اللغة : العربية

ولاية دولية "انتداب": هكذا يمكن حل أزمة غزة

19 أيار / مايو 2018

معاريف

 

بقلم: رون بن يشاي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

بعد وقوع 62 قتيلًا وآلاف الجرحى الفلسطينيين، والانتقادات الشديدة التي تلقتها إسرائيل على الساحة الدولية؛ ما تزال الحكاية في غزة أبعد من أن تنتهي. رغم ان كلًا من إسرائيل وحماس غير معنيتين بالأمر، ما يزال هناك احتمالات كبيرة بأن تتصاعد المواجهات وتتدهور نحو جولة أخرى من الحرب، التي ستؤدي إلى أعداد كبيرة من القتلى والدمار.

قد تكون هذه أيضًا حرب نعود عند انتهائها إلى الوضع القائم اليوم، بل وربما إلى وضع أسوأ منه؛ في وضع مماثل لن تكون حماس هناك، وعلينا حينها أن نواجه فوضى حكم في قطاع غزة، ستنزلق بالضرورة إلى أراضينا أو انه لن يكون حينها لنا مناص سوى العودة إلى هناك كقوة محتلة يجب أن تهتم باحتياجات مليونيْ فلسطيني معادين؛ لذلك فإن الجهات الأمنية في إسرائيل متحدون على الرأي القائل بأننا لسنا مهتمين في الوقت الحالي بإسقاط حكم حماس، والذي سيؤدي إلى خلق فراغ بالحكم في غزة.

في المؤسسة الأمنية يريدون وقف هذا التدهور الزلق من خلال تطبيق سريع لخطة شاملة للمساعدات الانسانية والاقتصادية للقطاع. في قاعدة هذه التوصية التي قدمها الجيش الإسرائيلي - ومؤخرًا "الشاباك" أيضًا - تطرح فكرة بسيطة: ازدهار إنساني (المياه والمجاري والخدمات الصحية والكهرباء) والنمو الاقتصادي (المقلص للبطالة)؛ أمور ستهدئ الأجواء في أوساط السكان، وتمنع حدوث الاحتقان واستخدامه ذخيرة بشرية من قبل حماس.

في الضفة الغربية، الفلسطينيون لا يسارعون للانضمام في هذه الأيام إلى المواجهات مع القوات الأمنية الإسرائيلية، بسبب أنه يسود هناك بشكل أساس وضع اقتصادي وحكمي معقول أو على الأقل محتمل. الهدوء وتحسين أوضاع السكان - الذي يستلزم تعاونًا مع السلطة الفلسطينية، ومع مصر - سيؤدي أيضًا إلى إنقاذ حماس من العزلة التامة التي تعيشها ومن الخوف على بقاء حكمها.

خطة كهذه موجودة في الواقع على الورق، وقد نوقشت قبل عدة أشهر في واشنطن، في إطار مؤتمر الدول العربية والأوروبية المانحة لغزة: إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر والإدارة الأمريكية. أمام هذا المؤتمر، طرحت خطة ستؤدي إلى الازدهار والهدوء في القطاع، خطة كان المبادر فيها وموجهها الجنرال يؤاف موردخاي، منسق أعمال الحكومة في المناطق إلى ما قبل عدة أسابيع.

في هذه الخطة يوجد كل ما هو ضروري لإنقاذ الغزيين، وحماس كذلك من ضائقتهم: إقامة مصانع لتحلية وتطهير المياه، خط ضغط عالٍ لتمويل غزة بالكهرباء، وقائمة طويلة من المشاريع المدنية الاقتصادية. تم التوافق بشكل عام أيضًا على الصيغة وتقاسم العبء المطلوبيْن لتمويل هذه الخطة الممتازة، والتي في حال طبقت فإنها قادرة على تحسين الوضع الاقتصادي والإنساني في غزة بشكل دراماتيكي.

 

ولمَ لا؟

العقبة الرئيسية أمام تطبيق هذه الخطة تتمثل بغياب إدارة مدنية عاملة في قطاع غزة، قادرة على تطبيقها على الارض. عقبة أخرى هي غياب الهدوء واستمرار تبادل إطلاق النار مع إسرائيل؛ الأمر الذي يهدد بتدمير المشاريع البنيوية الاقتصادية كما حدث في الكثير من المرات في الماضي.

المصالحة الفلسطينية الداخلية - التي بادرت بها مصر، بموافقة حماس - كان من شأنها ان تعالج هاتيْن العقبتيْن، السلطة الفلسطينية بقيادة أبي مازن كان من المفترض أن تدخل إلى القطاع بصفتها الحاكم المدني، وأن تدير الإعمار بدلًا من حماس التي فشلت. لكن رغم المحاولات المصرية وتوقيع الاتفاق، المصالحة الداخلية الفلسطينية فشلت، والسبب في ذلك هو رفض حماس التخلص من سلاحها كما طلب أبو مازن وإسرائيل أيضًا.

إسرائيل عرضت تنفيذ المعادلة "الإعمار مقابل نزع السلاح" كشرط لمشاركتها في خطة الإنقاذ الانسانية الاقتصادية في القطاع، وأبو مازن طلب أن تنزع حماس سلاحها وأن يخضع جناحها العسكري إلى الحكم المدني. حماس طبعًا رفضت، لذلك فأبو مازن يؤخر الآن تدفق الأموال إلى الحكم المدني في القطاع، ويفاقم - عن قصد ودون تردد - ضائقة المواطنين، ويزيد من استعدادهم للهرولة نحو الانتحار على الجدار.

لكن الطريق المسدود الإنساني والاقتصادي والحكمي في قطاع غزة الآن ليس قدرًا من السماء، يمكن التوصل إلى الهدوء في القطاع الهدوء الذي سيسمح بتطبيق "خطة مارشال" الإنسانية الاقتصادية، لستُ أقصد تلك "الهدنة" مع إسرائيل، والتي اقترحها بعض من قادة حماس بفتور على رئيس المخابرات المصرية، "هدنة" كهذه تمكّن حماس من أن تتمتع بتحسين أوضاع سكان القطاع، الذين ساعدتهم إسرائيل في النجاة من الضائقة، وأن تتقوى عسكريًا بغطاء من الهدوء، ومن ثم تجدد القتال. "الهدنة" تتعارض مع مصلحة إسرائيل الأمنية بعيدة المدى، ولذلك فإنها تعارض هذه الفكرة الخطيرة وبحق.

 

ما الصواب؟

هناك صيغة اتفاق أخرى جربت في السنوات الأخيرة في عدة مناطق ذات مواجهات عنيفة وأزمات انسانية في العالم، ونجحت أيضًا؛ هذه الصيغة تقوم على أساس اتفاق مؤقت ينفذ على مراحل: حل عسكري وسياسي بغطاء انتداب، وقوة عالمية تقدم له الشرعية والصلاحية القانونية. اتفاق يخدم جميع الأطراف، ويسمح بنزع فتيل المواجهة المتفجرة بالتدريج.

لقد شاهدتُ بأمّ عيني كيف ان مثل هذه الاتفاقيات عندما نفذت في ليبيريا - وبعدها في كوسوفو - أدت منذ البداية إلى الهدوء الجزئي، ومهّدت الطريق إلى حل طويل الأمد للصراعات. لم تكن تلك الاتفاقيات نجاحًا متسارعًا، ومرّ الكثير من الوقت إلى أن تم إنقاذها من المزالق وخرق الاتفاقيات التي أحدثت خرابا فيها، لكن في نهاية المطاف أدت إلى هدوء طويل الأمد ومستقر؛ وهذا هو الأمر الملح الآن في غزة أيضًا.

من المهم ان نضيف إلى هذه النقطة ان مبادئ الاتفاق التي تفصل على الفور هي محل نقاش وإثارة افكار في المؤسسة الأمنية أيضًا، وربما في مقر قيادة الأمن القومي بالقرب من مكتب رئيس الحكومة. يجب التأكيد على ان المقصود أفكار ابتدائية لم تصل بعد إلى بلورة نهائية، وربما هي الآن مطروحة على الطاولة، ليس في إسرائيل فقط؛ وإنما في عدة عواصم في المنطقة.

الكرة المركزية هي التي ستسمح حقًا بالتوصل إلى اتفاق يقوم على أساس حل، وعلى رعاية دولية أيضًا، دون إجبار حماس على التخلص بالكلية من سلاحها. التوقيت الآن مناسب، يجب استغلال الصدمة التي حلت بقيادة حماس والتنظيمات الأخرى في أعقاب الأحداث الدامية على الجدار هذا الأسبوع، وكذلك الصدمة على الساحة الدولية والعربية والإسرائيلية، من أجل التوصل إلى اتفاق تكون حماس فيه معنية بمثله، لأنه سينقذها من الطريق المسدود الذي علقت به، والذي يهدد بقاء حكمها في غزة.

 

الاتفاق برعاية دولية واقليمية بشأن المشكلة الغزية له فرصة في النجاح إذا قام على أساس المبادئ التالية:

- الاتفاق تقوده جهة عربية إسلامية (المراد مصر)، ويكون قائمًا على أساس قرارات مجلس الأمن والجامعة العربية، التي توفر لها الشرعية والصلاحية القانونية.

- هدف الاتفاق: التحسن الجوهري والفوري للوضع الإنساني والاقتصادي لسكان قطاع غزة، والاستعداد للانتخابات العامة الديمقراطية والسرية للحكم في القطاع، والتي ستجري برعاية وإشراف الأمم المتحدة بعد مرور عام أو عامين. هذه الانتخابات ستعكس رغبة الغزيين، وهناك فرصة جيدة للسلطة التي ستنتخب لأن يكون لها مصلحة كبيرة في استمرار الهدوء والاستقرار السياسي، اللذيْن سيسمحان بالازدهار والنمو الاقتصادي.

- الاتفاق تفرضه على الأرض طواقم مراقبين ومشرفين ترسلها الأمم المتحدة، وقوة لحفظ السلام ترسلها دول الجامعة العربية وتركيا.

- كخطوة أولى، تطبق كلٌ من حماس والسلطة الفلسطينية اتفاق المصالحة بينهما، ويقيمان في القطاع حكمًا مدنيًا مشتركًا، من أجل ذلك يتوصلا إلى حل في موضوع السيطرة على القوة العسكرية: تنزع حماس سلاحها الثقيل والبنى التحتية الهجومية، لكن رجال الجناح العسكري التابعين لها وللجهاد الاسلامي يسمح لهم الاحتفاظ بالسلاح الشخصي والأسلحة الخفيفة. الأسلحة الثقيلة (القذائف الثقيلة، والصواريخ، والصواريخ المضادة للدبابات، والطائرات غير المأهولة) تسلم لمراقبي الأمم المتحدة التي ستخرجها من قطاع غزة.

- رجال الجناح العسكري لحماس المزودون بالأسلحة الخفيفة ينضمون إلى قوات فرض القانون للحكم المدني في القطاع، والتي تكون مشتركة بين حماس والسلطة. كما تلزم حماس أيضًا بالامتناع عن تطوير الصواريخ والتزود بها، وكذلك القذائف والسلاح الثقيل الآخر طوال فترة سريان الاتفاق، وتمتنع أيضًا عن حفر الأنفاق الهجومية، أماكن وجود الأنفاق تسلم للأمم المتحدة وتدمّر بإشراف رجالها. رجال قوة حفظ السلام العربية - الإسلامية ونقاط المراقبة التابعة للأمم المتحدة ستنتشر غربي الجدار والعائق الحدودي بين غزة وإسرائيل، وليتأكدوا أنه من هذه المنطقة لا يتم تنفيذ أعمال عدوانية ضد بلدات النقب الغربي.

- تفتح مصر معبر رفح والمعابر الأخرى بلا قيود تقريبًا، ولكن بمراقبة شديدة، بحيث لا تنقل من خلالها الأسلحة والإرهابيين إلى داخل القطاع أو من داخل القطاع إلى سيناء. إسرائيل ستسهم في تنفيذ الاتفاق من خلال فتح جميع المعابر الحدودية والاشراف الأمني الدقيق، وتمنح موافقتها لبناء ميناء بحري قبالة شواطئ غزة يُدار تحت إشراف أمني أوروبي بمشاركة مهنيين من دول الخليج، إسرائيل ستستمر في كونها مسؤولة عن المجال البحري في شمال وغرب القطاع، وستشرف مصر على المجال البحري قبالة أراضيها السيادية في سيناء.

 

مشاكل وحلول

من ناحية إسرائيل، هذا الترتيب بعيدًا عن كونه مثالي؛ فهناك خطورة بأن تتقوى كل من حماس والجهاد الاسلامي بمساعدة إيران في السر من خلال خداعهم لمراقبي الأمم المتحدة ورشوة أعضاء القوة العربية - الإسلامية. صعوبة أخرى ستحدث إذا أطلقت التنظيمات المارقة النار صوب إسرائيل، حينها سيجد الجيش الإسرائيلي صعوبة في الرد في داخل القطاع بطريقة رادعة كما يفعل اليوم، خشية المساس برجال الأمم المتحدة وجنود القوة العربية - الإسلامية، وكذلك الدخول البري إلى غزة سيكون أكثر صعوبة إذا استدعت الضرورة ذلك. صعب تنفيذه، ولكنه في الحقيقة ممكن من الناحية العسكرية والسياسية.

على أية حال، الفرصة تستحق المخاطرة، ومن المهم التأكيد في هذا السياق على أن "الشاباك" والاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي سيستمرون في مراقبة ما يجري في القطاع، وسينقلون إلى مراقبي الأمم المتحدة المعلومات التي ستمكنهم من معالجة خروقات الاتفاق على مختلف أنواعها، بما في ذلك حفر الانفاق. عدا عن ذلك؛ المؤسسة الأمنية ستتم خلال أقل من عام إقامة العائق فوق وتحت الأرض على حدود قطاع غزة، وحينها أيضًا يتقلص خطر النيران المباشرة من داخل قطاع غزة على أرض إسرائيل وتسلل الغزيين إلى أراضينا.

مشكلة صعبة أخرى من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية الحالية هي ان اتفاق ترتيب برعاية دولية في غزة سيخلق سابقة بخصوص الضفة الغربية، الفلسطينيون (أبو مازن أو وريثه) قد يطلبون تطبيق مثل هذا الترتيب في جميع المناطق المحتلة عام 67 دون التوصل قبل ذلك إلى اتفاق مع إسرائيل. طلبٌ مثل هذا سيكون عقبة أمام الشروع في مفاوضات جدية للسلام القائم على أساس الحل بين إسرائيل والفلسطينيين.

هناك مساوئ أخرى كثيرة للترتيب برعاية دولية للوضع في غزة، لكنه الآن الإمكانية الواقعية الوحيدة من وجهة جميع الأطراف للتوصل إلى الهدوء والاستقرار سريعًا. ترتيبٌ كهذا سيسمح بتدفق المساعدات الإنسانية والمشاريع الاقتصادية التي ستنقذ السكان من الضائقة المحبطة التي يعيشونها، كما انه سيخدم حماس أيضًا، وربما سيسمح بانتخابات ديمقراطية تقيم حكمًا سياسيًا مستقرًا في القطاع. ومن دون إطار عربي اسلامي (يضم قطر وتركيا) لن يكون من الممكن التوصل إلى هدوء طويل الأمد، ولن يكون من الممكن تمويل المساعدات الإنسانية والتطوير الاقتصادي والخروج من الطريق المسدود الدامي الذي نعلق فيه الآن.

لذلك، على إسرائيل ان تستغل علاقاتها الجيدة مع إدارة ترامب ومع مصر والأردن، وعلاقاتها الأقل جودة مع الأوروبيين ودول الخليج، والعمل من وراء الكواليس من أجل إدماجهم جميعًا في بلورة وتطبيق سريعيْن لترتيب عسكري اقتصادي وسياسي في قطاع غزة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر