اللغة : العربية

تحول مجرى النهر بين إسرائيل وحماس

16 أيار / مايو 2018

بقلم: بن كاسبيت

 

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

المسافة بين تل أبيب والقدس وغزة لم تبدُ على الإطلاق أكثر بعدًا، رغم أن المقصود بضع عشرات من الكيلومترات وأقل من ساعة من السفر بالسيارة. يوم الاثنين (14 مايو) جرت فيها بالتزامن تقريبًا ثلاثة أحداث تنتسب إلى ثلاثة اكوان مختلفة؛ في القدس افتتحت السفارة الأمريكية بضجيج عالٍ كبير وبفخر وطني وبشعائر دينية (يهودية ونصرانية)، في تل أبيب احتفلت إسرائيل العلمانية الليبرالية بفوز نيتاع برزيلاي في مسابقة الأغنية الأوروبية، الأكثر مشاهدة في العالم، بينما في غزة أحصي 60 قتيلًا فلسطينيًا على الجدار، بعد أن قاتل الجيش الإسرائيلي على امتداد الجدار عشرات آلاف الفلسطينيين، الذين حاولوا أن يخترقوه والقيام بما تسميه حماس "مسيرة العودة". الأناشيد والرايات والصلوات والخطب الاحتفالية في العاصمة القومية، وموسيقى البوب والقمامة والملابس الملونة والمحررات الليبراليات في العاصمة الثقافية العلمانية، والدم والنار وأعمدة الدخان في غزة المحاصرة.

الجيش الإسرائيلي يخوض الآن مواجهتيْن عسكريتيْن، فاعلتيْن وعلنيتيْن، وإن كانتا بعنفوان منخفض نسبيًا: في الشمال، الحرب في مواجهة إيران التي بلغت في الأسبوع الماضي (10 مايو) حد يوم حربي حقيقي، انتهى بانتصار إسرائيل الحاسم. وفي الجنوب، سبعة أسابيع متواصلة من انقضاض الفلسطينيين على الجدار الحدودي في غزة، الانقضاض الذي لجم بـ "حائط حديدي" أقامه الجيش الإسرائيلي.

"بالأمس كان هناك حدث مختلف تمامًا عن بقية الأحداث في الأسابيع السابقة" قال لي ضابط إسرائيلي رفيع، الثلاثاء، "توقعنا مائة ألف شخص وعدت بهم حماس، ولكن جاء ما يقارب 40 ألف، مستوى العنف كان أكبر بكثير ممّا اعتدنا عليه في الأسابيع السابقة"، حسب قول الضابط على امتداد الجدار "كان من بينهم، عدد من خلايا الاقتحام من وحدة النخبة في حماس، ثلاثة من هذه الوحدات لجمت على الجدار، تحديدًا في معارك مع الجيش الإسرائيلي. وعلى حد علمنا، كان لديهم في هذه الواقعة 10 قتلى، لكن لم يخترق الجدار أي فلسطيني، والمبدأ الذي اعتبرنا وفقه الجدار الحدودي في غزة لن يمس وأن أي فلسطيني لن يخترقه إلى الجانب الفلسطيني طبق بعناية".

هذا المقال كتب صبيحة الثلاثاء، حيث يتجهز الطرفان ليوم معركة أخرى في "يوم النكبة"، التاريخ الذي يعرض فيه الفلسطينيون الكارثة التي وقعت بحقهم في 1948، حيث حلت بهم هزيمة نكراء فيما يعرف بحرب "استقلال إسرائيل". وفي ذات الوقت قدر الجيش الإسرائيلي، في صباح الثلاثاء، بأن الذروة باتت الآن خلفهم، وأن "حماس تعيد حساب طريقتها"، حسب أقوال مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع في حديث معنا "لقد فهموا أنهم وصلوا طريقًا مسدودًا، لم ينجحوا في إشعال الضفة الغربية، فقد ساد الهدوء هناك بالأمس، ولم يفلحوا في إيقاظ العالم، وإنما فقط أقنعوا المقتنعين مثل الرئيس التركي أردوغان، ولم ينجحوا في اختراق الجدار، ولم ينجحوا في حل مشكلتهم وعجزهم أمام وضعهم. واضحٌ لنا أنهم يبحثون عن خيار".

صبيحة الأحد (12 مايو) نقل رئيس حماس في قطاع غزة إسماعيل هنية جوًا في مروحية مصرية لمفاوضات في القاهرة، في صبيحة يوم الثلاثاء فتح المصريون بالتنسيق مع إسرائيل معبر رفح. إسرائيل، وبقرار مفاجئ اتخذ الاثنين قبيل منتصف الليل، صادقت على فتح معبر كرم أبو سالم الذي تدخل من خلاله البضائع والمؤونة لغزة، "سنحول لهم العتاد الطبي والوقود والمؤونة الكثيرة لكي نساعدهم على الانتعاش" قال لي ضابط إسرائيلي رفيع "ربما نساعدهم في النزول عن الشجرة".

السؤال الأكبر: إلى أين يتوجّه الطرفان؟ من هنا، إذا كان الحدث فعلًا يوشك ان ينتهي وزخم المظاهرات والمصابين يتقلص؛ سيكون الطرفان بحاجة ليقررا ما هي وجهتهم، القيادتان الإسرائيلية والفلسطينية سيكون عليهم أن يتخذوا قرارات صعبة. منذ انتهاء عملية "الجرف الصامد" (2014)، لم يكن هناك خط تحول للمياه واضحٌ مثل هذا، فيه الطرفان مستعدان لمحاولة تغيير الوضع على مستواه الاستراتيجي، أشك في أن القيادات مستعدون للنزول المتزامن عن الشجرة.

رغم المظاهرات الصعبة وعدد المصابين الكبير، في إسرائيل نتنياهو يسود شعور بالانتشاء في الأسبوع الأخير، رئيس الحكومة لم يعرف أسبوعًا كهذا في أي وقت في حياته العملية، ولا حتى عندما حقق انتصاراته السياسية الكبرى؛ لقد بدأ الأمر بعرضه الشهير حين أظهر للعالم أرشيف إيران النووي، الذي سرق بأيدي "الموساد" من قلب طهران وأحضر إلى تل أبيب، واستمر الأمر بإعلان الرئيس الأمريكي ترامب انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، الإعلان الذي أثار الفرحة الكبيرة في إسرائيل، بعد ذلك جاء يوم المعركة بين إسرائيل وإيران، وفيه لم يفلح الإيرانيون بأن يوقعوا بإسرائيل أي ضرر، غير أنهم تقوا ضربة عنيفة في جميع البنى التحتية التي دشنوها في الأشهر الأخيرة على الأراضي السورية، مع خروج السبت فازت مغنية إسرائيلية شابة واستثنائية في مسابقة الأغنية الأوروبية، التي تحتل أوروبا، وجذبت إلى ميدان رابين في تل أبيب عشرات آلاف المحتفلين، بينما يوم الاثنين انتقلت السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في احتفالية اعتبرها اليسار العلماني الليبرالي في إسرائيل انه "المسيح المخلص"، نتنياهو يعيش ارتقاءات لم يعرفها من قبل، التحقيقات الجنائية معه تآكلت تمامًا تقريبًا، ويبدو وكأنه الرجل الذي لا يهزم أكثر من وقت مضى.

في وضع الأمور الحالي، يصعب الافتراض بأنه سيقود خطوة كبيرة تجاه غزة، خطوة تشجع النزول عن شجرة السلطة الفلسطينية ونظريتها للإدارة المدنية في غزة أو بدلًا من ذلك مفاوضات غير مباشرة مع حماس حول وقف إطلاق نار طويل الأمد. حماس أطلقت صوب إسرائيل عدة مقترحات في هذا المجال بالأشهر الأخيرة، غير أنها لم تستجب، إسرائيل تطلب من حماس إعادة جثتيْ الجندييْن الإسرائيلييْن وإطلاق سراح المواطنين الثلاثة المحتجزين لديها في القطاع، وقبل إجراء المفاوضات أيّ كانت؛ هذه هي النقطة التي يعلق فيها الطرفان. عن السؤال "هل اندلاع العنف وسقوط هذا العدد الكبير من المصابين سيساعدهم على التحرر من الطريق المسدود المشترك بينهما؟"، سنتلقى الرد في الأسابيع القريبة القادمة، على الأرجح هذا لن يحدث.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر