اللغة : العربية

نموذج النفوذ الإيراني في سوريا

26 تموز / يوليو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: أوريت بارلوف وأودي ديكل

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

التدخل العسكري الإيراني في سوريا، والذي بدأ عام 2012، أريد منه إنقاذ نظام الأسد والتأسيس للنفوذ الإيراني في هذا البلد على المدى البعيد، ولكي ندرس طريقة عمل إيران في سوريا، وملف قواتها ووكلائها المتمركزين على الأراضي السورية وبناء نفوذها هناك، سنجري تتبعًا للخطاب الدائر في الموضوع على شبكات التواصل الاجتماعي. هذا المقال يقوم على أساس الخطاب وتقديرات النشطاء أو مصممي الرأي العام السوريين (وسيما السنة)، والتحقيق في الوثائق والصور وفي الشهادات من الميدان وتحليلات الخبراء؛ هذا كله يسلط الضوء على "النموذج الإيراني" في سوريا، القائم على أساس بناء قوى متنوعة تخضع لإمرة إيران والمستعدة لخدمة مصالحها في المنطقة، التدخل تم بشكل منخفض بالتعاون مع نظام الأسد، من خلال شمل المقاتلين السوريين تخت قيادة الإيرانيين في وحدات الجيش والدفاع السوري، التي تقاتل في ظاهر الأمر لصالح النظام.

التقدير الرائج هو أنه ومنذ دخول إيران وحزب الله إلى سوريا، وإلى وقتنا الحاضر (تحرر الجنوب السوري من سيطرة المتمردين في يوليو 2018) فإن إيران وليست روسيا هي الجهة المهيمنة في سوريا، فإيران هي التي تملي قتال التحالف الموالي للأسد على الأرض، وهي التي تسيطر على المعابر الحدودية بين سوريا والعراق وبين سوريا ولبنان، وهي من يحدد إعادة تنظيم المناطق والطوائف وفق مفتاح عرقي، ولإيران أيضًا تأثير حاسم في بعض الأحيان على تحديد جدول القتال، الذي يتم بالتشاور بينها وبين روسيا والأسد.

نسق عمل التحالف الموالي للأسد، والذي يضم كلًا من روسيا وإيران ووكلائها، هو كالتالي: يصل المستشارون الإيرانيون إلى المنطقة ويدرسون التجهيزات التنفيذية وفرص نجاح احتلالها، وبعدها يلتقون مع الممثلين الروس بهدف تنسيق المعركة البرية مع العمليات من الجو، في المرحلة التالية ترسل القوات المقاتلة للعملية العسكرية، قوات جيش الأسد والميليشيات الشيعية تحت قيادة إيران، للمنطقة المُراد تحريرها من أيدي المتمردين، تحاصر وتعزل، وتبدأ العملية بالدك من الجو من قبل الطائرات الحربية الروسية وسلاح الجو السوري الخاضع للأسد، إلى جانب نيران المدفعية الثقيلة، بعد "إنهاك" مواقع المتمردين تدخل القوات البرية وتحتل المنطقة، في ذات الوقت تجري مفاوضات حول اتفاقيات الخضوع بقيادة روسيا مع قيادة المتمردين.

 

نظرية المحاور

وفق النظرية الإيرانية، الجمع بين عدد من محاور التحرك مطلوبٌ بهدف الحفاظ على نظام الأسد، والذي هو أداة مركزية في النفوذ الإيراني، في ذات الوقت ومع السيطرة الجغرافية والوظيفية في سوريا كمرحلة قبيل السيطرة على "المحور الشيعي" وخلق ممر بري يربط بين إيران والبحر المتوسط:

أ) محور "العامود الفقري" السوري: سلسلة المدن المركزية في الوسط والشمال من البلد، حيت يتركز معظم السكان ومراكز الحكم والاقتصاد. شرط أساسي للانتصار في الحرب هو إبقاء السيطرة على المحور من درعا في الجنوب، مرورًا بالعاصمة دمشق، واستمراره في المحور المركزي الصاعد شمالًا حتى حمص وحلب، وغربًا إلى اللاذقية.

ب) محور التواصل الجغرافي: تعمل إيران على السيطرة التدريجية على عدد من المناطق المهمة من أجل خلق تواصل جغرافي بين هذه المناطق حتى البحر المتوسط، من خلال التقدم من السهل إلى الصعب: أولًا الحدود السورية اللبنانية، وبعدها غلاف دمشق والحدود العراقية السورية ومحاور التحرك من الشرق إلى الغرب، وحاليًا الجنوب السوري. في المرحلة القادمة، ستوجه القوات للسيطرة على منطقتيْن تشكلان تحديًا أكبر في شمال شرق سوريا؛ القطاع الكردي المدعوم من قبل التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وهو ضروري لإيران، إذ أنه بالفعل يسيطر على الحدود السورية العراقية، ومقاطعة إدلب المعقل الأخير للمتمردين السنة، والمحمي من قبل تركيا، السيطرة على هاتين المنطقتين معقدة للغاية في هذه المرحلة، لذلك فقد أجلت إلى مراحل الحرب القادمة.

ج) المحور اللوجستي: محور التمويل الرئيسي من إيران عبر العراق إلى سوريا وصولًا إلى لبنان (برًا وجوًا)، هذا المحور (الذي وصفه حسن نصر الله في خطابه في أغسطس 2017 بأنه "طريق التحرير") ضروري لتمركز القوات الإيرانية في سوريا، ولنقل القوات والوسائل القتالية والدعم اللوجستي لوكلائها.

د) المحور التجاري: سيفتح مجددًا بعد أن كان مغلقًا بشكل مطبق على مدار سنوات عديدة، سيمر على امتداد "العامود الفقري" من شمال سوريا إلى جنوبها على امتداد الطريق الدولي M5 من تركيا عبر سوريا إلى الأردن والخليج؛ هذا المحور سيساعد على إعمار سوريا اقتصاديًا، وسيرفع عن إيران جزءًا من العبء الاقتصادي.

 

بناء القوة الإيرانية

الخطاب على الانترنت يشير إلى بناء قوات متعدد الطبقات في سوريا مع نفوذ إيراني متنامٍ:

1. جيش القدس التابع للحرس الثوري الإيراني: وهو جيش إيراني منظم، يشرف على سوريا، وتعمل تحت سيطرته بقية القوات. تغيّر نظام القوات وإعداداتها على مدار الحرب بما يتوافق مع الاحتياجات العملانية، وتراوح وفق التقديرات ما بين (2000- 5000) مقاتل، تتضمن القوة قادة ومستشارين ومرشدين مرتبطين بقوات أخرى في الائتلاف الموالي للأسد: الجيش السوري والميليشيات السورية والميليشيات الشيعية. جيش القدس تزايد في سوريا في العام الثاني من الحرب الأهلية، عندما تولد خوف كبير على بقاء نظام الأسد، في المرحلة الأولى كانت مهمته الأساسية دفاعية (الحفاظ على الرئيس الأسد وأتباعه وممتلكاته)، ومع تقدم القتال انتقلت مهمته الأساسية من الدفاع إلى الهجوم والمساعدة على احتلال المناطق التي سيطر عليها المتمردون، وفيما بعد ساعدت هذه القوة في تحرير المحاور والشرايين الاستراتيجية.

2. قوات الدفاع الوطني السورية: في السنوات الأولى من الحرب الأهلية، عندما كاد الجيش السوري الخاضع لإمرة الأسد أن يتفكك (الجيش العربي السوري) بسبب الفرار وعدم تجند المقاتلين والخسائر الكبيرة في الأرواح؛ قررت إيران أن تساعد الأسد على إقامة "قوات الأمن الوطني": ميليشيات سورية بقيادة وإرشاد وتمويل وتسليح إيراني. قوات الأمن الوطني هي الوجه السوري للميليشيات الشعبية الشيعية العراقية (الحشد الشعبي) وحزب الله في لبنان، وفق التقارير تجند في القوات الوطنية هذه حوالي 90 ألف متطوع سوري، حيث التطلع إلى أن يكون جوهر القوة قائم على أساس العلويين والشيعة، ومع ذلك يتجند فيها أبناء طوائف أخرى أيضًا.

3. قوات الدفاع المحلية: وحدات شرطية وحراسة وإدارة مدنية من الميليشيات المحلية، نظام يضم حوالي 50 ألف عضو، هذه الهيئة المأهولة برجال موالين للنظام أقيمت من قبل إيران استجابة للحاجة ومطالبة الطوائف المحلية الخاضعة لإمرة النظام المركزي في دمشق، من بين الكثير من الأمور بهدف تعقب والقضاء على المتعاونين مع المتمردين وعناصر المعارضة في سوريا. قادة إيرانيون أو من بين صفوف حزب الله منضمون إلى هذه الميليشيات.

4. الميليشيات الشيعية: الميليشيات الشيعية من أفغانستان (فاطميون) ومن باكستان (زينبيون) الذين تجندوا وتنظموا واستخدموا من قبل إيران. حسب التقديرات هذه الميليشيات تضم ما بين 10 آلاف حتى و15 ألف مقاتل، الهدف منها ان تستخدم كقوة هجومية مركزية لتحرير المناطق من أيدي المتمردين، وفيما بعد سيطرة الطوائف الشيعية والعلوية في سوريا والحفاظ عليها من انتقام الأعمال العدائية من جانب مختلف التنظيمات السنية. إيران، وبالتنسيق مع الأسد، تشجع المقاتلين وعائلاتهم على الهجرة إلى سوريا، حيث يمرون بعملية توطين واستيعاب استعدادًا للبقاء هناك، حتى وإن تقرر في مرحلة اتفاق سياسي على إخلاء القوات الأجنبية من البلد، المقاتلون وعائلاتهم يسكنون في مساكن ضباط في الأحياء التي هجرت من قبل المهاجرين والمبعدين السنة. هدف هذه العملية هو تعزيز الهوية الشيعية في سوريا مع المتجندين العلويين في ميليشيات الشيعة والميليشيات الوطنية لتأسيس النفوذ الإيراني في البلد على المدى البعيد ونشر الدعم الداخلي لنظام الأسد.

5. قوات التدخل السريع الشيعية: في بعض الأحيان، تستخدم إيران الميليشيات الشيعية من العراق ولبنان (الرضوان من حزب الله وعصبة الحق وحزب الله النجباء وذي الفقار وأبو الفضل العباس والجعفرية وغيرها) كقوات تدخل سريع في مناطق القتال من أجل حسم الحرب عندما لا تكون هناك استجابة كافية لدفاع المتمردين. في ذروة القتال، تضمنت خلايا البعثة ما يقارب 3000 مقاتلًا، على خلاف محاولة توطين الميليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا؛ الميليشيات العراقية تعود إلى وطنها الأم بعد إتمام مهامها.

6. حزب الله الدرع الواقي لدمشق "غلاف لبنان": حزب الله يعمل في سوريا منذ 2012 في نظام من القوات يتراوح ما بين 4000 إلى 9000 (الرقم تغيّر بما يتوافق واحتياجات الحرب على الأرض) إلى جانب الأسد والتوجه الإيراني، المهمة الأولى لقوات حزب الله في سوريا كانت إنقاذ نظام الأسد والحراسة الدقيقة لدمشق، في نهاية العام 2016 تجنّدت قوات حزب الله في معركة تحرير المدينة الثانية في حجمها في سوريا (حلب)، في ذات الوقت ركز حزب الله على القتال من أجل الحفاظ على إنجازاته في غلاف لبنان الموصوف بـ "المنطقة Q": القنيطرة والقلمون والقصير. الهدف المركزي هو طرد المتمردين وتطهير المناطق الحيوية من السكان السنة بهدف تأمين محاور الوصول من سوريا إلى لبنان وإسكان سكان "مريحين" في غلاف الحدود السورية مع لبنان ومنع العمليات الإرهابية والانتقام من قبل عناصر السلفية الجهادية في لبنان. من الخطاب على شبكات التواصل، يظهر ان مقاتلين شيعة (عدا عن أولئك القادمين من العراق) يهبطون في مطار بيروت، ومن هناك ينتقلون إلى معسكرات التجنيد والاستيعاب والتدريبات في لبنان والمستخدمة من قبل حزب الله، بعد ان تنتهي فترة التدريب والتأهيل المجندين الذين يرتدون بزات الجيش السوري ينضمون إلى القوات المقاتلة إلى جانب نظام الأسد.

7. المرتزقة اللبنانيين والعراقيين: هؤلاء المقاتلين ليسوا أعضاءً في الميليشيات الشيعية على مختلف أنواعها، لكنهم يساعدون بالقتال في المناطق التي تحتاج إلى الدعم اللوجستي والعملاني وتمولهم إيران، كما أنهم - ومثل الميليشيات الشيعية من العراق وحزب الله - يعودون إلى وطنهم الأم عند انتهاء المهمة.

 

تلخيص ومغازٍ لإسرائيل

إيران ليست معنية بأن تسيطر علانية على سوريا، وإنما معنية بالعمل والتأثير من وراء الكواليس، من خلال إدخال القوات الخاضعة لإمرتها في أطر الحكم، المدنية والعسكرية، في هذا البلد. وعليه، من الصعب أن نقرر بشكل دقيق أعداد الوكلاء الإيرانيين في سوريا، وفق الكثير من التقارير في الإعلام السوري - وسيما في مواقع المعارضة وشبكات التواصل - فالقوات الإيرانية وحزب الله والميليشيات الشيعية يشاركون في القتال الدائر في الجنوب السوري وهم يرتدو بزات الجيش السوري. لا شك بأن روسيا على علم بأن الميليشيات الشيعية الموالية لإيران ليس فقط أنها لم تنسحب من الجنوب السوري، وإنما تعلم بأن تواجدهم وانتشارهم في تزايد. من المفترض ان المشروع الإيراني في سوريا سيستمر في المرحلة القادمة، تنتشر القوات المحسوبة على إيران (بصيغة أو بأخرى) بالقرب من الحدود في الجولان.

إسرائيل التي تتمتع بتفوق استخباري في سوريا تخفي إلى الآن كشف تواجد وكلاء إيران وبقية القوات الخاضعة لها في جنوب سوريا، ويبدو ان إسرائيل تقدر بأن هذه القوات لا تشكل خطرًا حقيقيًا عليها، على الأقل على المدى المنظور، وتركز على منع تركز القدرات العسكرية الإيرانية في سوريا بشكل خطير (الصواريخ والقذائف والطائرات غير المأهولة ومنظومات الدفاع الجوية ووسائل القتال المتطورة)، يبدو أنه في هذه المرحلة تبني إسرائيل آمالها على أن تهتم روسيا ونظام الأسد بإبعاد القوات والوكلاء الإيرانيين عن حدودها، وأن يفهموا ان تدخل إيران المتزايد وتسللها إلى القوات السورية المحلية يقلقل في الواقع سيادة النظام، لكن هناك شك كبير فيما إذا كان لدى روسيا والأسد القدرة العملية على إبعاد التواجد الإيراني عن الأرض السورية، وسيما انضمام القادة الإيرانيين والمقاتلين الشيعة إلى القوات المحلية، وفي هذه الحالة فإن خيار مهاجمة الوكلاء الإيرانيين سيكون في يد إسرائيل، حتى بعد أن يتم الأسد سيطرته على هضبة الجولان السورية.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر