اللغة : العربية

على إسرائيل أن تواجه الأسئلة الصعبة لا أن تهرب منها

27 أيار / مايو 2018

بقلم: يوسي بيلين

 

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

قرارات مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بإقامة لجنة تحقيق في مقتل المتظاهرين الفلسطينيين خلال المواجهات الأخيرة على حدود القطاع، وسيما في الـ 14 من مايو؛ لقيت رد فعل عكسي في إسرائيل: إسرائيل ستقاطع اللجنة، ولن تسمح لأعضائها بزيارة إسرائيل، وستمتنع عن الإدلاء بالشهادة أمامها. كما في الماضي، ربما تكتفي بإرسال ورقة رسمية تشرح فيها الحاجة إلى الحفاظ على حدودها والدفاع عن مواطنيها.

مجلس حقوق الانسان هو هيئة إشكالية للغاية من جهة إسرائيل، انتقادات المجلس على مدار السنين أبعد من أن تكون موضوعية مهنية، وهي أقرب من كونها عدوانية، غالبية مناقشاته وقراراته تتعلق بالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والتحيز ضد إسرائيل يبرز في هذه المناقشات والقرارات، وكذلك التنصل من حالات أخرى في انحاء الكرة الأرضية، والتي تتضمن أعدادًا أكبر بكثير من المصابين وبالوحشية التي لا يمكن تجاهلها ولا يمكن التنصل منها.

لكن الاستخدام الإسرائيلي طويل الأمد لحقّ الصمت لا يضيف لنا شيئًا ولا يعزز قضيتنا ولا يطرح أفكارًا مختلفة في أوساط منتقدي دولة اليهود، عندما ترأس القاضي الجنوب افريقي اليهودي والصهيوني ريتشارد غولدستون في العام 2009 لجنة تابعة لمجلس حقوق الانسان للتحقيق في أحداث عملية "الرصاص المصبوب" في غزة قاطعته إسرائيل وقاطعت لجنته، التقرير كان بالتالي انتقاديًا للغاية، لكن بعدها بعاميْن نشر غولدستون مقالًا مفاجئًا في "واشنطن بوست" كتب فيه: لو أن إسرائيل تعاونت معه ولو أنها كشفت له المواد ذات الصلة التي وصلته في ذلك الوقت؛ لما كان اتهمها بالجرائم التي اتهمت بها.

ورغم كل شيء فقد نضجت إسرائيل، في العام 2012 قررت أن تقطع جميع علاقاتها مع اللجنة، وبعد وقت قصير غيّروا في إسرائيل سياستهم وبذلوا قصارى جهدهم لكي يعودوا ويوثقوا تلك العلاقات، لأن هناك مَن فهم أن الغضب لا يمكنه أن يتقدم بالسياسة الخارجية الإسرائيلية، وأن عزل النفس لا يعاقب أعداء الدولة أو خصومها؛ وإنما يعاقب إسرائيل نفسها.

الأمم المتحدة منظمة معدة للدفاع عن الدول الصغيرة لئلا تُداس من قبل الدول العظمى كما حدث في الحربيْن العالميتيْن اللتيْن سبقتا إقامة المنظمة، لكن ومن أجل الصمود أمام هذا التحدي فإن لكل دولة كبيرة وصغيرة ذات وزن التصويت في الهيئة العامة للأمم المتحدة وفي مختلف هيئاتها (عدا عن مجلس الأمن)، الكثير من هذه الدول أقيمت فقط في العقود الأخيرة، وتحسب على مجموعة "دول عدم الانحياز" وتؤيد ما تعتبره الحركات المكافحة من أجل حرية شعوبها، بينما تعتبر إسرائيل لديهم جزءًا من الغرب ودولة استعمارية؛ ليست دولة تجمع بين اليهود المطاردين وتدافع عنهم. العمل على الإقناع أصعب بكثير من الفرار، ولذلك تميل إسرائيل إلى عدم بذل الجهد، وإنما تقاطع أو تعتزل.

عدتُ هذا الأسبوع من أحد المؤتمرات الأقل أريحية لإسرائيل في الأمم المتحدة: مؤتمر تطبيق حقوق الشعب الفلسطيني، إنه مؤتمر إشكالي بالنسبة لإسرائيل الرسمية على مختلف أجيالها، والإسرائيليون المشاركون في المناقشات ليسوا ممثلين رسميين بشكل عام. النقاش الذي جرى هناك في الأسبوع الماضي تناول السبل المتاحة للخروج من الطريق المسدود التي وصلت إليه العملية السلمية في السنوات الأخيرة. معظم المتحدثين كانوا فلسطينيين، والقليل منهم إسرائيليين، وإلى جانبهم رجال بحث مؤيدون للشأن الفلسطيني، وبين الجمهور تواجد سفراء كثر ورجال دولة مثل وزيرة الخارجية الاندونيسية، وكذلك أيضًا جماهير غفيرة من التلاميذ والخبراء.

الأمور التي قيلت عن المنصة كانت بشكل عام حذرة ودبلوماسية، وكان الأصعب بكثير هو الاستماع إلى أسئلة الجمهور، والتي كان أغلبها بمثابة خطابات قصيرة كالعادة، وكانت تلك عمومًا أقوال استفزازية لم تتناول رفض إسرائيل قبول المطالب الفلسطينية المتعلقة بالاتفاق فحسب، وإنما أيضًا الانتقادات العربية التقليدية لمجرد وجود إسرائيل ولحقّ الحركة الصهيونية في الوجود، وأمور مشابهة متكررة منذ عقود، تثيرُ في أوساط الإسرائيليين الغصة في كل مرة.

كانت هذه فرصة لنشرح للشباب الذين جلسوا في الصالة الموقف الإسرائيلي على مختلف أجياله والمنطق الصهيوني وهدف المتطلعين إلى السلام في إسرائيل بالتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين أولًا من خلال "الأنانية" ومن خلال الفهم بأنه من دون حدود لن نستطيع ان نؤمن دولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية، وأنه من دون علاقات سلام سيكون المقصود العيش على حد السيف من ناحيتنا ومن ناحية جيراننا.

لم يكن هذا تفسير على طريقة نتنياهو الذي تتصدره الاثباتات التاريخية للسلوك الفلسطيني الخطير والرفض الفلسطيني، وإنما محاولة لإظهار إسرائيل من وجهة نظرها الموضوعية كوطن للشعب اليهودي وليس على حساب الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل أو في المناطق المحتلة. بعد انتهاء النقاش جاءتني شابة من غزة، وقالت إذا كان هذا هو الموقف الإسرائيلي فإنها مستعدة لأن تعمده، واعترفت أيضًا بأنه لم تكن لديها الشجاعة لتقول ذلك أمام الجمهور الكبير.

لا أريد أن أخدع نفسي، حوارات كهذه لا تغير الواقع، لكن مقاطعتها هي مضيعة صارخة للمنصات الجاهزة لسماع صوتنا، وحيث لا يسمع فيها صوتنا. زرع الشك في أوساط الناس الذين اعتادوا نوعًا محددًا من الدعاية من شأنه أن يجعلهم شركاء لنا في المستقبل، بينما المقاطعة لا تضيف لنا أي شيء، عدا عن التحرر من الحاجة غير المرضية للمواجهة. بالنسبة لإسرائيل الرسمية ليس عليها أن تشرح فقط، بل وأن تستمع أيضًا، بعض من الأفكار المطروحة في مثل هذه المؤتمرات، وبعض من الأسئلة التي تطرحها لجان التحقيق جديرة بالاستماع لها وتناولها واستخلاص العبر منها.

سياسة الفرار لها آثار تتجاوز السؤال المباشر "هل تواجد إسرائيل من شأنه ان يغير قرارات الهيئات الدولية أو لجان التحقيق المختلفة؟"، الانطواء على أنفسنا ومصادفتنا مرة تلو الأخرى لمنتدى الدول الداعمة لنا، والتي لم نكن نريد ان نحسب على بعضها، تتسبب بتحريض جيل شباب من الدبلوماسيين الإسرائيليين المقتنعين بالقول "العالم كله ضدنا، ولا معنى للتحدث إلى أي شخص"، من ناحيتهم الأفضل عدم المواجهة وعدم محاولة إقناع أحد وعدم محاولة فهم مواقف الآخرين، ثمن ذلك ربما يكون باهظًا.

مقاطعة لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الانسان مريحة جدًا للجهات الرسمية في إسرائيل، وتمنع على المدى المنظور الكثير من وجع الرأس، لكن على المدى البعيد لدينا هنا مساس بالمصلحة القومية. دعوة اللجنة إلى إسرائيل واجراء اللقاءات مع أعضائها وعرض الموقف الإسرائيلي بالتفصيل؛ من شأنه ان يمنع إصدار تقرير متطرف، المقاطعة تستدعي مثل هذا التقرير، الذي سينضم إلى الإضرار المستمر بصورة الدولة، وإن لم تكن جديرة بذلك.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر