اللغة : العربية

تقييم إسرائيلي لما يحدث في الجنوب السوري

05 تموز / يوليو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: أودي ديكل

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

قاد نظام الأسد خلال الأسابيع الماضية - بمساعدة روسيا وحلفاء آخرين - عملية عسكرية للسيطرة على منطقة درعا جنوب سوريا. طريقة العمل في الجنوب تشبه تلك التي تم اتباعها بمناطق أخرى في سوريا: كتدمير معاقل المتمردين بالمدفعية الثقيلة وهجمات من الجو، وذلك يشمل طائرات مقاتلة روسية، ترافقها دعوة روسية للمفاوضات، بحيث تقود لتسليم المتمردين لسلاحهم، أي إنهم سيستسلمون بلا شروط، كما هو الحال في أماكن كثيرة في سوريا، في ظل الضغط العسكري القوي؛ انهارت خطوطهم واستسلموا في مناطق كثيرة دون قتال. ومع ذلك، طالما أن المتمردين يرفضون الاستسلام ستستمر الهجمات على المعاقل، وبقوة متزايدة، والشروط التي تقدمها روسيا لوقف القتال أكثر صرامة.

جنوب سوريا هو أحد آخر معاقل المتمردين، هذه المنطقة حظيت باستقرار نسبي منذ إدراجها ضمن "مناطق الهدوء" حسب اتفاق بين روسيا والولايات المتحدة، والذي تمت صياغته بتدخل الأردن وإسرائيل في يوليو 2017. مع ذلك، لم يكن هناك شك بأن الهدوء مؤقت فقط. عملية السيطرة على درعا لها أهمية رمزية بالنسبة لنظام الأسد، كونها المنطقة التي اندلعت فيها انتفاضة أهلية ضده في مارس 2011. الدافع لخرق الهدنة والخروج لهجوم هدفه السيطرة على المنطقة يتكون من عدة أطوار، المبرر الأول لهذه الخطوة هو أن المنطقة تعتبر بمثابة ممر، يمر منه عناصر إرهابيون تابعون للدولة الإسلامية "داعش" إلى سوريا، وفعليًا، منطقة جنوب هضبة الجولان وحوض اليرموك مسيطر عليه من قبل "جيش خالد بن الوليد" فرع "الدولة الاسلامية". ثانيًا: حسبما تدعي المعارضة للنظام، هدف الخطوة هو تغيير ميزان القوى من خلال تحسين مواقف في إطار المباحثات السياسية لصياغة تسوية لاستقرار سوريا، وتعزيز حقيقة أن الأسد يسيطر على أغلبية المناطق المأهولة في الدولة، فمنطقة درعا نفسها هي الجزء الجنوبي في "العمود الفقري السوري" (من حلب شمالًا مرورًا بحمص ودمشق جنوبًا حتى درعا) الأكثر أهمية للنظام. ثالثًا: بعد أن تم انتزاع دمشق على يد الائتلاف الموالي للأسد، جنوب سوريا هي منطقة مريحة نسبيًا للسيطرة، مقارنة بالمنطقتين المتبقيتين تحت سيطرة المتمردين: إدلب شمال البلاد، والتي هي معقل المتمردين السنيين، السلفيين والإسلاميين، وشمال شرق سوريا، الموجودة تحت سيطرة الأكراد، من خلال القوات السورية الديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة.

مرورًا للصراع الداخلي - السوري ومصالح الأسد؛ الحديث عن صراع قوى إقليمية وبين قوى عظمى. من منظور أوسع، الخطوة يتم تفسيرها كجزء من "صفقة" تحاول روسيا أن تقودها أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وأساسها إبعاد القوات الإيرانية من جنوب سوريا مقابل إتمام سيطرة الأسد على سوريا كلها. في هذا الإطار، اتفاق إسرائيلي على نشر قوات الأسد في الجنوب (بما يشمل هضبة الجولان السورية) معناه القبول الفعلي بالمطلب الروسي بعدم إضرار إسرائيل بنظام الأسد، مقابل إبعاد قوات إيران ووكلائها من المناطق القريبة من إسرائيل والأردن. وفقًا لهذا المنطق، على إسرائيل أن تمتنع عن التدخل في الوقت الذي تسحق فيه قوات الأسد قوات المتمردين وتسيطر على المنطقة المحاذية لحدود هضبة الجولان.

في الوقت نفسه، تقود روسيا اتصالات مع الولايات المتحدة قبيل قمة الرؤساء ترامب وبوتين، والمتوقع أن تعقد في منتصف يوليو في هلسنكي، مع استغلال رغبة الرئيس ترامب بتلبية التزامه بإخراج القوات الأمريكية من سوريا. روسيا معنية بأن تخلي الولايات المتحدة القاعدة الأمريكية في التنف جنوبي شرق سوريا، منطقة فقدت حيويتها كمجال لإنشاء وتدريب تنظيمات متمردين، ومع الوقت تحولت إلى عائق في الطريق البري المباشر من إيران لسوريا، عبر العراق. في الواقع، هناك أدلة على أن الولايات المتحدة تدرس في الوقت الحالي ضرورية القاعدة، خصوصًا بعد ان أرسلت لقوات المتمردين رسالة بأنها لن تتدخل ولن تمنحهم دعمًا في القتال بالجنوب. علاوة على ذلك، سيكون مناسبًا لروسيا أن تقترح على الولايات المتحدة مقترحات تربط قضية إخراج القوات الإيرانية من سوريا بموافقة إدارة ترامب على بقاء الأسد في الحكم، بعد استعادة السيطرة على سوريا بأكملها.

وهكذا، هناك مفارقة في منطقة القتال في جنوب سوريا؛ روسيا تقترح على إيران فتح جسر بري (الذي ترغب به)، لكن في المقابل على طهران أن توافق على إبعاد قواتها ووكلائها (ميليشيات شيعية وحزب الله) من جنوب سوريا. يُذكر أن علاقات روسيا - إيران تتميز بطبيعتها بديناميكية "الترحيب والحذر"، تحاول روسيا الاستفادة من الأحداث الأخيرة، بما فيها مخاوف الأسد من أن تجره إيران لحرب عسكرية مع إسرائيل، بهدف تحديد واقع لا يتم به تحديد أمر في سوريا إلا حسب رغبتها. على النقيض، لا تنوي إيران التنازل عن تأثيرها وتوطيد سيطرتها في سوريا.

في الواقع، الرئيس ترامب يسلم بحقيقة الهيمنة الروسية في سوريا، وفي هذا الإطار بالمساعدات الروسية لنظام الأسد للسيطرة على المناطق القريبة من الحدود الأردنية والإسرائيلية. هذا مقابل تأكيد روسيا على ألا يسفك النظام السوري دم قوات المتمردين التي تدعمها الولايات المتحدة، يسمح لهم بالخروج من المناطق التي تمت السيطرة عليها في جنوب غرب الدولة، وكذلك منع دخول القوات الموالية لإيران للمنطقة. وبخصوص القتال في المنطقة، أكد المتحدث باسم البنتاغون أن الولايات المتحدة تركز على هزيمة "الدولة الإسلامية" وتوصي جميع اللاعبين في المنطقة بعدم مهاجمة القوات الأمريكية وشركائها في الائتلاف في قتال "الدولة الإسلامية".

قوات المعارضة وقوات المتمردين في سوريا الآن أمام السيناريو المعروف المتمثل في تخلي الدول التي تدعمهم في وقت الاختبار. هذه المرة؛ الولايات المتحدة، إسرائيل والأردن، الذين دعموا قوات المتمردين، خصوصًا الجيش السوري الحر، هم الآن يقفون ضده، ويسمحون للائتلاف الموالي للأسد بضربهم وضرب مواطنين سوريين يعيشون في مناطق احتجزوا فيها.

 

ملخص وتقييم

التطورات في النشاطات العسكرية في درعا تعكس أن المعارضة لنظام الأسد تخسر تدريجيًا المعقل الأساسي لها في جنوب البلاد، الذي كان رمز الثورة، في الوقت الذي يعيد النظام لنفسه سيطرته وتأثيره. مجددًا تحطمت آمال المتمردين بمساعدات خارجية أمام الائتلاف الموالي للأسد، واتضح لهم بأنهم وحدهم في المعركة.

تشير صورة الوضع إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تلقيان أملهما على روسيا، على أمل أن تبعد القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية على بعد 60-70 كيلومتر من منطقة الحدود مع إسرائيل والأردن، وتتطلعان لأن تطردها روسيا بشكل كلي من سوريا. مقابل ذلك، هم على استعداد للتسليم ببقاء بشار الأسد بمنصب رئيس سوريا، ومع استمرار حكم الرجل المسؤول عن قتل قرابة نصف مليون مواطن سوري. بالإضافة لذلك، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تمنع قوات الائتلاف الموالية للأسد من تحرير باقي المناطق التي ما زالت تحت سيطرة المتمردين (خصوصًا شمال وشمال شرق سوريا). في الوقت الذي تبحث حكومة ترامب عن تسوية تسمح بإخلاء سريع للقوات الأمريكية من مناطق سوريا، اختارت إسرائيل أن تسلم باتجاه ان الأسد هو المنتصر في الحرب الأهلية، والتمني بأن يتغلب التأثير الروسي في سوريا على الإيراني.

اختارت إسرائيل غض البصر عن حقيقة أن القوات التابعة للميليشيات الشيعية تشارك قوات الأسد وتحارب في منطقة درعا. وفقًا لذلك، سيكون من الخطأ الافتراض بأنه في نهاية القتال سيستجيب نظام الأسد لمطالب روسية بإبعاد القوات الإيرانية ووكلائها. سيطرة نظام الأسد على جنوب سوريا وهضبة الجولان سيؤدي لدوام الوجود الشيعي في الجنوب، سواء كقوة متنكرة في الجيش وميليشيات سورية أو كميليشيات شيعية، ظاهريًا محلية، موجهة من قِبل إيران.

تضع إسرائيل إنجازًا عظيمًا حققته في سنوات الحرب في سوريا في خطر، وهو تأسيس نظام حدودي مستقر وهادئ في هضبة الجولان على أساس تفاهمات مع المجتمع المحلي في الجانب السوري، في إطاره يحصلون على مساعدات إنسانية وإقليمية من إسرائيل مقابل منع نشاطات إرهابية من مناطقهم نحو هضبة الجولان. الآن إسرائيل مستعدة للتسليم بحقيقة عودة حكم الأسد في المنطقة الحدودية، مع الفهم بأن قواته مدعومة من قِبل الميليشيات الشيعية وجيشه موجه من طرف ضباط إيرانيين؛ كل ذلك مع وجود توقعات بأن روسيا ستبعد القوات الإيرانية ووكلائها من سوريا.

مع ذلك، إسرائيل لديها تجربة إيجابية مع حدود هادئة ومستقرة، قبل الحرب الأهلية حين كان الأسد يحكم هضبة الجولان وكان يعتبر بالنسبة لها مسؤولًا عمّا يحدث خلف الحدود، ويبدو أن إسرائيل تقدر اليوم بأنه في الوضع الجديد سيكون للأسد مصلحة بالحفاظ على الهدوء في منطقة الحدود معها لأن مصالحه لا تتشابه تمامًا مع مصالح إيران وحزب الله. إذا كان الأمر هكذا، فعلًا ستبدأ إسرائيل بإدارة حوار مع نظام الأسد، يبدو بواسطة روسيا في هذه المرحلة، من أجل ترسيخ الاستقرار والهدوء في هضبة الجولان، تحديد قواعد اللعب، ومناقشة تقييد التواجد الإيراني ووكلائها (جغرافيًا ومن خلال قتال). في الوقت نفسه، يجب على إسرائيل أن تستمر في إظهار إصرار في منع بناء بنى تحتية عسكرية إيرانية في سوريا، تأكيدًا على القدرات التي تهددها، وكذلك الاستمرار في الإمساك بورقة الضرر التي تستطيع من خلالها التسبب بضرر لنظام الأسد، في حال تجاوز التفاهمات وقواعد اللعب التي سيتم تحديدها.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر