروط كما هو واضح بتفكيك الوضع القائم في القطاع وعدم السماح باستمراره، وبالتالي هو لا يزيد عن عرض الجزرة في وجه من لا يستطيع تناولها.

كما يتناقض مع فكرة ان حماس اتخذت قراراً برفع الحصار، إذ إن أقصى ما تملكه حماس هو التصعيد العسكري، وهو خيار أشبه بمنطق شمشون، إذ سيؤدي إلى حرب استنزاف يتحول فيها الاشتباك العسكري إلى حالة شبه يومية، وهو ما سيترافق مع تشديد الحصار، وسيضع القطاع في النهاية أمام خيار العودة إلى الهدوء في ظروف اسوأ أو الانخراط في حرب تدميرية تزيد من عمق مأساة القطاع المحاصر، أو احتلال كلي أو جزئي للقطاع، وكلا الخيارين غير مرغوب إسرائيلياً بالنظر للثمن الباهظ الذي ستتكلفه إسرائيل، ولكن هذا غير كاف لضمان عدم حدوث اي منهما.

الخلاصة هي أننا نقف أمام حالة استعصاء يلعب فيها عامل الزمن ضد الطرفين الفلسطينيين بشكل متصاعد في سياق ضغوط وإجراءات أمريكية تهدف إلى تفكيك مكونات القضية الفلسطينية وتجاوزها بالأمر الواقع، بمنطق أنكم إذا لم توقعوا الآن فلن نحتاج لتوقيعكم في المستقبل القريب، إذ ستصلون إلى حالة انهيار ستفرض حتماً تغييرات جذرية على النظام السياسي الفلسطيني شكلاً ومضموناً ليتعاطى النظام الجديد مع وقائع كانت في الماضي قضايا للتفاوض.

المحزن هو أن الشعب الفلسطيني لن يبكي على قيادته القديمة في ذلك الحين.

انشر عبر