اللغة : العربية

عباس وميلادينوف .. هل ينجحان في الاختراق ودرء الحرب؟

30 تموز / يوليو 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

مرة أخرى تأتي البشريات الكبريات، ويكاد الكثير منا يجزم بأنها مسألة وقت وسريعًا ستبتسم الدنيا لقطاع غزة من مصالحة ورفع للحصار ورواتب وتدفق أموال وإعادة إعمار، وهذا ليس مرده التفاؤل المبالغ فيه ولا ضعف الذاكرة، فسكان القطاع الذين يشعرون بالغرق ليس أمامهم سوى التمسك بقشة الأمل والتفاؤل بكل حمل، وبكل ما قد يجلب الخير أو يدرأ الشر، كما ان موجات الأخبار المفتوحة على مبادرات وزيارات ولقاءات بلا انقطاع ومع هذا الكم من التسريبات المتفائلة تساعد على إظهار الأمر وكأنه مختلف هذه المرة.

فضلًا عن أن ثمة جملة من الحقائق والأقوال التي لا يمكن القفز عنها، وربما ساعدت في خلق ودفع هذا الحراك وهذه الجهود المتواترة والمتسارعة من قبل لاعبين كثر، وفي مقدمتهم ميلادينوف ومصر، ومنها:

- لا دولة الاحتلال ولا جيشها ولا الفصائل الفلسطينية يرغبون في تدهور الاستنزاف إلى حرب، ويخشون من أن استمرار الاستنزاف والتصعيد المضبوط قد يتطور رغما عنهم إلى حرب كبرى.

- لدرء خطر اندلاع الحرب لابدّ من تقديم مبادرات دولية إنسانية واقتصادية كبرى للقطاع، ولابدّ من الضغط على الاحتلال لرفع الحصار، ولابدّ من توفر ضمانات بعدم اندلاع الحرب.

- لابدّ من المصالحة الفلسطينية كسبيل لعودة السلطة لتكون عنوانًا لأيّ اتفاقات أو خطط إنقاذ وإسعاف اقتصادية للقطاع.

- فشل كل جهد للتدخل في القطاع يتجاوز كل من السلطة وحركة حماس، ورغبة أمريكا في تمكين عودة السلطة للقطاع لأسباب تتعلق بفشل مشروعها المسمى "غزة أولًا" وكشرط لتمرير صفقتها الكبرى.

- سعي الاحتلال وتقديره بأن هذه هي الفرصة المناسبة لابتزاز المقاومة عبر ربط الإنساني بالأمني.

بمعني أن هناك الكثير من الأسباب والدوافع الذاتية والموضوعية التي تهيئ الظروف وتدفع الجهود لإنجاح مبادرة صغرى (عودة الهدوء ورفع جزئي للحصار ومجموعة تسهيلات) أو مبادرة كبرى تتوج بالمصالحة وعودة السلطة.

بيد أنه وحتى نقتنع باطمئنان إلى أن هذه المبادرات تمتلك مقومات النجاح، لابدّ أن نقتنع أولًا ان ثمة تغييرات كبيرة حدثت على المحددات الرئيسية لثوابت سياسات وتوجهات اللاعبين الرئيسيين، فهل حدث مثل هذا التغيير حقًا؟ ومن تفحصنا نجد أن المحددات الاحتلالية التي لا زال يحتكر نتنياهو صياغتها، والتي تقوم على "لا" للدولة الفلسطينية و"لا" لعودة الفلسطينيين تحت سلطة واحدة، وتسعى لتحويل الانقسام إلى انفصال، و"لا" للميناء والمطار قبل اتفاقيات تنهي الصراع وتوفر ضمانات أمنية، وتكتيكيًا لا زالت تربط الإنساني بالأمني (مصير الجنود وإطلاق سراحهم)؛ كل هذه المحددات لا زالت قائمة ولم يطرأ عليها أي تغيير، ولا نعتقد بأن تغييرًا قريبًا قد يطرأ عليها دون أن تشعر دولة الاحتلال بأنها مضطرة لذلك، سواء بسبب الضغوط العسكرية أو السياسية، فهل هي تشعر بذلك الآن؟

العكس صحيح، نعتقد بأنها تشعر بحالة من القوة المسنودة بظهير قوي داعم، دولي وإقليمي، وهذا لا ينفي بالتأكيد أنها تتعرض لضغوط كبيرة ناتجة عن استمرار حراك مسيرات العودة وتهديدات الانفجار، وناتجة أيضًا عن ضغوط داخلية وأمريكية وإقليمية وأوروبية، يطالبه بعضها برفع الحصار أو تخفيفيه، ويطالبه البعض الآخر بعدم الاعتراض على المصالحة الفلسطينية وعودة السلطة، ونتيجة لهذه الضغوط أعلن - أو بالأصح سرّب - مكتب نتنياهو أنه بصدد تقديم مبادرة. وتقديرنا أنها مبادرة لكسب الوقت وللتنصل من المسؤوليات وهدفها المناورة وتحميل حركة حماس مسؤولية رفضها ومسؤولية ما قد ينجم عن هذا الرفض، فهي مبادرة ستنطوي على عدم وضوح فيما هو مطلوب ومستحق من الاحتلال، ووضوح كامل فيما هو مستحق من الفلسطينيين، والقليل من التسهيلات والكثير من الاشتراطات، ولا نعتقد بأن الاحتلال سيوافق على أية مبادرة في الظروف الحالية لا تشمل معرفة مصير الجنود كمرحلة أولى، وتربط المراحل الأخرى بإطلاق سراحهم.

ولطالما شعرت الفصائل ودولة الاحتلال بأن المعركة بينهما لا زالت مفتوحة، وأن كل طرف قادر في المعركة القادمة أن يحسّن شروطه، فإن أيّ منهما لن يوافق ولن يكون مُهيئًا لتقديم تنازلات نوعية، وإن كل ما يمكن الحديث عنه من جانب الاحتلال هو عودة الهدوء وتثبيت وقف إطلاق النار مقابل حلحلة في الحصار وتسهيل المبادرات الدولية لمساعدة القطاع بشروط سياسية وأمنية. أما المقاومة من جهتها فلا نعتقد بأنها تقبل بإجهاض حراكها دون الحصول على إنجازات نوعية، كما أنها ستظل ترفض ربط مصير الجنود بالحصار.

أما المحددات الفتحاوية - الحمساوية على مستوى المصالحة فلم يطرأ عليها أي تغيير جدي يسمح باختراق كبير، فالسلطة لم تغيّر موقفها من مطلب التمكين والسلطة الواحدة والسلاح الواحد، كما ان حركة حماس لم تغير مواقفها هي الأخرى.

وفي ظل تمسك كل طرف من اللاعبين الرئيسيين بمحددات مواقفه، فإن هامش المناورة لدى الوسطاء لإحداث اختراق كبير يبدو محدودًا ومرتبطًا بشكل أساسي ببراعة الوسيط، إبداع تقديم مبادرات تلتف على عوامل الرفض لإحداث خلخلة على الأقل في المواقف الرافضة وجعلها تقبل فكرة التعاطي الإيجابي مع الأمر، وميلادينوف مع عباس كامل يشتغلان في هامش ضيق جدًا، مستغلان كل عوامل الضغط لإحداث حالة تصدع أولية في مواقف الأطراف، موظفان في ذلك العصا والجزرة، فيهددان من مخاطر الانفجار ويهددان البعض بالبدائل والتجاوز، ويغريان الكل بثمار العوائد، فهل ينجحان؟!

انشر عبر