اللغة : العربية

قمة ترامب - بوتين: التركيز على الحوار وليس نتائجه

18 تموز / يوليو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

إلداد شبيط، تسفي ماغن، فيرا ميخلين شابير، أودي ديكل

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي (16 يوليو)، في لقاء قمة رسمي هو الأول من نوعه، سبق ذلك لقاءان غير رسمييْن بينهما، عُقدا على هامش اجتماعات دولية (هامبورج/ يوليو 2017، وفيتنام/ نوفمبر 2017). منذ بداية ولاية الرئيس ترامب، تشهد علاقات كلا البلدين أزمة مستمرة، سواء على خلفية خلافات سياسية (بدأت في فترة الإدارة السابقة)، مع التأكيد على العقوبات الدولية التي فُرضت على روسيا في أعقاب احتلالها لشبه جزيرة القرم أو على خلفية اتهام روسيا بالتدخل بالانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة.

في خلفية القمة، الاضطرابات التي تمر بها الساحة الدولية منذ بدء ولاية الرئيس ترامب، والتي تعني تقويض الأسس التقليدية التي استندت عليها في السنوات الأخيرة. هذا في أعقاب قراره بالانسحاب من التزامات دولية كثيرة أخذتها على عاتقها الإدارة السابقة، "حروب تجارية" يقودها، وصراعاته ضد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا، الذين وصفهم بأنهم "عدو"؛ في ظل ذلك ترامب متهم بأنه يُضعف الغرب أمام التهديد الروسي.

من جهة أخرى، ترامب - الذي اعترف فعلًا أنه مريح بالنسبة له أن يتحدث مع بوتين - يسعى منذ فترة طويلة (حتى الآن بلا نجاح) لتطوير علاقة مودة معه، حسب قوله لأنهما زعيمان "قويان وصلبان" وبمقدورهما معًا تقديم جدول أعمال جديد في الساحة الدولية، على رؤوس زعماء آخرين. الإدارة - وترامب شخصيًا - لديهم مصلحة بإظهار إنجازات تحققت خلال اللقاء بحيث تكون بمثابة حجة ضد هؤلاء، لاسيما مَن لا يزالون يدعون بأن ظل التحقيقات التي تجرى في الولايات المتحدة تمنعهم من تحسين وتعزيز العلاقات بين كلا البلدين. مع ذلك، يبدو أنه حين قبل ترامب إنكار الرئيس بوتين بشأن التدخل في الانتخابات في الولايات المتحدة، خلافًا لما حددته عناصر المخابرات الأمريكية؛ زادت المعارضة لتحسين العلاقات مع الروس، بما يشمل المسؤولين الجمهوريين، وكذلك قلل من مجال المناورة للإدارة.

في جميع الأحوال، كان واضحًا للإدارة قبل عقد القمة ما هو الثمن الذي سيطلبه الرئيس بوتين من أجل ن يستجيب لمطالب الولايات المتحدة، يبدو أن بوتين طلب استغلال القمة من أجل تحريك عملية تؤدي لتفاهمات في عدة قضايا (بما يشمل عدم التدخل في شؤون روسيا الداخلية، قيود على نشر قوات وتدريبات ناتو في أوروبا الشرقية، تسوية في سوريا تعترف بالنفوذ الروسي المتزايد في البلاد وتبقي نظام الأسد مكانه، وبالتالي تنفيذ "الصفقة الكبرى" بين القوتين). جزء من تصريحات الرئيس ترامب عشية القمة في القضايا المتعلقة بأوروبا وحلف الناتو تم قبولها بشكل إيجابي من قبل موسكو، وخصوصًا التطرق لأمر إخراج محتمل للقوات الأمريكية من أوروبا، تقليل التدريبات المشتركة، وغيرها. هذا بجانب تلميحات حول "حلول إبداعية" لمسألة القرم وتخفيف تدريجي للعقوبات. فعليًا، من الصعب في هذه المرحلة الإشارة لإنجازات واضحة من ناحية روسيا كنتيجة للقمة، خصوصًا بالنسبة لمصالحها في أوروبا الشرقية.

عشية القمة لم يتم نشر أجندة رسمية، ويبدو ان الحديث بين كلا الزعيمين تأثر بشكل أساسي من قدرات المناورة لهما أمام التحديات التي تقف أمامهما، حيث يستطيع كلٌ منهما في النهاية الإشارة لأهمية استمرار العلاقات بينهما ومساهمتها في مصالح كلا البلدين. يبدو أنه خلال اللقاء نفسه، تم وضع سلسلة مطولة من القضايا الثنائية على الطاولة، وقضايا متعلقة بالشرق الأوسط. مع ذلك، في بيان الزعيمين خلال مؤتمر صحفي عقد في نهاية اللقاء، لم يتم نقل إن كانا قد توصلا لاتفاقات، والتأكيد كان بالأساس على أهمية الحوار بينهما.

في مسألة سوريا، أشار الرئيس بوتين إلى أنه والرئيس ترامب اتفقا على ضمان أمن إسرائيل، مع الإصرار على التوصل لاتفاق فصل القوات على حدودها مع سوريا من عام 1974. مع ذلك، حتى الآن لم يتم عرض أي اتفاق او تفاهم ملموس حول إبعاد القوات والقدرات العسكرية الإيرانية من سوريا. يجدر التأكيد أنه قبل القمة نقل أن الإدارة الأمريكية كانت معنية بالأساس بتلقي ضمانات بشأن عمل الروس على تقليص التواجد الإيراني في سوريا، وفي المقابل هو مستعد للاعتراف بحكم الأسد وممكن أيضًا تعزيز خروج قوات الجيش الأمريكي من سوريا، لأنه من الواضح لبوتين أنه بدون التوصل لتفاهمات حول القضية، يتوقع أن تغرق روسيا أكثر في الوحل السوري، الذي تسير فيه منذ ثلاثة سنوات، دون أن تنجح بالاستفادة من تدخلها في سوريا بتحقيق إنجازات في الساحة الدولية.

رغم الاهتمام الروسي الأساسي بإخراج القوات الإيرانية من سوريا، إلا أن تعزيز هذا الهدف يجب أن يتم بحثه أمام المصالح الروسية، وبالطبع الرئيس الأسد والإيرانيين على المدى القصير لاستمرار وتوطيد حكم النظام في أنحاء البلاد بما يشمل الجنوب، وعلى المدى البعيد للحفاظ على تأثير روسي متزايد في سوريا. على خلفية ذلك، صعب حتى هذا الوقت تحديد رغبة وقدرة الروس الحقيقية لمنع انتشار إيران ووكلائها في جنوب سوريا. يجب أن نتوقع أيضًا أن إيران - التي تعلم بالحملة التي تقودها إسرائيل ضدها والفجوات بين مواقفها ومواقف موسكو - لا تنوي التخلي عن أهدافها بتوسيع تمركزها العسكري في سوريا.

في هذا السياق، تبرز معلومات حول اندماج ميليشيات شيعية داخل قوات جيش سوريا وميليشيات سورية تخضع لنظام الأسد في هضبة الجولان. اتفاقات محتملة حول جنوب سوريا لا تعطي بجميع الأحوال إجابة كافية لاستمرار جهود إيران بالانتشار لعمق سوريا ووضع أيضًا منظومات سلاح متطورة. علاوة على ذلك، بالنظر العام للجهود الأمريكية أمام إيران، أكد الرئيس بوتين أن روسيا ستسمر في دعم اتفاق النووي مع إيران وستعمل جنبًا إلى جنب مع أوروبا والصين من أجل الحفاظ عليه، وربما يجدر الافتراض بأن روسيا ستكون مستعدة للتحلي بالمرونة في هذا الشأن، مقابل تنازلات أمريكية في قضية العقوبات واعتراف بوضعها في جزيرة القرم.

 

تداعيات ذلك على إسرائيل

الاحتمال غير عالٍ بأن تنجح قمة ترامب - بوتين بتقديم تغير مهم في ميزان التطورات في سوريا، وهناك شك كبير فيما إن كانت ستساهم في تعزيز هدف استراتيجي لإسرائيل (دحر التواجد الإيراني من سوريا)، ستضطر إسرائيل لأن تستمر في المناورة أمام روسيا، لكن ربما أيضًا أمام الولايات المتحدة، خصوصًا لاهتمامها بتأجيل خروج متسرع للقوات الأمريكية من سوريا دون وعود بإبعاد الإيرانيين. في عديد المرات لم تفِ روسيا بالتزاماتها في سوريا، ووفقًا لذلك سيكون من الخطأ من ناحية الولايات المتحدة أن تخلي القوات وتعتمد على روسيا قبل اختفاء كل معاقل "الدولة الاسلامية" في سوريا، وتقديم أدلة واضحة على أن القوات الإيرانية ووكلاءها غادروا مناطق سوريا وفككوا كل البنى التحتية العسكرية ومنظومات الصواريخ والدفاع الجوي الإيراني.

اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا - الذي ذكره الرئيس بوتين ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو - يضع قيودًا على نطاق القوى البشرية العسكرية: دبابات، مدفعيات وبطاريات صواريخ أرض - جو الموجودة على مدى 10 كيلومتر، 20 كيلومتر و25 كيلومتر عن حدود هضبة الجولان؛ هذه المسافات تعتبر محدودة بالنسبة للنطاق الذي ذكر كجزء من مطالب إسرائيل والولايات المتحدة بإبعاد القوى الإيرانية ووكلائها 60-80 كيلومتر من حدود إسرائيل وآليات قتال لا تشمل منظومات سلاح أساسية تقلق إسرائيل.

على أية حال، هجمات جوية - تستطيع إسرائيل من خلالها أن تعرقل وتعطل عملية التمركز الإيراني في سوريا، وكذلك ضغوطات من جانب روسيا - لن تكون كافية للعمل على دحر كامل للتواجد والقدرات الإيرانية في سوريا.

إن التفاهمات بين الولايات المتحدة وروسيا حول التواجد الإيراني في سوريا والتسوية المستقبلية في سوريا، بما يشمل تداعياتها على إسرائيل؛ ستكون الآن في مركز محاولة موسكو البعيدة لـ "صفقة كبرى" بين القوى. في حال فشلت صفقة كهذه، يستطيع الجانب الروسي أن يدعي بأن الالتزامات التي تم التوصل إليها في إطارها غير مؤثرة بالنسبة لهم.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر