اللغة : العربية

لا زالت الغيوم لا تحمل مطرًا

28 حزيران / يونيو 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

زخم غير مسبوق في المبادرات والعروض التي تتناول رُزمًا من المشاريع الخاصة بالقطاع، سواء تلك المروجة إسرائيليًا أو التي يروجها الأمريكان، فضلًا عن الحديث همسًا وإشاعات تسريب ما يسمى بما يدور خلف الكواليس، والتي في جزء منها تهدف للتشهير أو النيل من أهداف وموقف هذا الطرف أو ذاك.

والحقيقة أن زخم هذه المبادرات يكتسب في هذه المرحلة بعض المصداقية، ويظهر على أنه يشكل تبديلًا وتغيرًا جديًا، لا سيما وأن بعضها بات يصدر عن جهات رسمية، ولها ما يؤكدها من أطراف ثالثة (تصريح نائبة المتحدث باسم الرئيس القبرصي، التي نفت الموافقة القبرصية على تحديد رصيف بحري، لكنها أكدت ان ليبرمان تقدم بمثل هذا الطلب، وأن حكومتها في مرحلة دراسة الطلب).

المقترح الإسرائيلي الذي قدمه ليبرمان كبديل لاقتراح وزير المواصلات يسرائيل كاتس، الذي كان يدعو إلى إقامة ميناء بحري وجوي صناعي مقابل شواطئ القطاع؛ رغم شكله البراق فهو أولًا قد يكون مجرد مناورة أشبه بكلام فض المجالس، للالتفاف على الضغوط وعلى اقتراح كاتس، وقد ضمنه أسبابًا لرفضه من الطرف الفلسطيني، حيث ربطه بصفقة الأسرى الإسرائيليين، وهو ثالثًا - في حال تطبيقه - لا يضيف قيمه حقيقية للاقتصاد الغزي، فعمليًا ما سيتم هو نقل رصيف ميناء أسدود إلى ليماسول، وسيتم هناك تطبيق نفس المعايير الأمنية الإسرائيلية، ثم سيضيف إليها معيقات وتكاليف أخرى، حيث سيعاد شحنها وسيعاد نقلها بحرًا بمرافقة السفن الإسرائيلية، والاتفاقية ستوقع بين الحكومتيْن القبرصية والإسرائيلية، ولن يكون للطرف الفلسطيني أي سبيل للتأثير على القبارصة أو الإسرائيليين من حيث المعيقات والتكاليف والإجراءات والمماطلة وأنظمة العمل والإجازات ...الخ، رابعًا: إن مثل هذا الاتفاق برعاية أطراف دولية أو إقليمية سيثبت نوعًا من السيادة الإسرائيلية على حدودنا البحرية ويشرعن الحصار البحري واعترافًا دوليًا بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

لكنه من جهة أخرى، سيمنح الجهة الحاكمة في القطاع امتياز جباية الضرائب والجمارك وتحويلها مباشرة إلى ميزانيتها، إلا إذا تضمن الأمر شرطًا بأن تحول هذه الأموال إلى جهات توافق عليها الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة بضغط من إسرائيل، وبذريعة ألا تستخدم هذه الأموال في تعزيز حكم حماس أو تستخدم في تمويل "الإرهاب".

وخامسًا: إن هذا المقترح لا زال في طور البلورة وإجراء الدراسات، وسيُعرض على الجهات الأمنية الإسرائيلية وعلى الكثير من الوزارات الإسرائيلية، وحتى لو لم يكن مجرد مناورة للاستهلاك الإعلامي وإسالة اللعاب والتحفيز على تقديم التنازلات؛ فإنه سيستغرق العمل عليه وقتًا طويلًا، وتأمل إسرائيل بأنها في هذا الوقت تكون قد تخلصت من تأثيرات الأحداث الحالية ومن الضغوط.

الرصيف البحري ليس هو الشيء الوحيد المطروح، فهناك أيضًا حديث عن إنشاء محطة للطاقة المتجددة بالقرب من شمال القطاع داخل أراضي الـ 48، والملفت للنظر ان نتنياهو أظهرها على أنها استجابة للمطلب الأمريكي بعدما يقال ان إسرائيل طالبت بإقامتها على الأراضي المصرية أثناء المؤتمر الخاص بالقطاع، الذي عقد في واشنطن قبل عدة أشهر، وأن نتنياهو أعطى موافقته بإقامتها داخل الأراضي المحتلة بعد الرفض المصري، لكن الملفت أيضًا أن المحطة ستقام بتمويل من القطاع الخاص الإسرائيلي وتمويل بعض الجهات المانحة، أي إنها ستكون محطة ربحية وإقامتها بالقرب من القطاع سيجعل مستقبلها غير آمن ومرتبط بمستقبل المشهد الأمني، وثمة أمر غريب في هذا المقترح يدعونا للتشكيك في جديته، فالمقترح يعزز من ارتباط إسرائيل بالقطاع، بينما استراتيجية الاحتلال هي التخلص من مسؤولياتها تجاه القطاع، وهو ما دأبت كل حكومات اليمين على المطالبة به، أي سيطرة على حدود القطاع وتحرر من المسؤوليات.

بالإضافة لذلك، هنالك الرؤية الأمريكية المرتبطة بما يسمى "صفقة القرن"، وحسب مهندسيها كوشنير وغرينبلات لابدّ ان يسبقها في القطاع مساعدات اقتصادية عاجلة تؤدي إلى خلق أجواء إيجابية ملائمة، وتمنح أملًا على المستوى المعيشي لفلسطينيي القطاع، فإجمالي الصفقة وجوهرها يقوم على التطوير والتعزيز الاقتصادي على مدييْن (قريب المدى وبعيد المدى)، وهو خطأ رجال المال والاقتصاد الأمريكيين الذين يعتقدون بأن الأموال والوظائف تتغلب على كل الصراعات، بما فيها القضايا الوطنية، حيث يهدد كوشنير القيادة الفلسطينية في حال رفضها للجلوس والتفاوض ان يعرض المبادرة على الشعب مباشرة، فيرى الشعب كم هو حجم الخير الذي تمنعه القيادة برفضها عنه، فيثور عليها.

الأمريكان يسعون لجمع الأموال للقطاع لعلاج المشكلات الملتهبة، لكن لديهم معضلات جدية أكبر من معضلة توفير الأموال، وهي آليات استثمار الأموال وإنفاقها في القطاع دون تعزيز حكم حماس ودون ان تستفيد منها، حتى لا تتهم أمريكا بأنها تمول "الإرهاب".

في كل الأحوال، فإنه ما كان لهذه المياه ان تتحرك بهذه القوة دون تهديدات المسيرات، وما كان صوت القطاع المحاصر سيكون أولوية على أجندة الاحتلال والإقليم والعالم دون هذه المسيرات ودون دماء الشهداء وكل هذه التضحيات، لكننا يجب ان نكون أكثر حذرًا، ولا نراهن على الأجواء الإيجابية التي قد تتبخر سريعًا، ولا يبقى منها سوى أشباه المبادرات مع تحميلنا مسؤولية إفشالها ومسؤولية تدهور ظروفنا.

لكن ما لاحظناه في الفترة الأخيرة ان بعض الشخصيات المقربة من حركة حماس تبالغ كثيرًا في توجيه الرسائل الإيجابية للاحتلال، حتى إنها باتت تقتبس بالاسم أو دون ذكر اسمها في الصحافة الإسرائيلية، وللأسف فإن الاحتلال يقرأ مثل هذه التصريحات على أنها رسائل ترسلها حركة حماس، وتبث من خلالها ضعفًا ورغبة في عقد صفقة، وهو ما يزيد العدو تمسكًا بالمزيد من الابتزاز.

والأمر المهم الآخر ان نتنياهو عندما يتحدث عن المبادرات يصفها بأنها خطوات أحادية الجانب، وهو أمر ايجابي على المستوى الفلسطيني، حيث لا يترتب علينا أية استحقاقات أو التزامات، وهو أفضل خياراتنا أن ندفع الاحتلال لتقديم المبادرات والخطوات بشكل أحادي الجانب دون ان نكون عرضة للابتزاز الرسمي.

وأخيرًا، فإننا لا نملك الآن أفضل من خيار الصمود والإبقاء على المسيرات الشعبية واستنزاف العدو وإرسال رسائل القوة والتصميم، وكذلك رسائل غامضة لا تجعله قادرًا على حسم قراءته لنا، وألا ننخدع بالأجواء، فالمنطقة منفتحة على الكثير من الخيارات، بما فيها التصعيد، فالغيوم لا زالت لا تحمل المطر.

انشر عبر