اللغة : العربية

هآرتس / حمام دماء معروف مسبقًا

15 أيار / مايو 2018

بقلم: عاموس هرئيل

 

عند السفر الى حدود القطاع في ساعات الصباح من جهة نتيفوت، كان يمكن رؤية أعمدة الدخان وهي تتصاعد في الفضاء. في الساعات التي أعقبت ذلك تراكم دخان الاطارات المشتعلة في أكثر من عشر نقاط تظاهر على طول حدود القطاع، من المنطقة الواقعة مقابل موشاف نتيف هعيسري في الشمال وحتى حدود رفح وكرم أبو سالم في الجنوب.

جولة المظاهرات الثانية التي قادتها حماس منذ بداية الموجة الحالية في 30 آذار، جرت أمس. أحد الدروس التي استخلصها المنظمون كانت تتعلق بالحاجة الى توسيع الاحتكاك على مساحة كبيرة وعدد أكبر من البؤر من اجل التصعيب على اسرائيل مواجهتها. الجيش الاسرائيلي استعد لذلك: 13 كتيبة بمساندة الشرطة تم نشرها على طول الحدود، حيث ضابط كبير نسبيا برتبة قائد كتيبة وما فوق، مسؤول عن كل المنطقة. الجيش أوقف تماما تدريب الوحدات النظامية في هذا الاسبوع ووجه القوات نحو القطاع، وبدرجة أقل نحو الضفة الغربية.

المتظاهرون الفلسطينيون تجمعوا ببطء. في الساعة الثانية عشرة ظهرا أحصى الجيش الاسرائيلي عددهم بـ 10 آلاف شخص، وكذلك قوة الصدام كانت صغيرة نسبيا. ولكن حينها حدث تغيير: عشرات آلاف من السكان الآخرين تدفقوا نحو الحدود حيث وصل عددهم في ذروة المظاهرة كما يبدو الى 40 – 50 ألف شخص، وفي نفس الوقت زادت قوة الاحتكاك. بضع مئات من المتظاهرين حاولوا الوصول الى الجدار، ولأصوات انفجار قنابل الغاز المسيل للدموع انضمت بشكل تدريجي نار القناصة. حسب الجيش الاسرائيلي، حماس دفعت للسكان من اجل الوصول الى الجدار واهتمت بمشاركة نساء شابات ودمجهن في الصفوف الاولى من المظاهرات. في ثلاث حالات اصاب الجنود خلايا مسلحة حاولت زرع عبوات ناسفة، وهذه الخلايا أطلقت النار على جنود الجيش الاسرائيلي.

وبواسطة منظار من مواقع مراقبة متغيرة على بعد بضع مئات من الامتار عن الجدار كان يمكن ملاحظة رؤية أن الامر يتعلق بحادثة مخطط لها ومسيطر عليها من قبل حماس. الجمهور الذي تجمع قرب معبر كارني قرب كيبوتس ناحل عوز بدأ فجأة يتحرك في قافلة منظمة، بالقرب منها سارت الدراجات النارية جنوبا على طول الحدود. القافلة الراجلة توقفت على بعد نحو 2 كيلومتر من هناك وعندها اعادت تنظيم نفسها امام ساتر من التراب تم نشره قرب خلايا للقناصة الاسرائيليين. خلال دقائق بدأت المواجهات في المكان وسارعت سيارات الاسعاف للوصول والانتشار من الخلف، انتظارا لإخلاء المصابين الاوائل.

التواجد العسكري المتعاظم برز في هذا اليوم، تقريبا في كل مكان تمت رؤية الجنود، القناصة تموضعوا على طول الجدار وخلفهم قوات نشرت في حقول الكيبوتسات والبلدات. من الخلف، في مواقف السيارات، انتظر رجال الوحدات الخاصة للشرطة استدعاءهم، الذين كان عليهم علاج اقتحام الجمهور للجدار والتحرك الى داخل الاراضي الاسرائيلية، اذا حدث ذلك. لكن هذا لم يحدث، إلا أنه على طول الجدار اصيب الكثير من الفلسطينيين.

حتى المساء حيث غادر المتظاهرون بتوجيه من حماس، تم احصاء 55 قتيل فلسطيني على الاقل ومئات المصابين بالنار الحية وبضع مئات من المصابين من استنشاق الغاز. على الارض تم اطلاق كمية كبيرة من الغاز، لكن هذا تبدد بسرعة في المناطق المفتوحة، مثلما في المظاهرات السابقة. يبدو أن تأثيره كان ضئيلا وبشكل مؤقت. نار القناصة كانت الوسيلة الاساسية التي استخدمت، وعدد المصابين في اليوم الدموي الاصعب منذ عملية "الجرف الصامد" في صيف 2014 كان مرتفعا.

 

مجال مناورة يبلغ عشرات الامتار للقناص

كل ذلك جرى بصورة مشابهة جدا للتوقعات المسبقة: حماس اعلنت بالضبط ما الذي تخطط له في منتصف أيار، حتى منذ نهاية آذار، والاستخبارات الاسرائيلية قدرت بدقة المتوقع حدوثه في هذا اليوم. العدد المرتفع للقتلى الفلسطينيين سيثير الآن الانتقاد في الساحة الدولية من عدد من الدول. دول اخرى مثل الادارة الامريكية الحالية اصبحت غير مبالية تماما بهذه التطورات. ستطرح بالتأكيد ايضا تساؤلات حول اجراءات فتح النار للجيش الاسرائيلي.

ولكن بعد عدد من الزيارات للحدود، يصعب انتقاد القناصة أو قادتهم المباشرين. اذا عدنا الى التعبير الفظ الذي كان محببا على رئيس الحكومة اريئيل شارون، الشخص الذي قام بإخلاء المستوطنات من القطاع، الكثير من المتظاهرين جاءوا الى هنا بتشجيع من حماس، وكأنه سيناريو معروف مسبقا. هكذا تم زج المتظاهرين الى خط النار، ولم يبق للقناصة الكثير من مجال المناورة.

فقط بضع عشرات من الامتار تفصل بين الحواجز الترابية ومواقع القناصة، على الجدار الموجود خلفهم. مسافة اخرى تبلغ بضع عشرات من الامتار تفصل بين الجدار والخط الذي تجمع فيه المتظاهرون والذي منه خرج في كل مرة شباب نحو الجدار نفسه. إطلاق النار من مسافة قصيرة جدا، لا سيما عندما يكون الجمهور متحرك، فان عدد كبير من المصابين هو أمر لا مناص منه.

السؤال الاساسي لهذا هو ماذا فعلت اسرائيل لمنع حمام الدماء هذا قبل أن يحدث. هنا السؤال هو أنه تقريبا لم يتم فعل شيء. منذ بضعة أشهر أذرع الامن تحذر من أن وضع البنى التحتية والاقتصاد في قطاع غزة بائسة. البطالة مرتفعة ومعها ايضا مشاعر الاحباط والغضب. ومن المعروف ايضا أن حماس توجد في ضائقة استراتيجية لا سابق لها: المنظمة لم تعد تتحمل العبء الاقتصادي لادارة القطاع، ضمن امور اخرى، بسبب أنها تصمم على استثمار الاموال الهائلة في ذراعها العسكري. علاقة المنظمة مع السعودية ومصر سيئة، وكل جهود المصالحة مع السلطة الفلسطينية فشلت. كان من الواضح بناء على ذلك أن حماس تعتبر المظاهرات بغطاء احتجاج شعبي تلقائي طريقة للخلاص من الشرك القائم، حتى بثمن حياة العشرات الذين سيقومون باقتحام الجدار تحت نار القناصة.

ولكن خلال هذه الفترة تسلح رئيس الحكومة ووزير الدفاع بوثيقة أمنية، حددت أنه حتى الآن لا توجد ازمة انسانية في القطاع – فقط "وضع انساني غير سهل". عندما تحسست حماس بشأن الهدنة، أي وقف طويل المدى لإطلاق النار، بوساطة قطرية وغيرها، ردت اسرائيل بالسلب. ويحتمل جدا أن هذا العرض لم يكن صادقا أو لم يكن سيثمر عن أي شيء، لكن في نهاية المطاف اسرائيل تقريبا لم تحرك ساكنا من اجل التخفيف من أزمة القطاع. ما يحدث على طول الجدار كان يعتبر كارثة معروفة مسبقا. في اسرائيل تبنوا خط حتمي يقضي بأنه اذا حدث ذلك فهذا اشارة على أنه كان سيحدث.

هذا لم يشوش على الابتهاج بالعيد الذي ساد أمس في بث القنوات التلفزيونية. من احتفال افتتاح السفارة الامريكية في القدس وبعد ذلك الاحتفالات بالفوز في الايريفزيون في تل ابيب. الواقع الاقليمي يبدو لنا الآن وكأنه يأتي من داخل ثلاثة اقسام لشاشة مقسمة، التي بصعوبة ترتبط ببعضها. في غزة الجهاز الصحي ينهار تحت عبء التعامل مع مئات المصابين، في كيبوتسات وبلدات غلاف غزة يخشون من القادم، في القدس قسيسين وحاخامات يشكرون الله والرئيس الامريكي ترامب على هذا اليوم التاريخي. وفي تل ابيب يحتفلون وكأنه لا يوجد غد.

         

عامود الدخان المنفرد في الضفة

بعد ظهر أمس قرب حاجز قلندية في شمال غرب القدس تصاعد فقط عمود دخان منفرد. كان ذلك هو موقع الاحتجاج الاكبر في الضفة الغربية، وهو لم يثر انطباع كبير مقارنة مع احداث القطاع. في ذروة المظاهرة الفلسطينية تم احصاء حوالي 1800 شخص مشارك، الذين عدد صغير منهم تصادم مع القوات الاسرائيلية. الضباط المجربون من الجيش وحرس الحدود تعاملوا مع المظاهرة بسهولة. المسافة التي كانت تفصل بين الطرفين تم الحفاظ عليها ورشق الحجارة تم الرد عليه بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع. وقد اصيب عدد من المتظاهرين.

الضفة الغربية ترد في الوقت الحالي بلامبالاة نسبية. ليس السفارة وليس عشرات القتلى في قطاع غزة أخرجت في هذه الاثناء الجمهور الى الشارع. في القطاع الوضع مختلف، التصريحات الاولية لزعماء حماس في غزة بعد القتل في هذا اليوم لم تظهر اشارات على التراجع أو اعادة التفكير. اليوم يصادف احياء ذكرى يوم النكبة وبعده يبدأ شهر رمضان.

في سنوات الانتفاضات، عندما كان يسجل عدد كبير من الخسائر، كانت المنطقة تشحن بطاقة قوية وعشرات الجنازات أدت الى المزيد من المواجهات والمظاهرات. هذا من شأنه أن يحدث الآن ايضا، ومن شأنه ايضا أن يؤدي الى اعادة إطلاق الصواريخ، وهي خطوة امتنعت الفصائل الفلسطينية عن القيام بها في الاشهر الاخيرة، كما يبدو بتوجيه صارم من حماس.

أمس خرج وفد حماس برئاسة اسماعيل هنية الى القاهرة وعاد من هناك بعد وقت قصير. وكما هو معروف، بدون نتائج. يبدو أنه مطلوب الآن تدخل الدول العربية وعلى رأسها مصر، اذا كانت النية هي الامتناع عن استمرار التصعيد الذي يمكن أن يتضمن اطلاق الصواريخ على جنوب البلاد، وفي اعقابه قصف اسرائيلي.

 

انشر عبر

متعلقات

هآرتس / معضلة الفم الكبير

الخميس, 18 أكتوبر 2018

هآرتس / اتفاق أوسلو المسكين

الإثنين, 08 أكتوبر 2018

هآرتس / حماس عقلانية

الأحد, 07 أكتوبر 2018

هآرتس / نقطة ضعف على حدود غزة

الأحد, 23 سبتمبر 2018