اللغة : العربية

قانون القومية وتداعياته: هل الديمقراطية الإسرائيلية في خطر؟

01 آب / أغسطس 2018

أم الفحم
أم الفحم

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: فنينا شربيت باروخ

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

النقاش حول قانون أساس: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي (قانون القومية) يثير جدالًا واسعًا في أوساط المجتمع الإسرائيلي؛ من جهة قيل بأنه يشكل دعامة قانونية مناسبة وضرورية لطبيعة إسرائيل القومية كدولة للشعب اليهودي، أمام الجهات التي تسعى لإلغاء حق الشعب اليهودي في وطن قومي في بلاده، ومن ناحية أخرى قيل بأنه بمثابة قانون تمييزي، يقوّض الطابع الديمقراطي لإسرائيل ويعبر عن رسالة قومية. الحقيقة موجودة - على ما يبدو - بين كلا الموقفيْن المتناقضيْن.

التطرق للقانون وتداعياته يجب أن يتم مع النظر للإجراءات الأعم التي تحدث في المنظومة السياسية والقضائية في الدولة، في كلا الاتجاهين. من المناسب أيضًا دراسة تداعيات التشريع على الأمن القومي من الداخل والخارج.

من ناحية، هناك ادعاء بأن هذا بالمجمل ترسيخ لجوهر الدولة كدولة للشعب اليهودي من خلال قانون أساس، ترسيخ ما هو ضروري كقوة توازن ضد ترسيخ حقوق إنسان مختلفة في قوانين أساس أخرى. وفقًا لهذا النهج، بما أن القوانين الأساسية تهدف لتشكيل فصول لدستور الدولة، في ظل صعوبة صياغة دستور شامل، فقد كان من الضروري "إضافة سلسلة أحكام تختص بالسمات الأساسية للدولة كدولة يهودية للمنظومة الدستورية"، فغياب فصل كهذا يخلق عدم توازن لصالح العنصر الديمقراطي للدولة، والذي يتم التعبير عنه (على سبيل المثال) في أحكام المحكمة العليا التي - حسب الحجة - تمنح أولوية للعنصر الديمقراطي على العنصر القومي.

من ناحية أخرى، هناك ادعاء بأن طبيعة الدولة كدولة للشعب اليهودي راسخة بالفعل في ورقة الاستقلال، ولا تقع تحت تهديد حقيقي، وهكذا تتطرق قوانين الأساس الحالية لإسرائيل "كيهودية ديمقراطية"، وكذلك المحكمة العليا تتطرق لهذا البعد في أحكامها، ووفقًا لذلك فالقانون غير ضروري لهذا الغرض. مقابل ذلك، التأكيد المتكرر في القانون على الطابع اليهودي للدولة، لوضع الشعب اليهودي، لأهمية الاستيطان اليهودي، جنبًا إلى جنب مع التقليل من مكانة اللغة العربية؛ يخلق نتيجة بأن من هو غير يهودي يُستبعد من الحكم، ويقدم كمن هو ليس شريكًا كاملًا في الدولة.

إن فحص أحكام القانون يدل على أن القانون لا يشمل قولًا صريحًا يسمح بالتمييز ضد من هو غير يهودي، فالأحكام الإشكالية (كإذن الدولة بالموافقة على استيطان منفصل للطوائف، غالبًا أبناء دين أو قومية معينة) أزيلت من الصيغة التي تم سنها، بقي الحكم المتعلق باللغة العربية، والذي يقلل من وضعها مقابل اللغة العبرية. تكمن الصعوبة الأساسية في هذا القانون بتركيزه على جوهر الدولة كدولة قومية للشعب اليهودي، مع ممارسة حقها في تقرير المصير، دون أن يشمل العنصر التكميلي المحدد في ورقة الاستقلال للمساواة بين كل مواطني الدولة، ودون أن يشمل التطرق لطبيعة الديمقراطية للدولة؛ من هنا يأتي القلق من أن شحذ الهوية القومية للدولة التي تم وضعها في القانون يتم على حساب مواطنيها غير اليهود.

الخوف يتزايد تحديدًا في أعقاب الخطاب الذي جاء بعد التشريع، فقد أدى القانون لرد عاصف من قِبل الطائفة الدرزية، الذين عبروا عن شعورهم بالخيانة؛ استبعادهم من المجتمع الإسرائيلي وتصنيفهم كجمهور من الدرجة الثانية في بلادهم. ردًا على ذلك، أعرب مؤيدو القانون عن أسفهم على هذه المشاعر، وأشاروا إلى أنه قد تكون هناك فرصة لتعديل القانون كي يشمل مواطني الدولة الدروز، بالإضافة لباقي المواطنين المخلصين مثل البدو، الشركس، وآخرين، أي أولئك الذين يتجندون في الجيش الإسرائيلي ويشاركون في الجهد الوطني. هذا الخطاب - بشكل متناقض - يزيد من عمق صعوبة القانون، الذي يتمثل في ردود الفعل، وهي فكرة أنه بالفعل يضع كل من هو غير يهودي بوضع المضطهد. إن خلق درجات بين المواطنين، أكثر مساواة وأقل مساواة، يقوّض أحد العناصر الأساسية للنظام الديمقراطي (المساواة بين المواطنين)، وكذلك يمس بعنصر أساسي آخر للمنظومة الديمقراطية، الذي بجانب حكم الأغلبية؛ يمنح حماية كبيرة للأقلية.

بالتطرق لقانون القومية وتداعياته، يجب التفكير أيضًا بالعمليات الأخرى التي تحدث في المجال السياسي والقضائي، أحد الاتجاهات تظهر في محاولات إضعاف قوة القضاة في الخدمة المدنية والمحكمة العليا. في حين أنه من الممكن توجيه انتقاد شرعي للتقنين المتجاوز للحد والتدخل القضائي في قضايا متعلقة بقرارات سياسية، لكن جزءًا من الانتقاد الموجه للقضاة والمحاكم العليا موجه للمساس بشرعية المنظومة القضائية ويخرج أيضًا ضد قرارات قضائية تمامًا، من بينها أن المحكمة تشغل المهمة الموكلة إليها بـ "حراسة بوابة" الديمقراطية، من خلال انتقاد السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وضمان حقوق الفرد، أيّ تآكل في هذا الدور قد يقوّض أحد العناصر المهمة لأي نظام ديمقراطي، مفهوم "التوازنات والضوابط".

نقطة تطرق ذات صلة مرتبطة بتعامل من ينتقد الحكومة؛ من ناحية، أساس ثابت أن حرية التعبير هي "روح الديمقراطية" ويكفي النظر للحكومات غير الديمقراطية (مثل: أردوغان في تركيا وبوتين في روسيا، الذين يخرسون أيّ تعبير ناقد ضدهم). من ناحية ثانية، يُطرح سؤال: متى يمكن استغلال حرية التعبير استغلالًا سيئًا بشكل يبرر فرض قيود، على سبيل المثال: هناك خلاف حول إذا ما كان شرعيًا فرض قيود على جهات تشوّه صورة إسرائيل في العالم وتطالب بنشاطات ضدها في الساحة الدولية. خلال الفترة الأخيرة، تم إجراء عدة تعديلات تشريعية تسعى لفرض قيود على جهات كهذه، مثل قيود على نشاطات مؤسسات تعليمية أو دخول لإسرائيل. هناك من يدّعون بأن هذه القيود تمثل إضرارًا كبيرًا بحرية التعبير، وعلى النقيض هناك من يدّعي بأن هذه الجهات تشارك في حملات ضد إسرائيل وأنه من الشرعي العمل ضدهم، النهج المنطقي يتطلب إيجاد نقطة توازن. مع ذلك، يمكن تحديد اعتبار كل من - على سبيل المثال - ينتقد نشاطات الجيش كخائن، ومحاولة وقف مثل هذه التصريحات، وأنه يتجاوز الخط الصحيح ويتعارض مع النظام الديمقراطي.

بالنسبة لتداعيات القانون القومي والإجراءات المفترض اتخاذها: على المستوى الداخلي، يبدو أنه من السابق لأوانه أن ندين الديمقراطية الإسرائيلية، فالخطاب العاصف الذي أثاره قانون القومية يعكس أن إسرائيل ما زالت دولة ديمقراطية، تسمح بالخطاب الانتقادي المفتوح. خطوات تشريعية أخرى، تمت فيها محاولة المساس بحقوق الفرد، تم وقفها من خلال خطوة تشريعية أو تم منعها على يد المحكمة العليا. مع ذلك، زيادة محاولات سن تشريع وقرارات إدارية مختلفة تنتهك التوازن المفترض، تُلزم تنبه من احتمال تآكل مستقبلي في القيم الديمقراطية. من المثير للقلق أيضًا الخطاب العام، المغذى من قِبل تصريحات قيادات سياسية، والتي تعبر عن تعاطف مع مفاهيم قومية والقيود على حريات الآخرين ومن يفكر بشكل مختلف، أيضًا هناك قلق من أن تهيئ مفاهيم كهذه لحلول الدولة الواحدة بدون مساواة في جميع أنحاء إسرائيل.

بشكل أكثر تحديدًا، قانون القومية والخطاب الذي أعقبه، يثير قلقًا حول التداعيات الممكنة للمجتمع العربي في إسرائيل. الحديث هنا عن جمهور مخلص، أغلبيته العظمى تطلب الاندماج بالمجتمع الإسرائيلي، وهناك قلق من أن هذا الجمهور ينجر لتبني مواقف أكثر تطرفًا، في ظل شعوره بأنه تم استبعاده لخارج المعسكر؛ هذه النتيجة مخالفة بوضوح لمصلحة إسرائيل، وقد تؤدي أيضًا للمساس بالأمن القومي.

أما في المنظومة الدولية، فإن قانون القومية والإجراءات الأخرى المذكورة أعلاه - وخصوصًا الإجراءات ضد المجتمع المدني - توسع الفجوة بين إسرائيل وبين يهودية الولايات المتحدة، التي في الغالب ليبرالية، وكذلك بين إسرائيل ودول الغرب، التي تعتبر حليفة مهمة لإسرائيل. هذه الإجراءات تعتبر أيضًا بمثابة تسلح قيّم بيد كل من يحاول إدانة إسرائيل ويتسبب بتآكل وضعها الدولي، مثل نشطاء "بي. دي. اس" وغيرهم ممّن يسعون لتقويض وجود إسرائيل.

في الختام، إن تعزيز البعد القومي للدولة لا يمكن استبعاده من أساسه. مع ذلك، من المهم ضمان ألا ينقلب البعد القومي لبعد وطني، ويجب التأكد من أنه تمت المحافظة على التوازن بين البعد القومي والبعد الديمقراطي، حيث ان كليهما معًا يعكسان طبيعة دولة إسرائيل التي أقيمت على يد الآباء المؤسسين. بالتالي، يجب التأسف على أن قانون القومية لا يشمل الصيغة المحددة في إعلان الاستقلال، حيث تحدد أن "دولة إسرائيل ستكون مفتوحة أمام الهجرة اليهودية ولاستقرار الشتات، ستهتم بتطوير البلاد لصالح كل مواطنيها، ستستند على أساس الحريات، العدل والسلام حسب نبوءات أنبياء إسرائيل، ستحقق المساواة، التعليم والثقافة، تحمي الأماكن المقدسة لجميع الأديان، وستكون مخلصة لمبادئ إعلان الأمم المتحدة"، هذه النسخة كان يمكن أن يوقع عليها تقريبًا كل مواطني إسرائيل، وقانون القومية كان يمكن اعتباره قانونًا موحدًا بدلًا من كونه قانونًا مُفرقًا.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر