اللغة : العربية

هآرتس / دولة أولًا

03 أيلول / سبتمبر 2018

بقلم: تسيفي برئيل

 

في بداية ثمانينيات القرن الماضي كان للملك حسين وياسر عرفات خطة لإقامة كونفدرالية بين الاردن والضفة الغربية بعد انسحاب اسرائيل الى خطوط العام 1967 وبدون أن تعترف أي من دول الكونفدرالية بدولة اسرائيل. الخطة في اساسها اتخذت، لكن تم التخلي عنها بالأساس بسبب عدم التوافق على تقسيم الصلاحيات وعلى مكانة كل واحد من الكيانات التي كان من شأنها تشكيلها. في 1988 الخطة وضعت على الرف بشكل نهائي عندما قرر الملك حسين فك الارتباط السياسي بين الاردن والضفة الغربية. ومنذ ذلك الحين تم طرحها من حين لآخر، بالأساس من قبل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو – لكن تم الرد عليها المرة تلو الاخرى بالرفض من جانب الملك عبد الله.

يبدو أن خطة الكونفدرالية تحظى مرة اخرى بالأهمية. هذه المرة كما يبدو بمبادرة الولايات المتحدة التي حسب اقوال محمود عباس وضعت على طاولته اقتراح لإحياء فكرة مشابهة للخطة من الثمانينيات. عباس يدرك جيدا الخطة التاريخية وظروف ولادتها. في الثمانينيات بحث عرفات عن دعامة سياسية بعد أن طردت قيادة م.ت.ف من لبنان، في حين أن الاردن اراد تعزيز سيطرته على الضفة الغربية. الآن الظروف مختلفة. قيادة فتح المقصاة من مصر والسعودية ما زالت بحاجة الى دعامة سياسية قوية لتحقيق مصالح الفلسطينيين الوطنية. ولكن الاردن ليس متسرعا من اجل العودة الى المستنقع الزلق هذا والذي من شأنه أن يضعضع الاستقرار. أمس اعلنت وزيرة الاتصالات الاردنية جمانة غنيمات، التي تشغل ايضا منصب المتحدثة بلسان الحكومة، أن "فكرة الكونفدرالية مع الاردن ليست قيد البحث. للفلسطينيين يوجد حق في اقامة دولتهم على ارضهم". هذا ببساطة.

الخطة الاسرائيلية التي تم بحثها مع مبعوثي ترامب وتم عرضها مؤخرا على الملك عبد الله تقترح أن تكون الضفة الغربية بدون القدس تحت الرعاية الامنية الاردنية، التي ستدافع عن الحدود بين اسرائيل والكونفدرالية. اتفاق كونفدرالي سيوقع بين القيادة في الضفة وبين الاردن بدون أن يوضح هل سيتم انشاء برلمان مشترك ودستور مشترك، وبدون أن يحدد هل المكون الفلسطيني سيحظى بمكانة دولة. ربما أن اسرائيل ستكون مستعدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية ولكن فقط كجزء من الكونفدرالية وبدون قطاع غزة – التي ستنقل لرعاية مصر الامنية. المستوطنات ستبقى على حالها وتحت سيطرة امنية ومدنية اسرائيلية مباشرة.

خطة كهذه لا يمكن أن تهدئ الاردن، الذي يخاف من احتمال أن تكون الكونفدرالية غطاء لإنشاء الوطن الفلسطيني البديل على اراضيه. هيكل الكونفدرالية من شأنه، حسب رأيه، أن يؤدي الى أنه بين خطوط 1967 وحدوده الشرقية ستكون اغلبية فلسطينية. هذه الاغلبية الموجودة اليوم في الاردن، وهذه الاغلبية يمكن أن تطالب بحقوقها القومية في الاراضي المشتركة. ليس واضحا ايضا ماذا ستكون مكانة غور الاردن، الذي في كل اقتراح بحث حتى الآن، صممت اسرائيل على أن يكون تحت سيطرتها. التفسير العملي من ناحية الاردن هو أنه سيتحول الى حامي لحدود اسرائيل وسيكون مسؤولا عن منع النشاطات الارهابية داخل الضفة الغربية، في الوقت الذي فيه اسباب النزاع – لا سيما المستوطنات، ومكانة القدس والحدود – ستواصل تغذية المقاومة الفلسطينية.

عندما اعلن ياسر عرفات في حينه أن اتفاق كونفدرالي مع الاردن "موجود في جيبه"، قال له الملك حسين "عليك ابقائه في جيبك الى حين اقامة الدولة الفلسطينية. وفي حينه سنتحدث". يبدو أن هذا الموقف لم يتغير منذ ذلك الحين، والاردن ما زال يصر على أن تعترف اسرائيل أولا بالدولة الفلسطينية، وفقط حينها سيكون بالإمكان التباحث بشأن علاقات كونفدرالية.

ليس عبثا أن عباس سارع الى الاعلان بأنه مستعد للبحث في الاقتراح شريطة أن تكون اسرائيل ايضا جزء من الكونفدرالية. هو يدرك جيدا موقف الاردن، وليس غريبا عن الخطة الاسرائيلية. من المهم أن عباس وليس ملك الاردن أو رئيس حكومة اسرائيل، هو الذي كشف عن الفكرة الامريكية، حيث أن هذه فرصته لطرح مبادرة من قبله تنقذه من تصنيفه كرافض. وهو يعرف أن احتمال تنفيذ اقتراحه لا يقل عن احتمال تنفيذ صفقة القرن للرئيس ترامب.

مع ذلك، حسب استطلاع اجري في الضفة قبل سنتين فان حوالي 42 في المئة من المستطلعين أيدوا انشاء كونفدرالية مع الاردن، و38 في المئة عارضوا ذلك. ولكن في حينه ايضا مثلما هي الحال الآن، فان مغزى وتداعيات المفهوم لم يتم توضيحها للمستطلعين. عباس يعتبر الكونفدرالية قناة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، حيث أنه حسب رأيه ليس بالإمكان أن تكون هناك كونفدرالية بين كيانين ليسا دول. لذلك هو يصر على أن تكون اسرائيل شريكة من اجل ضمان ليس فقط اعترافها بالدولة الفلسطينية كفكرة، بل ايضا بحدودها ومكانتها. كونفدرالية كهذه ستلزم اسرائيل بعقد اتفاقات اقتصادية جديدة، وتنسيق سياسات خارجية مع الاردن ومع الدولة الفلسطينية. وأن ترى فيهما شريكتين متساويتين في الاهمية والمكانة.

يمكننا تخيل حركة الاصابع الثلاثة التي تظهرها حكومة اسرائيل للفلسطينيين ازاء هذه الصيغة. حيث أن اسرائيل من ناحيتها تفسر الكونفدرالية كاتفاق بين الضفة الغربية ككانتون مستقل ذاتيا، التي اساس علاقتها مع الاردن ستكون علاقات اقتصادية. في حين أن السياسة الخارجية والامن للكونفدرالية تحدد من قبل ملك الاردن. لهذا فهي تحاول أن تشجع ثانية الخدعة القديمة لـ "الحكم الذاتي" الفلسطيني الذي مهمته ادارة الحياة اليومية للمواطنين على المستوى البلدي، بدون تمثيل مستقل في المجتمع الدولي مع اقتصاد يعتمد على السياسة الاقتصادية للأردن والقيود الاسرائيلية، من خلال انفصاله عن غزة رغم أنها تعتبر في كل الاتفاقات جزء لا يتجزأ من فلسطين.

الانفصال عن غزة ليس امر هامشي. ليس هناك قيادة فلسطينية يمكنها التنكر لوجود مليوني فلسطيني والتنازل عن المناطق الجنوبية لدولتها. الحل الكونفدرالي سيقتضي تقديم اجابة لغزة في الوقت الذي يزداد فيه الشرخ بين شطري فلسطين ويشتد. الجهود المصرية لعقد مصالحة بين حماس وفتح تواصل انزلاقها في المنحدر.

حلم الكونفدرالية الثلاثية أو الثنائية، ليس مرفوض من اساسه، ومن شأنه أن يجلب مكاسب لكل الاطراف، شريطة أن  يمنح لكل واحد من الشركاء ضمانات لاستقلاله الوطني والسيادة الخاصة به. ولكن في الظروف التي لم يتنازل فيها الفلسطينيون بعد عن تطلعهم الى استقلال وطني، وأن يقطفوا ثمار نضالهم التاريخي، حيث اسرائيل تدير صراع شديد ضد فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة والاردن يخشى من فقدان هويته القومية داخل سلطة الكونفدرالية، فان هذا الحلم يبدو الآن مثل عنقود من فقاعات الصابون الملونة.

انشر عبر