اللغة : العربية

تراكم اليأس في غزة والمشكلة بعيدة عن الحل

09 حزيران / يونيو 2018

يديعوت احرونوت

 

بقلم: رون بن يشاي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

الجماهير الفلسطينية بدأت بالتجمع، أمس الجمعة، بالقرب من المنطقة الصناعية في معبر كارني حوالي الساعة 13:00، لم يكن هناك أكثر من بضع مئات من الناس؛ وعندما صاح المذيع المتحمس بشعارات دينية، ودعا الشباب للتجمع على مسافة آمنة من السياج من أجل تحقيق حق العودة إلى أرض الوطن الفلسطيني، لكنهم لم يتحركوا. وعلى أكوام التراب القريبة من السياج على بعد (150 - 200 م) بين المواقع، انبطح القناصة التابعين للجيش الإسرائيلي يراقبون ما يجري دون حراك، في هذه الساعة كان كل شيء ما يزال هادئًا، حتى الطائرات الورقية لم تشاهد في الأجواء.

بين المواقع، وفوق أكوام التراب على مسافة 20 م من السياج، كان هناك هذه المرة طواقم توثيق كبيرة من وحدات جمع المعلومات الاستخبارية ورجال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. هذه المرة، كان الجيش مصرًا ليس فقط على منع اجتياز السياج؛ وإنما أيضًا على ان يرى عن كثب المتظاهرين. بعد ذلك بوقت، بدأ أولئك الشباب - الذين وقفوا بسلمية حسب ما يفترض على مسافة 100 م عن سياج المنظومة فيما وراء السياج اللولبي الشائك العائق الذي نشره الجيش الإسرائيلي - بالهرولة نحو السياج، وألقوا العبوات، وحاولوا بغطاء من دخان الإطارات المشتعلة ان يقتربوا من الجدار.

بعد ذلك بوقت قصير، وحوالي الساعة 14:00، وكأنهم تلقوا إشارة؛ تضاعفت المظاهرات: أحضرت الحافلات حوالي 2000 شخص، رجال ونساء، شبان وشابات بشكل أساس، لم يكونوا هذه المرة أطفالًا؛ ومثل الجيش الإسرائيلي، حماس أيضًا استخلصت العبرة من الانتقادات الشديدة التي وجهت إليها في القطاع والعالم العربي كونها ترسل الأطفال في المقدمة وبغطاء منهم تحاول ان تقتحم السياج. في المكان الذي انبطحت فيه على البطارية، لم أرَ ولو طفلًا واحدًا، في الأثناء ضاعف المسؤول عن نظام الصوت في الجانب الفلسطيني حجم الصوت إلى أقصى حده، وصاح المذيع بأعلى صوته وصرخ بمجموعة من الشعارات والامتداحات للأبطال من "الشهداء"، وعندما بُحّ صوته سكت، وحينها سمعت من منظومة تكبير الصوت أغاني الحرب وظهرت في السماء الطائرات الورقية الحارقة الأولية.

 

حماس فشلت فشلًا ذريعًا بإحضار الجماهير إلى السياج

من الجانب الإسرائيلي، من ورائي قليلًا، حلقت حوامة ماسحة وفجرت طائرتيْن ورقيتيْن في ثانية واحدة، وهبطت. الجنود الذين وثقوا الحادثة صفقوا. والجمهور شرع بالتحرك نحو السياج، لكنهم لم يجرؤوا بعد على اجتياز السياج اللولبي، انطلق شابان إلى الأمام ودحرجا إطارات أمام موقع القناصة، مجموعة اخرى انطلقت جريًا باتجاه الجنوب وحاولت الاقتراب أمام موقع قناصة آخر، رافقتهم سيارة إسعاف وقد أطلقت صفارات إنذارها، ليس ليخلوا لها الطريق؛ وإنما لتلهب الشباب الذين سارعوا إلى السياج. قائد الكتيبة أمر الجنود بإطلاق النار في الهواء لكي يردع الشباب، صلية قصيرة فتوقفوا.

طوال الوقت ولغاية 18:30 تقريبًا - حينها بدأ الفلسطينيون بالتفرق - لم أميز معنويات عالية، بل العكس: تحرك المتظاهرون ببلادة، الطائرات الورقية فقط حلقت من صوب حي الشجاعية المقام على مسافة مئات الأمتار فقط من مكان وقوفنا، الرياح الشمالية الغربية سحبتها باتجاه حقول "ناحل عوز"، بعضها حطت وأشعلت العصف اليابس. جهاز الإطفاء أيضًا كان جاهزًا هذه المرة، وسيارات إطفاء جهاز المطافئ المدنية، وكذلك مطافئ سلاح الجو، انقضوا على جميع الحرائق وأخمدوها؛ في هذه القضية أيضًا لم يسجل الفلسطينيون أي إنجازات.

في ذات الساعة، سُمع هدير الجمهور المتجمع في الساحة بالقرب من معبر كارني، عدد من الشباب هرولوا إلى الأمام ومعهم مقصات، وقطعوا السياج اللولبي وهرولوا باتجاه السياج النظامي، القناصة في الموقع القريب وضعوا رؤوس "المحرضين" على المهداف، لكنهم لم يطلقوا النار. الشباب (الذين قل عددهم عن الثمانية) هرولوا وألقوا عبوات أنبوبية وعبوات صغيرة أخرى على السياج الفاصل؛ عبوات يقارب مفعولها مفعول القنابل اليدوية، حاولوا إبعاد الجنود وجعل القناصة يخفضون رؤوسهم، وحينها يقطعوا السياج، هكذا فسر لي الأمر أحد المقاتلين. قائد الكتيبة طلب تصريحًا من قائد المنطقة بإطلاق النار باتجاه أقدام ملقي العبوات التي تنفجر واحدة تلو الأخرى، وأعطي التصريح، سقط أحدهم، فجره أصدقاؤه إلى الوراء، انطلقت سيارة إسعاف فلسطينية إلى الأمام، وحملت المصاب وتوارت بين أزقة الشجاعية.

هذا المشهد تكرر، وأن كان بوتيرة منخفضة. واضح للغاية ان الفلسطينيين الذين حضروا إلى السياج كانوا وكأنهم يقودهم الشيطان، الآلاف الذين هرولوا إلى السياج على هيئة رأس الرمح، وفي مقدمتهم أعضاء حماس - كما حدث يوم النكبة قبل أسبوعين - لم نرهم أمس، لقد كان ذلك تصرفًا كسولًا، وكأنهم يريدون مجرد القيام بواجب ما.

يبدو أنه اجتمعت هنا بعض الأمور: الجنرال ايال زامير (الذي خطط انتشار القوات قبل ان ينهي عمله قبل يومين) استخلص جيدا العبر من يوم النكبة، هذه المرة كان هناك قوات كبيرة منتشرة بكثافة شوهدت جيدًا من الجانب الاخر. لا شك ان ذلك كان له مفعول رادع، كان أيضًا الكثير من حالات إجهاض الطائرات الورقية من خلال استخدام الحوامات، الحقول من حولنا ومن خلفنا كانت تضج بعشرات - إن لم يكن بمئات - الطائرات الورقية التي سقطت هناك.

لكن ليس فقط في مجال القتال المادي كانت قوات الجيش الإسرائيلي مستعدة جيدًا، هذه المرة كذلك في مجال حرب الوعي، استعد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لكي يوثق طبيعة "مسيرات العودة" الحقيقية، المظاهرات التي في مقدمتها المتظاهرين غير المسلحين؛ سار ملقو العبوات وحملة قطاعات الأسلاك، ولكن لم يكن هناك إلا القليل جدًا لتوثيقه، وهذا جيد. الفلسطينيون أبلغوا عن أربعة قتلى (شهداء)، لكن الأمر لم يتحقق منه بعد.

حماس فشلت أمس فشلًا ذريعًا، دعوتها الجماهير إلى الانقضاض على السياج الفاصل بمناسبة يوم النكسة ويوم الجمعة الأخيرة من رمضان لم يستجب لها إلا بشكل ضئيل للغاية. على الأكثر 9500 شخص وصلوا إلى السياج، وحوالي الساعة 18:00 - وكما قررت اللجان المعدة للمظاهرات - غادروا لأداء صلاة المغرب، ومن هناك إلى موائد الإفطار.

ومن المرجح للغاية التقدير بأن الاستعدادات المضاعفة والمحكمة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في مجال القتال المادي وفي مجال حرب الوعي أيضًا كان لها أثر رادع. طواقم التصوير الدولية التي قدرت بأن الأحداث الدموية ليوم النكبة من شأنها ان تتكرر ثبت خطأ تقديرهم وتنفسوا الصعداء، لكن المشكلة الغزية لم تحل، إنها مطروحة هناك كخراج انساني وتجمع من البغض واليأس؛ لذلك - وإن يكن يسمح لنا كإسرائيليين اليوم ان نتنفس الصعداء - يجب ان نعرف أن الحكاية لم تنتهِ بعد.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر