اللغة : العربية

عقبات جديدة أمام تصدير الغاز الطبيعي الإسرائيلي

10 تموز / يوليو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: عوديد عران وايلاي رتيغ

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

من ناحية اقتصادية، تُعد تركيا وجهة التصدير الأبسط والأكثر ربحًا بالنسبة لشركات الغاز في إسرائيل، ويُتوقع أن تزداد متطلبات الاقتصاد التركي لاستيراد الغاز الطبيعي بشكل كبير في السنوات المقبلة، من 55 مليار متر مكعب في 2017 إلى 75 مليار متر مكعب في 2025، ومن المتوقع أن تسد روسيا نصف هذه الكمية (50-60%)، إيران (20%) وأذربيجان حوالي (10%). حوالي خمس الكميات (ما يعادل 15 مليار متر مكعب في العام) سيتنافس عليها مصدري غاز آخرين مثل العراق، تركمانستان، وربما إسرائيل.

يُقدر بأن إسرائيل تستطيع أن تزود تركيا بـ (8-16) مليار متر مكعب للعام، لمدة 15 عامًا، نظرًا لقيود تحمل خطوط الأنابيب تحت الماء والصفقات التي سوف تنجح شركات الغاز بنسجها في تركيا. بالإضافة لذلك، تعتبر تركيا ممرًا مناسبًا لمرور الغاز الإسرائيلي لأوروبا. تكاليف مد خط أنابيب بشواطئ الجنوبية لتركيا أقل من بديل بناء قناة مباشرة لأوروبا عبر اليونان أو من إقامة منشأة تسييل مخصصة في إسرائيل. تركيا أيضًا مستعدة للدفع مقابل الغاز الإسرائيلي أكثر ممّا تدفع الآن على الغاز الروسي، إذ أنها معنية بتقليل اعتمادها على روسيا؛ كل ذلك مفترض أن يُحوّل تركيا لوجهة مرغوب فيها بالنسبة للغاز الإسرائيلي.

مع ذلك، ثمة عقبات سياسية وجغرافية كثيرة وخطيرة تقف أمام استثمار في مشروع باهظ الثمن كهذا، أولًا: أقصر مسارات لخط الأنابيب من خزانات الغاز الإسرائيلية للشواطئ التركية يجب أن تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخاصة بدولتيْ لبنان وسوريا. رغم أن القانون الدولي لا يمنع وضع أنابيب في المياه الاقتصادية لـ "دولة معادية" إلا أن الخطر الأمني الكامن في هذه الحالة قد يضطر سلاح البحرية الإسرائيلي لحماية مسارات خط الأنابيب طوال طريقه تقريبًا. مسار آخر محتمل لخط أنابيب هو من خلال الأراضي الاقتصادية لقبرص، حيث أنه نظريًا لا يستوجب تسوية الصراع بين تركيا وقبرص. في الواقع، كل طرف يستخدم قضية الغاز في السنوات الأخيرة كورقة مساومة سياسية، ومن المرجح أن اتفاقًا لوضع أنبوب يستوجب تسوية واسعة لكل حقوق الحفر والبحث حول قبرص، ما قد يُصعب تعزيز الخطوة.

الأهم من ذلك، العلاقات الإقليمية لتركيا بشكل عام، وعلاقاتها مع إسرائيل بشكل خاص، لا توفر لشركات الغاز الاستقرار المطلوب في سبيل إقامة أنبوب بين البلدين. تدهور العلاقات الثنائية بين تركيا وإسرائيل - الذي بدأ نهاية 2008 - في الواقع توقف مؤقتًا في أعقاب "اتفاق التطبيع" بين البلدين في يونيو 2016، لكنه استؤنف بقوة في أعقاب أحداث العنف التي حدثت العام الماضي في القدس وغزة.

انتخاب أردوغان مجددًا للرئاسة يزيد من الصعوبات في هذا السياق، حتى قبل فوزه في الانتخابات الأخيرة؛ قاد أردوغان تركيا في مسار إشكالي حتى من ناحية شركائها التقليديين. استعداده لتعزيز التعاون مع روسيا وإيران زاد من علامات الاستفهام بين أعضاء "الناتو"، وكذلك سيطرة الجيش التركي على جزء من شمال سوريا. وقوف تركيا بجانب قطر في الصراع بينها وبين الدول العربية الأخرى في الخليج زاد من صورتها الإشكالية في عيونهم، يضاف إلى ذلك نجاح أردوغان بإنشاء نظام رئاسي استبدادي في تركيا، وهذا يمس بصورته في صفوف أعضاء الاتحاد الأوروبي.

في الوضع الحالي، ثمة شك كبير فيما إن كان أردوغان سيوافق على اتفاق، تقوم بموجبه شركات إسرائيلية بتوريد غاز طبيعي لتركيا، وثمة شك أيضًا بأن توافق شركات الغاز نفسها على أن تأخذ على نفسها خطر التورط مع رئيس تركي معادٍ لإسرائيل لهذه الدرجة. مع ذلك، أردوغان نفسه لديه اعتبارات اقتصادية قومية يُفترض أن تتغلب على رغبته بالمساس بجهات اقتصادية إسرائيلية، لذلك إن وافقت حكومة تركيا على صفقة توريد غاز إسرائيلي؛ فمن المرجح أنها ستخرج حيز للتنفيذ. لكن مع ذلك، المنطق يقول بأن الشركات التي ستشارك في الصفقة سيُطلب منها دفع زيادة في أقساط تأمين مخاطر التجارة الخارجية، ممّا يقلل من ربحية الصفقة، بالإضافة لعدم الثقة الكامنة بها.

بقي لشركات الغاز في إسرائيل بديل هام واحد فقط لتصدير الغاز، وهو مصر ومنشآت التسييل الخاصة بها في ادكو ودمياط. كميات الغاز اللازمة للأردن والفلسطينيين قليلة نسبيًا، وفكرة بناء قناة تحت بحرية مباشرة لليونان تفتقد لأي منطق اقتصادي، بالإضافة للصعوبات التقنية الكامنة بفرضيتها. في فبراير 2018 وقعت شركتا "تمار" و"لفيتان" على اتفاق مع شركة "دولفين" المصرية لتوريد 64 مليار متر مكعب، على مدار عشر سنوات. مع الاعلان عن الصفقة مباشرة أثيرت تساؤلات حول ضرورة الصفقة لمصر.

بعد سنوات من العجز في اقتصاد الغاز المصري، تقف مصر الآن على شفا ثورة، والمتوقع أن تؤدي لاستقلالها الكامل. حقل "ظهر" العملاق (الذي اكتشف قبل ثلاثة سنوات) ينتج الان حوالي 11 مليار متر مكعب في العام للاقتصاد المصري، ويُتوقع أن يصل لإنتاج 29 مليار متر مكعب في العام نهاية 2019. علاوة على ذلك، هناك تقارير أولية حول اكتشاف حقل أكبر بكثير في مصر يحمل اسم "نور". إذا لم تؤكد عمليات البحث الكاملة والتفتيش وجود حقل يستحق الاستثمار والإنتاج، فإن الواردات من إسرائيل ستساهم فعلًا بسد فجوات امدادات الغاز الطبيعي في مصر على المدى القصير، وخصوصًا مع صفقة التصدير للأردن سيتم تأمين الاستثمار في تطوير "لفيتان"، لكن أي كميات تجارية أخرى تُكتشف ويتم انتاجها في مصر ستقلل جدًا من إمكانية استيراد الغاز من إسرائيل.

خطر أكبر بكثير أثارته التقارير حول اكتشاف حقل جديد في مصر، وهو منع إمكانية استخدام منشآت التسييل الموجود في مناطقها. الحقل الجديد سيلبي الحاجة المصرية للغاز في المستقبل القريب، وسيثير من جديد الرغبة المصرية بالتصدير لأوروبا عبر المنشآت التي تعمل اليوم بشكل جزئي فقط. في وضع كهذا، لن يكون هناك مكان إضافي في هذه المنشآت للغاز الإسرائيلي، وإمكانية أن تصدر إسرائيل غاز سائل لأوروبا عبر مصر ستُلغى. في الواقع، الحقل الكبير قد يشجع بناء منشأة تسييل أخرى في مصر أو توسيع المنشآت الحالية، لكن أي إضافة من هذا القبيل ستتطلب استثمارًا ماليًا كبيرًا، وبالأخص وقت طويل.

الغاز الطبيعي الذي تم اكتشافه في المياه الاقتصادية لإسرائيل يحمل إمكانية تحقيق أرباح هائلة ودخل لخزينة الدولة، وكذلك تحسين العلاقات بين إسرائيل وجيرانها. لكن الإطالة في العملية السياسية الداخلية في إسرائيل، المتعلقة بتطوير الخزانات، بالإضافة للتطورات التي شهدتها مؤخرًا تركيا ومصر، تُصعب على إسرائيل تحقيق هذا الأمر. علاوة على ذلك، المنتجون الحاليون واحتمالات أخرى في المنطقة (مصر، السلطة الفلسطينية، لبنان وقبرص) لا يتمتعون بكامل الإمكانيات الاقتصادية والسياسية الكامنة في الغاز الطبيعي، وذلك لأنهم لم يتغلبوا على الصراعات بينهم، وأحيانًا يعملون بنفسهم ضد المصالح الاقتصادية الخاصة.

هناك فوائد أخرى يمكن جنيها من الغاز، وهي غير مرتبطة بالدول التي تحيط بإسرائيل، ويشمل هذا التوفير المالي الكبير من استخدام ضخم للغاز في الصناعة، الزراعة والنقل في إسرائيل، وتخفيف التلوث الجوي الناتج عنها. مع ذلك، جديرٌ بالذكر أنه حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلًا، فإن الاقتصاد الإسرائيلي لا يستطيع استيعاب كميات كبيرة بما يكفي من الغاز في السنوات المقبلة من أجل تبرير تطوير حقل "لفيتان". لو لم يتم تنفيذ صفقة تصدير الغاز لمصر، ستصبح شركات الغاز مرتبطة بصفقة التصدير الصغيرة نسبيًا مع الأردن كصفقة ارتكاز وحيدة لها، ما يشكل خطرًا على تطوير الحقل، ويترك إسرائيل بدون احتياطٍ كافٍ في حال خلل مستمر في حقل "تمار". لذلك، على شركات الغاز أن تدفع لتنفيذ صفقة التصدير مع مصر، طالما أن هناك عجزًا مصريًا في الغاز، وعلى حكومة إسرائيل أن تساعد في ذلك من وراء الكواليس، كما هو مطلوب.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر