اللغة : العربية

إسرائيل ومسيرات العودة .. فشل توعوي استراتيجي

31 أيار / مايو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

 

بقلم: نافو برناد وبنينا شوكر وديفيد سيمان توف

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

"مسيرة العودة" هي سلسلة من المظاهرات الفلسطينية التي بدأت في "يوم الأرض"، وذروتها المخططة هي "يوم النكبة"، جرت خلالها مظاهرات شارك فيها الكثيرون على امتداد الجدار الأمني حول قطاع غزة، وسيما في أيام الجمعة، بلغت هذه المظاهرات ذروتها يوم الـ 14 من مايو (يوم نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس)، وفيه خرج إلى الجدار أكثر من 40000 متظاهر، حاول جزءٌ منهم اختراق الجدار. إسرائيل قدمت استعدادات جيشها المضادة على أنه "الجدار الفولاذي" ونجحت في منع التسلل إلى أراضيها، نتائج اللقاء في يوم نقل السفارة كانت أكثر من 60 قتيلًا (شهيدًا) فلسطينيًا (من بينهم 50 من رجال حماس ومقربين منها، حسب قول المسؤول فيها صلاح البردويل).

للغرض التوعوي وزن مركزي في الرسائل التي أوصلها الطرفان؛ حماس أطرت الأحداث كـ "مسيرة شعبية غير عنيفة"، وحاولت بالتالي أن تحوّل المواجهة مع إسرائيل من الجبهة العسكرية إلى الجبهة المدنية، مع التأكيد على الحق في الاحتجاج الشعبي، بينما إسرائيل عرضت أحداث المسيرة على أنها "إرهاب" يُراد منه المساس بسيادتها، وأنها مسيرة تستخدم النساء والأطفال كـ "درع بشري".

 

المجهود التوعوي الإسرائيلي يواجه عددًا من التحديات

ميزة الصورة المدمجة للطرف الضعيف في الرأي العام: فالفلسطينيون في قطاع غزة يعيشون في ظل حصار إسرائيلي وفي ظروف أزمة إنسانية آخذة في التفاقم، وعليه فهم يحاولون أن يرفعوا وضعهم الصعب من أجل إعادته إلى جدول الأعمال الدولي كما كتب على صفحة "فيسبوك" المسيرة قبل بدء الأحداث "وصول آلاف الأسر إلى الحدود سيحرج الاحتلال، وسيجذب تعاطف الإعلام لصالح قضيتنا". في المقابل، إسرائيل اعتبرت الجهة القوية التي تفضّل استخدام القوة مع المدنيين.

وضع مواطني غزة، وعلى رأسهم النساء والأطفال، في المقدمة أمام جنود الجيش الإسرائيلي يؤكد عدم التكافؤ: إن أي استخدام للقوة سيُفسر مسبقًا بأنه "مبالغ فيه"، كذلك أوجد سرد البطولة الفلسطينية أيضًا. حماس حوّلت المواجهة من المستوى العسكري - الذي فيه موازين القوى تميل بشكل واضح للجانب الإسرائيلي - إلى المستوى المدني التوعوي. كما صرح أحمد أبو رتيمة (أحد منظمي المسيرة الرئيسيين، وهو ليس عضوًا في حماس) بأن "الفلسطينيين بدأوا يؤمنون أكثر بالقوة الناعمة التي يمتلكونها. هذه المظاهرات غير العنيفة ستحيّد إلى حد كبير ترسانة السلاح الضخمة التي تمتلكها دولة الاحتلال. خيارات استخدام القوة يُمكن ان تكون مجدية في مواجهة خمسة آلاف متظاهر، لكن تأثيرها يضعف للغاية أمام 200 ألف متظاهر. مسيرات العودة تمتلك شفافية أخلاقية تعزز فرص نجاحها، إنها تدعو إلى عودة الفلسطينيين إلى منازلهم بطريقة غير عنيفة".

صورة واحدة تساوي ألف كلمة لتحقيق تأثير توعوي بصورة واحدة جيدة: الأحداث وفرت صورة مقسمة على شاشات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. في أحد جوانب الصورة الجماهير في قطاع غزة أمام إطلاق نار جنود الجيش الإسرائيلي، وفي الجانب الآخر احتفالية نقل السفارة الأمريكية في القدس بمشاركة مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين.

بين "الإرهاب" والاحتجاج المدني الشرعي: لغاية أحداث الـ 14 من مايو حيث قُتل حينها في المواجهات على امتداد الجدار في القطاع أكثر من 60 فلسطيني، الضغوطات الدولية على إسرائيل كانت معتدلة نسبيًا، سواء إثر عدد المصابين القليل نسبيًا في أغلب المظاهرات أو إثر أحداث أخرى على الساحة الدولية، وعلى رأسها انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والتصعيد بين إيران وإسرائيل في سوريا، وكذلك خبر إمكانية لقاء القمة الأمريكية - الكورية الشمالية. غير انه في اليوم الذي نقلت فيه السفارة الأمريكية إلى القدس، بلغت المظاهرات ذروتها (إلى الآن)، مقتل عشرات الفلسطينيين زاد الضغوطات الدولية على إسرائيل، وبرز ذلك بخطوات دبلوماسية شديدة، مثل: إعادة السفير التركي وسفير جنوب افريقيا، والانتقادات العالمية الشديدة والتنديدات على شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك الإدانة الشديدة لإسرائيل في المؤتمرات الدولية، بما في ذلك مصادقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على تشكيل لجنة تحقيق دولية لدراسة الأحداث.

 

توصيات

- الرأي العام في الداخل: نجحت حكومة إسرائيل والمؤسسة الأمنية في إقناعه بأن الجيش الإسرائيلي قام بواجبه وبطريقة شرعية، لذلك فلا يتطلب الأمر الكثير من الجهد، إذ ان غالبية الشعب الإسرائيلي فعلًا يدعم في الأصل كبح المظاهرات وعمليات القوى الأمنية ويقول بأن حماس المنظمة "الإرهابية" هي المسؤولة عن العنف الذي رافق أعمال الشغب بالقرب من الجدار، وأقوال المسؤول في حماس بأن الغالبية العظمى من القتلى (الشهداء) هم من رجال التنظيم اعتبرت دليلًا على ان الحديث لا يدور عن نشاطات مدنية بريئة يُحركها الإحباط والحصار فقط. لقاء ذلك، فشلت إسرائيل في إيصال هذه الرسالة الواضحة إلى الشعب الفلسطيني وإلى المجتمع الدولي، وسيما عندما يقف الإغلاق المتواصل والوضع الإنساني الصعب في خلفية الصورة، صور القناصة الإسرائيليين في مواجهة المتظاهرين مثلًا وفي مواجهة سلاح الطائرات الورقية الحارقة؛ عززت الصورة التي أراد الفلسطينيون تقديمها.

- بالنسبة للشعب الفلسطيني: لا معنى لمجهودات التوعية المستخدمة وقت الأزمة فقط إذا لم تبنِ بينهم مفاهيم أساسية بين جولات المواجهة فيما يتعلق بدور حماس في الأزمة المتواصلة في قطاع غزة. المطلوب مجهود متعدد المجالات، ومستمر يتضمن مكونات إنسانية واقتصادية ومدنية ودبلوماسية وإعلامية من اجل التأثير في الاتجاه المطلوب على المفاهيم الأساسية لدى سكان قطاع غزة، وخصوصًا إيجاد مداخل بينهم للرسائل الإسرائيلية (العلنية أو السرية) في حال وقوع اشتباكات مستقبلية.

- شبكات التواصل الاجتماعي تعتبر ساحة مركزية للحرب على الوعي: استمرار العملية والمواصلة والحجم هي العناصر الأكثر أهمية في تصميم المفاهيم. المطلوب نقل سلسلة متواصلة من الرسائل المدوية بانتظام في الإعلام الاجتماعي من أجل توسيع الشروخ القائمة بين حماس وسكان قطاع غزة، والتأكيد على القضايا التي تسمع بخصوصها أصوات تجاه التنظيم من بينها مشروع حفر الأنفاق الرائد وتكلفته من حيث الوضع الإنساني المتدهور في المنطقة، صدى هذه الرسائل "التخريبية" من شأنه ان يزيد في أوساط المنتقدين لتصرفات حماس الشعور بالأمن لدى إبداء رأيهم.

- أمام المجتمع الدولي: من أجل تعزيز السرود الداعمة للمصلحة الإسرائيلية مطلوبٌ أن نخوض على مواقع التواصل الاجتماعي معركة، من خلال إغراقها بالرسائل الموالية لإسرائيل وتقديم حقائق وتحاليل ذات صلة؛ وهذا يجب القيام به قبل الأحداث وخلالها. هذه الحرب تتطلب نسج عدد كبير من الأشخاص لمحاربة عناصر معينة على الشبكة ممّن يقذفون دولة إسرائيل وعملياتها، وكذلك يجب المساس بشرعية الخصم، يجب تعزيز قدرة رفع تنظيمات مثل المبادرة المدنية للمتطوعين العاملين من أجل إسرائيل على شبكة الانترنت (ACT.IL) التي تسمح بنشر الرسائل. نؤكد ان الفلسطينيين ينشرون على شبكات التواصل الاجتماعي، وبشكل مكثف، لقاءات وصور وأفلامًا مفبركة في بعضها، في مقابلهم أساس النشاط الإسرائيلي العلني على خلفية أحداث الجدار الأمني تصريحات رسمية للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في وسائل الإعلام التقليدية، وعلى الأغلب متأخرة كثيرًا بعد حماس.

- إلى جانب كل ما سبق، المطلوب أيضًا تقليل المساس القاتل بالفلسطينيين: في هذا السياق نشير من جهة إلى أعداد المصابين الكبيرة في أوساط المتظاهرين الفلسطينيين، والتي من شأنها ان تحرز مفعولًا رادعًا، ومن جهة أخرى من الممكن ان يكون لها مفعول تخميري على وجه الخصوص. بالنسبة للمجتمع الدولي؛ سينظر إلى إسرائيل نظرة سلبية إثر عدد المصابين، سواء كانوا مواطنين أو أعضاء في حماس.

الحرب بين إسرائيل وحماس، وفي الواقع بين إسرائيل وقطاع غزة، كما برزت في الأشهر الأخيرة في "مسيرة العودة" هي اختبار لاستراتيجية الوعي الإسرائيلية، حيث يدور الحديث عن سلسلة من الأحداث المتطورة، وعن منافسة في الاستفادة والتغيرات لدى الطرفين. المطلوب من إسرائيل أن تطور نظرية وعيها أمام الطوائف الثلاثة المستهدفة (الفلسطينية والدولية والداخلية)، وأن تحدث التنسيق بين الجهات العسكرية والمدنية والعلنية والسرية العاملين في المعركة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر