اللغة : العربية

تظاهرات الأردن: خطر حقيقي على النظام؟

07 حزيران / يونيو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: عوديد عران

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

منذ عدة أيام، يتظاهر آلاف الأردنيين ضد الحكومة وهاني الملقي، الذي كان يترأسها حتى 4 يونيو. يحتج المتظاهرون على نية الحكومة فرض جباية مزيد من الضرائب المرهقة، رفع نسب الضرائب وأسعار السلع، ومن بينها الكهرباء والوقود، يطالب المتظاهرون باستقالة الحكومة وإلغاء التغيرات المقترحة من قبلها. رئيس الحكومة فعلًا استقال/ أُقيل، وفي هذه المرحلة جمّد الملك تطبيق قرارات الحكومة، لكن الأزمة الإنسانية والضريبية بقيت، والمعضلة التي تواجه النظام: كيف يمكن التغلب عليها؟

كدولة تفتقر لمصادر الدخل المهمة (مثل: الثروات الطبيعية أو الصناعة المتطورة)، تعتمد الأردن على المساعدات المالية الخارجية، والتي مصدرها بالأساس الولايات المتحدة، عدة دول أوروبية، دول عربية منتجة للنفط في الخليج، اليابان وكذلك مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي. الزيادة في مصاريف الحكومة كأكبر مشغل في الاقتصاد الأردني، بالإضافة للعبء الملقى على استيعاب مليون ونصف لاجئ سوري ووقف شبه تام للمساعدات من دول الخليج؛ كل ذلك أدى لتفاقم عبء الديون الملقاة على الأردن إلى درجة خطر الإفلاس.

في 2016 أجرى صندوق النقد الدولي مفاوضات مستمرة مع الأردن، حيث تم الاتفاق على تبني سلسلة إصلاحات وإجراءات مالية تهدف للتعامل مع عبء الديون الحكومية، التي تصل لـ 40 مليون دولار، أو بمؤشر آخر لـ 95% من الإنتاج المحلي الإجمالي. المشكلة التي تواجه دولًا كالأردن ليس حجم الدين فقط، بل قدرات السداد، في الولايات المتحدة - على سبيل المثال - تصل نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي حوالي 105%، لكن قليلًا ما يتم التشكيك في قدرات الحكومة الأمريكية على السداد.

في يوليو 2017 اجتمع صندوق النقد الدولي لمناقشة وضع الأردن، وخرج القلق من وضع الأردن عن صيغته التي تم التحفظ عليها في بيان نقل للصحافة بعد النقاش. في هذا البيان تمت الإشارة للبطالة "رسميًا" بنسبة 18.2% (استطلاعات أخرى تشير للبطالة بأكثر من 30% بين من هم في سن الـ 30 وأكثر، وفي صفوف النساء)، وبطء تقديم المساعدات من دول الخليج وعبء اللاجئين من سوريا. شددت إدارة الصندوق على الرسالة التي وجهتها للسلطات الأردنية قبل عام من ذلك، حول ضرورة إلغاء إعفاءات من دفع ضرائب الاستيراد وضريبة المبيعات (المعروفة بإسرائيل كضريبة القيمة المضافة)، وضرورة تحسين وتعميق جباية الضرائب وتقليل مصاريف الحكومة.

توصيات كهذه وغيرها دفعت الحكومة الأردنية لتبني جزء منها في بداية 2018؛ في يناير تم دمج مستويات ضرائب المبيعات المنخفضة 4 و8% لمستوى 10%، كما تم رفع الضريبة على الوقود والتبغ. بعد أيام معدودة من ذلك، تم إلغاء الدعم الحكومي للقمح؛ خطوة مشابهة تسبب عام 1996 بتظاهرات واحتجاجات في أنحاء المملكة.

في الواقع، منذ يناير 2018 اتقدت البندقية السياسية في الأردن ووصلت نقطة الغليان حين قدمت الحكومة مشروع قانون يشمل تغيرات في ضريبة الدخل (وضع حد 7000 دينار - 11000 دولار، لفرض الضريبة، رفع ضريبة الشركات من 35 لـ 40 %، وذلك بالإضافة لزيادات ضريبية أخرى) للحصول على مصادقة كلا المجلسين، البرلمان والشيوخ. كانت هذه الإشارة لاندلاع التظاهرات، بنطاق لم تشهد الأردن مثله منذ سنوات طويلة.

التظاهرات - التي أغلبها تم تنظيمها على يد النقابات المهنية - ضمّت عشرات الآلاف من المشاركين، وتميزت بجانبيْن: أنها ركزت على مشروع القانون ورئيس الحكومة، وأنها لم تشهد أي عنف، لا من طرف المتظاهرين ولا من طرف قوات الأمن، الذين يتواجدون كالعادة في أحداث كهذه بأعداد كبيرة، لم يحمل المتظاهرون لافتات ولم يطالبوا بمطالب ضد الملك. علاوة على ذلك، انتشرت صورة لولي العهد الملك حسين بن عبد الله متواجدًا في إحدى المظاهرات في الدوار الرابع في عمان، على الشبكات الاجتماعية في الأردن. هذه الخصائص تؤدي لنتيجة أن الأمر لا يشكل خطرًا على النظام، رغم أنه يقف أمام اختبار جاد يتطلب قدرة على النجاة من الوضع الذي وضعت به الأردن في السابق.

ومع ذلك، إن حجم الأزمة الحالية أكبر بكثير من السابق لأبعادها الاقتصادية. يشار إلى أنه في أعقاب تظاهرات "الربيع العربي" التي جرت في الأردن في 2011 - 2012 (التي لا علاقة بينها وبين التظاهرات الحالية)، تم تغيير البرلمان الأردني كجزء من الإصلاحات التي تمت الموافقة عليها نتيجة لذلك، تمتع النظام بقدرات مفتوحة للمناورة والتأثير على القرارات بالنسبة للماضي. حتى قبل استقالة رئيس الحكومة، اقترح رئيس البرلمان على الملك عقد جلسة خاصة، بعد أن تتم هزيمة مشروع القانون بالتصويت، وذلك بعد أن أعلن الـ 90 من بين 130 نائب في البرلمان أنهم سيصوتون ضده. من الصعب ذكر وضع أفشل فيه البرلمان الأردني تبني خط حكومي اقتصادي، والتي بالطبع أعطى الملك موافقته عليها.

استقالة رئيس الحكومة هاني الملقي قد تُهدئ لفترة قصيرة الأجواء، لكنها لن تحل المشكلة الأساسية التي سيضطر الملك وأي رئيس حكومة سيعيّنه للتعامل معها: كيف تتخلص الأردن من دوامة الديون المتراكمة وقدرة معدومة على سدادها؟ الحل في جميع النطاقات الثلاثة (القصير، المتوسط، الطويل) يكمن بشكل جزئي بالأردن، والجزء الآخر يكمن في المجتمع الدولي.

الأردن - مع كل طبقاتها الديمغرافية والاقتصادية المختلفة - لا تملك بديلًا لا يشمل مكونات دواء صندوق النقد الدولي. من الممكن بذل جهد تطبيق السياسات التي يطالب بها صندوق النقد على مدى فترة زمنية أطول، لكن لا حل سحري آخر، كذلك اتحادات الأطباء، المهندسين أو المحامين في الأردن ليس أمامهم حل جذري آخر، ويجدر ترجيح أنهم في الخطاب الذي يجرونه مع الملك وحكومته الجديدة، سيتوصلون لحلول وسط لا تحيد كثيرًا عن مخطط صندوق النقد الدولي.

بالطبع، للمجتمع الدولي دور مركزي في تعافي الوضع الاقتصادي في الأردن، والدول العربية المنتجة للنفط - من جانبها - لديها مصلحة واضحة في استقرار الاردن. على الرغم من الانخفاض الحاد في أسعار النفط، من أكثر من 100 دولار للبرميل مقابل السعر الحالي (أقل من 70 دولار)؛ إلا أن هذه الدول لديها قدرة على استئناف المساعدات المالية السنوية للأردن (في 2011 قررت منظمة التعاون لدول الخليج منح الأردن 5 مليار دولار لمدة 5 سنوات)، يصل للأردن مساعدات من منظمات مختلفة من أجل تسهيل استيعاب اللاجئين السوريين عليها، في ضوء الواقع المظلم بأنه لا مستقبل لعودتهم لبلادهم في المستقبل القريب. يجب على المجتمع الدولي - بناءً على ذلك - إيجاد حلول دائمة للاجئين في أماكن إقامتهم الحالية، وفي إطار ذلك زيادة المساعدات للدول المستضيفة، من بينها الأردن.

أما من جانب اسرائيل، فلديها مصلحة كبيرة في استقرار الأردن ونظامها. رغم تصريحات الأردن المعلنة في الساحة الدولية في قضية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، الأمر الذي يثير غضب إسرائيل؛ من المهم الإشارة لمساهمتها المباشرة وغير المباشرة في أمن إسرائيل، والتي اعتبرت في السنوات الأخيرة كمنطقة عازلة بين إسرائيل و"الدولة الإسلامية - داعش".

تستطيع إسرائيل مساعدة الاقتصاد الأردني وميزانيته، على سبيل المثال، من خلال استيراد منتجات زراعية وصناعية من الأردن، مثل الاسمنت، بنطاق أكبر، تقليل أسعار المياه التي تباع للأردن، نقل جزء من الصادرات للشرق الأقصى عبر ميناء العقبة، واستعداد لشراء كهرباء بالطاقة الشمسية من الأردن. وتعتبر السياحة مصدر دخل مهم بالنسبة للأردن، ومجالًا يمكن فيه للتعاون بين البلدين أن يزيد من العدد الإجمالي للسياح الذين يصلون للمنطقة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر