اللغة : العربية

فكرة الكونفيدرالية الأردنية - الفلسطينية تبعث من جديد

05 أيلول / سبتمبر 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: عودد عران

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في مجهود البحث عن حلول للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، تظهر ما بين حين وآخر فكرة الفيدرالية/ الكونفيدرالية الأردنية - الفلسطينية. في الفترة الأخيرة، طفت هذه الفكرة مرة أخرى، في المحادثة التي جرت في الـ 2 من سبتمبر بين رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن وبين مجموعة من الإسرائيليين، قال أبو مازن ان الفكرة طرحت أمامه من قبل طاقم الإدارة الأمريكية التي تعمل على محاولة تجديد المفاوضات بين الطرفين وبلورة مقترح للقيام بترتيب.

يذكر ان الفيدرالية هي نظام فيه عدد وحدات شبه رسمية، تنتظم في منظومة عليا واحدة، فيها الصلاحيات المركزية في مجالات الاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية تكون في يد السلطة الفيدرالية؛ الولايات المتحدة هي نموذج للنظام الفيدرالي. الكونفيدرالية هي انتظام دولتين أو اكثر، تحافظ كل واحدة منها على استقلاليتها وسيادتها مع الاستعداد لإيداع بعض من رموز السيادة في يد مؤسسات الكونفيدرالية، لا يوجد اليوم كيان دولي يعلن عن نفسه أنه كذلك، وإن كانت منظمات دولية كثيرة مبنية على أساس ذلك المبدأ، وهذا يعني التخلي عن رموز سيادة معينة بهدف الانتساب لها.

فكرة إعطاء دور و/ أو مكانة للأردن طرح في الماضي من قبل جهات في إسرائيل، التي لم تكن بينها هوية أيدلوجية. ولأسباب مختلفة، فالحكومات التي تناولت الموضوع لم تعمل على هذا الملف إلا بسلبية مقتضبة، (الأردن) بالقول "نعم ولكن"، (الفلسطينيون) وإسرائيل؛ تنصل من جانب الجهات الرسمية أو التلميح بأنه إن لم يكن المقصود إقامة دولة فلسطينية كشرط مسبق فإسرائيل ستكون مستعدة لمناقشة الأمر.

 

تكشف الفكرة

من لحظة انتهاء حرب الأيام الستة تقريبًا في 1967، بدأت جهات مختلفة في إسرائيل والأردن بمناقشة مسألة كيفية إعادة الحكم الأردني إلى الأرض التي احتلتها إسرائيل ما عدا القدس، والتي كانت قد عزلت منذ الأيام الأولى بعد انتهاء الحرب - عقليًا وعاطفيًا - عن بقية أراضي الضفة الغربية. في المحادثات السرية التي أجراها الملك حسين مع مبعوثي إسرائيل الرسميين بعد الحرب، نوقشت احتمالات الإرجاع التدريجي للمناطق مثل منطقة أريحا إلى الحكم الأردني، أحداث "أيلول الأسود" 1970 وإصرار حكومة إسرائيل على اتخاذ قرار بشأن الانسحاب الجزئي من المناطق التي احتلت في الـ 1967 في شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية، وفيما بعد حرب "يوم الغفران" في 1973 أغلقت هذا الجزء من الاتصالات بين الأردن وإسرائيل دون إحداث أيّ تغيير على الوضع. صعود حكومة في إسرائيل عام 1977 تستند إلى التيار الذي تمسك بتعزيز السياق الأيديولوجي العملي والقضائي للمناطق التي احتلت برزت بطرق مختلفة من بينها بالعودة إلى الأسماء التوراتية للمناطق في البلاد (يهودا والسامرة)، في الظاهر كان ذلك موتًا لإمكانية أن تلعب الأردن دورًا في إدارة هذه المناطق.

عودة التجمع الذي تمسّك بالحل المناطقي كشريك في الحكم أيام حكومة الوحدة الوطنية (1984-1988) سمح لشمعون بيريس - بصفته وزيرًا للخارجية في النصف الثاني من فترة تولي هذه الحكومة مهامها - بإجراء مفاوضات سرية (دون أخبار، وطبعًا من دون مصادقة رئيس الحكومة اسحق شامير) مع الملك حسين حول إحياء "الخيار الأردني"، أي إعادة الحكم الأردني إلى المناطق التي احتلت في العام 1967. عدم قدرة بيريس على تحقيق موافقة الحكومة الإسرائيلية التي يترأسها على الاتفاق الذي أنجز عام 1987 في محادثات مع الملك الأردني أدى إلى تخلي الأردن الرسمي عن جميع المطالب بشأن المنطقة في الخطاب الذي ألقاه الملك في 31 من يوليو 1988؛ وهكذا كان من الممكن القول: ماتت مرة أخرى فكرة عودة الأردن إلى الضفة. كذلك الانتفاضة الأولى التي اندلعت في ديسمبر 1987 أسهمت وبحق في قرار الملك بالفصل بين ضفتيْ نهر الأردن.

اتفاقيات أوسلو - والتي بناءً عليها أقيمت السلطة الفلسطينية ووافقت إسرائيل على إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين حول ترتيبات الحل النهائي في المناطق التي احتلت العام 1967، وحسب نص الاتفاقيات على القدس أيضًا - كان من المفترض أن تنهي "الخيار الأردني"، لكن وبشكل مفاجئ عاد وانبعث من جديد، حيث بث فيها المعارضون لخروج إسرائيل من المناطق وكذلك الداعين إليه الروح. الليبراليون من بين من يتمسكون بالإبقاء على "يهودا والسامرة"، وللأسف أجزاء كبيرة منهم نظروا إلى الأردن بأن أغلب السكان هناك أصلًا هم من أصول فلسطينية، وبأن الأردن هي البديل للدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي "يهودا والسامرة"، من خلال الفهم ان السكان في هذه المناطق لن يهاجروا برغبتهم، والرغبة في منع خلق سكان تتحمل إسرائيل عبء حقوقهم السياسية الكاملة احتفت هذه الدوائر بالفكرة القاضية بأن السكان الفلسطينيين في "يهودا والسامرة" يمكنهم أن يصوتوا في الانتخابات في الأردن وأن ينتخبوا فيها.

الفشل في التوصل إلى حل كامل ومتوافق عليه بشأن مستقبل "يهودا والسامرة" السياسي في المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين حرّك رافعي لواء انفصال إسرائيل عن هذه المناطق والبحث عن بدائل وواحدة منها عودة الأردن للقيام بدور فاعل في إدارة الأمور في تلك المناطق التي تخليها إسرائيل، هؤلاء الإسرائيليين وغيرهم أيضًا ممّن لا يزالون يأملون بأن توفر الأردن بديلًا للدولة الفلسطينية أو أن تمثل الدولة التي فيها تتوفر مطالب الفلسطينيين في "يهودا والسامرة" إلى شكل سياسي مخطئون واهمون.

خطاب الملك حسين في 1988 عبّر ليس فقط عن خيبة الأمل من رفض إسرائيل واعتماد الاتفاق الذي توصل إليه مع شمعون بيريس (وممثلي الإدارة الأمريكية)؛ وإنما عكس فهمًا - وإن كان متأخرًا - أنه إذا كان يريد الحفاظ على الحكم الهاشمي في الأردن، فإن عليه أن يتخلى عن أي مسؤولية سلطوية مباشرة عمّا يجري في "يهودا والسامرة" وحتى القدس. في عقد السلام بين إسرائيل والأردن (1994) إشارة إلى أن "إسرائيل تحترم وتعترف بدور المملكة الخاص والقائم في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس" دون تحديد أو تفصيل لهذا الدور أو توضيح ما هي الأماكن عدا عن الحرم الشريف، كذلك لا يوجد (سوى هذا القول) أي تطرق آخر لمكانة الأردن أو دورها في أي منطقة احتلت من قبل إسرائيل في 1967.

الفهم أنه يوجد في إسرائيل - وربما في أوساط الفلسطينيين أيضًا - جهات ترى في الأردن "الوطن البديل"، والتخوف من زيادة الشريحة الفلسطينية من السكان الفلسطينيين الأردنيين، ونتيجة لذلك فالمطالب المحتملة بإعطاء تعبير سياسي دستوري لهذه الأغلبية يسلب النوم من عيون الملك الأردني الهاشمي. من خلال العلم بواقع الأردن، هذا فقط يمكن فهم تصرف المملكة العام في سلسلة من المواضيع، وسيما تلك المتعلقة بمكانة الأردن في القضية الفلسطينية. رد وزارة الإعلام الأردنية المقتضب على السؤال الذي تطرق إلى التقرير بأن أبا مازن قال للإسرائيليين الذين التقوه مؤخرًا أن الطاقم الأمريكي الساعي بمحاولة تجديد المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين طرحوا أمامه فكرة الكونفيدرالية الفلسطينية الأردنية لا يدع مجالًا للشك بشأن موقف الأردن: الموضوع مغلق وغير مطروح للنقاش، وللفلسطينيين الحق في دولة مستقلة خاصة بهم.

الموقف الذي أبداه أبو مازن كان أكثر ذكاءً، وربما أكثر جدوى، لم يستبعد الفكرة وقال بأنه معني بها إذا انضمت إسرائيل إلى الكونفيدرالية. المتحدث باسمه نبيل أبو ردينة أوضح ان الفكرة قائمة على جدول أعمال القيادة الفلسطينية منذ العام 1984، وأن المقصود إطار يتمم حل الدولتين. ويُقال بأن عرفات نفسه أيضًا لم يستبعد الفكرة، لكنه أضاف أنها يمكن ان تتحقق بعد وليس قبل إقامة الدولة الفلسطينية. رد إسرائيلي رسمي معلن على فكرة الكونفيدرالية المتعددة الأطراف لم يرد حتى اليوم، ويمكن تفسير غيابه برغبة إسرائيل بالامتناع عن الاحتكاك مع الأردن، وكذلك بالرغبة في الامتناع عن أي التزام أو إلزام بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية، والتي يعتبرها الفلسطينيون بكل تأكيد شرط مسبق لموافقتهم على الكونفيدرالية.

إذا كان تقرير أبي مازن عن المقترح الأمريكي دقيقًا، وكذلك تقارير محاوريه الإسرائيليين، تثار عدة أسئلة؛ السؤال الأول: هل واضحٌ في المقترح الأمريكي ان الحديث يدور عن كيانيْن مستقليْن؟ وهل يمكن الفهم من عدم تحفظ أبي مازن على الفكرة أن بنود الخطة الأخرى بشأن القدس مثلًا مقبولة لديه؟ على ضوء علاقات عباس المتوترة مع الرئيس الأمريكي وإدارته، يثار السؤال: لماذا يكشف الآن على وجه الخصوص تفصيلًا مهمًا إلى هذا الحد من الخطة الأمريكية؟ من التقرير لا يمكن العلم هل الفلسطينيون درسوا إمكانية كون فكرة الكونفيدرالية "زرعت" لدى رجال الطاقم الأمريكي من قبل الجانب الإسرائيلي رغبة في الالتفاف على مسألة السيادة؟ ردود حماس وحركة الاخوان المسلمين في الأردن تعلمنا أنهم يرون في الفكرة الأمريكية مساسًا بحل الدولتين.

عدا عن السؤال المركزي بشأن الموقف السياسي القانوي للجانب الفلسطيني في الحل الأمريكي المقترح، تجدر الإشارة إلى ان النموذج الثلاثي يقدم إمكانية "حلول خلاقة" للقضايا الاقتصادية وقضايا الطاقة أو المياه. عمومًا، الحلول الجغرافية لهذه الملفات لها أفضلية؛ ربما ان الإطار الجغرافي الكونفيدرالي يمكن من حلول تتضمن تنازلات عن رموز السيادة لصالح الكونفيدرالية.

بينما عودة الأردن إلى القيام بدور سلطوي في مناطق الضفة الغربية يبدو اليوم سحر خداع، لا يجب أن نستبعد إمكانية تدخل أردني مستقبلي في حل مكونات معينة من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من خلال تقديم الغطاء السياسي القانوني الذي سيسمح لإسرائيل وللفلسطينيين أيضًا بالقبول بحلول تتجاوز الكرامة الوطنية.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر