اللغة : العربية

عوائق في طريق تسكين جبهة غزة

07 حزيران / يونيو 2018

عبد السلام أحمد

 

أطلس للدراسات

في دولة الاحتلال، الانطباع العام انه إذا لم تبادر إسرائيل بعمل ما تجاه غزة يحلّ الأزمة الاقتصادية؛ فإن الجولة التالية من الصدام المسلح بين فصائل المقاومة (حماس والجهاد الإسلامي) وبين إسرائيل مسألة وقت، وستدخل بلدات "غلاف غزة" مرة أخرى في حالة من القلق والهلع، وربما تتطور الأمور إلى حرب واسعة. لكن كل ما يتسرب لا يعدو عن تسهيلات بسيطة، لا ترقى لمعالجة المشكلة الأساس، من قبيل إدخال المزيد من البضائع، الأدوية، مولدات كهرباء، توريد الكهرباء، إقامة بنى تحتية، بل وربما أيضًا يسمح بدخول عدد قليل من العمال من غزة للعمل في إسرائيل، وهو ما يسميه يوسي ملمان (المحلل الأمني في "معاريف") بـ "هدنة صغيرة"، أما فيما يتعلق بما يسميه "هدنة كبيرة" فيُمكن أن تجمّد المواجهة لسنوات، يقول ملمان.

إن الفجوات في المواقف بين الطرفين (حماس والاحتلال) تكاد لا تكون قابلة للجسر، إسرائيل - كما يقول - لا يمكنها أن تدير مفاوضات مباشرة مع حماس، لأنها ترى فيها منظمة "إرهابية" لا تعترف بحقها في الوجود، وإن كانت حماس في واقع الأمر هي حكومة بكل معنى الكلمة، تحتفظ بجيش يعد نحو 40 ألف جندي، إسرائيل غير مستعدة لأن تبدأ بإعادة بناء استراتيجية لغزة بحجم مليارات الدولارات، تتضمن إقامة ميناء، مطار، محطة توليد كهرباء، محطة تحلية وما شابه؛ طالما كانت حماس غير مستعدة لأن تنزع سلاحها. وحماس لن توافق على ذلك أبدًا، بدون جيش وكفاح مسلح عنيف ضد إسرائيل، فإنها لن تبقى حماس، ستفقد حقها في الوجود.

عائق آخر في الطريق إلى الهدنة الكبيرة - يقول ملمان - هو مسألة الأسرى والمفقودين. حكومة إسرائيل تسعى إلى صفقة تريد فيها جثمانيْ هدار غولدن وأرون شاؤول والمدنيين المحتجزين في غزة أبرا مانغيستو وهشام السيد، ولكن الثمن الذي تبدي استعدادها لدفعه بالمقابل هو في الحد الأدنى: جثامين فلسطينيين وبضع عشرات سجناء فلسطينيين ليس لهم دم على الأيدي. يرون بلو، منسق الموضوع عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، يواصل مساعيه، ولا سيما في مساعدة رجال المخابرات المصرية والقطريين، ولكن الفجوات هائلة. مطلب الحد الأدنى لدى حماس أكبر بعشرة أضعاف من الحد الأقصى الذي تبدي إسرائيل استعدادها لإعطائه.

حكومة إسرائيل - يقول عيران يشيف من "هآرتس" - لا تطرح أفكارًا أصيلة، وهي سلبية، وليس لديها ما تطرحه فيما يتعلق بقطاع غزة.

مركز انشغالها هو تضخيم قوة حماس، ومعروف أنها لا تهتم برفاه السكان في غزة، ومصر كل ما يهمها تقليص الأضرار التي يمكن ان تصيبها من غزة، جهات دولية تعمل في الهامش، بدرجة صغيرة. في كل مرة يتم الحديث عن لجان شُكّلت لدعم القطاع، لكنها في الأساس استعراض فارغ، وليس دعم حقيقي. يجب أن نضيف إلى هذا حقيقة أن العالم ليس قلقًا بشكل خاص من مشكلة قطاع غزة، ففي الشرق الأوسط تحدث كوارث كثيرة (في سوريا واليمن وأحيانًا في العراق وليبيا أيضًا)، حيث أصبح من الصعب معرفة ماذا يمكن فعله.

وحول مطالبات أصوات اليمين بإسقاط حكم حماس يقول الجنرال المتقاعد غيرشون هاكوهين أنه لمناقشة هذه الفرضية نحتاج إلى ثلاثة اسئلة: (1) التوقيت: هل العملية الحاسمة تحتاجها إسرائيل في الظروف الاستراتيجية القائمة؟ (2) القدرة على التطبيق: هل هناك فرصة معقولة لأن تحقق مثل هذه العملية نتيجة الاستقرار المرجوة؟ ويجيب: في أكتوبر 2001 على سبيل المثال نجح الأمريكيون في أن يفككوا - وخلال ثلاثة أسابيع - قوات طالبان في أفغانستان، ومن حينها ورغم الاستثمارات الكبيرة لم يتحقق هناك أي استقرار. الحرب ضد داعش في الموصل بقيادة أمريكا استمرت لتسعة أشهر، على أي اساس نقدر بأن حربًا مشابهة في غزة ستكون أكثر من ذلك؟ (3) قضية المصالح الإسرائيلية العلنية والسرية: هل المرغوب فيه ان تسقط إسرائيل حكم حماس؟ ولماذا نرغب في ان نعيد حكم السلطة الفلسطينية في رام مجددًا وبدماء جنودنا إلى غزة؟

الوزير الأسبق ومهندس "أوسلو" يوسي بيلين كتب في "إسرائيل اليوم" أن ما يمكن عمله اليوم هو محاولة الوصول إلى اتفاق سلام مع (م. ت. ف)، يطبق - في المرحلة الأولى - في الضفة الغربية فقط، ومحاولة الوصول إلى هدنة طويلة المدى مع حماس من خلال مصر. يحتمل ألا تكون الهدنة عملية مع حماس بسبب مطالب غير معقولة تطرحها، ولكن إذا كانت إمكانية لنوع كهذا او غيره من "الهدنة" ولا تحترمها (بل تعود إلى العنف قبل نهاية الفترة التي يتفق عليها مسبقًا) فإن الجيش الإسرائيلي سيضطر إلى العمل ضدها، مثلما يفعل في السنوات الأخيرة.

يمكنني أن افترض بأن محمود عباس لن يحب كل اتفاق بين إسرائيل وحماس؛ ولكن المصلحة الإسرائيلية هي الوصول إلى تسوية الوضع مع القطاع، وإذا لم تكن السلطة الفلسطيني قادرة على أن تضمن ذلك، فستكون هذه مهامة إسرائيل، فالهدنة ستسهل بناء مشاريع حيوية لغزة، تضمن توريد منتظم للمياه والطاقة، التشغيل لشبابه الكثيرين وإعمار خرائبه، على حد وصفه. إذا حصل هذا بالفعل، معقول التفكير بأن حماس ستطلب لنفسها المجد على تحسين الوضع، ولكن هذا ثمن علينا أن نفهم بأنه لا يمكن الامتناع عنه، غزة مستقرة ونامية هي مصلحتنا أيضًا.

انشر عبر