اللغة : العربية

غزة .. كابوس الحلم الصهيوني

14 أيار / مايو 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

اليوم تصل جُمع مسيرات العودة ورفع الحصار إلى ذروتها، في يوم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة؛ وبهذا فإن مسيرات العودة نجحت حتى الآن في الربط بين أهدافها المحلية (رفع الحصار) وبين الهدف الأسمى والأنبل والوطني العام، وهو التصدي لمؤامرة نقل السفارة وصفقة القرن وإرسال الرسالة الأهم للشعب الفلسطيني إلى كل العالم بأن شعبنا وقضيته لن يموتا، ولن يطويهما الزمن، مهما تكالب عليهما الأعداء وعظمت موجة المتآمرين.

وبرغم أن الرد كان يجب ان يكون فلسطينيًا تنصر فيه كل الإرادة الفلسطينية، لا بل العربية والإسلامية؛ إلا أنه لظروف مؤسفة فلسطينية وعربية، لم يتبقّ من يحمل الراية بقوة ويشرع رأس الحربة سوى جمهور القطاع، نظرًا لخصوصية الحالة الوطنية وخصوصيات ظرفية أخرى.

لذا فإن العيون والقلوب وعدسات التصوير ستوجه للقطاع، للميدان الحقيقي للرفض والتمرد والثورة، لرصد كيف يثور بركان الشعوب مفجرًا طاقاته ونافثًا حممه الملتهبة، وكيف يصنع المستحيل، وكيف لكفٍ يهزم المدفع، وكيف يمكن لهذا الصوت أن يفجر هذا الليل حالك الظلام مبشرًا بانبلاج الفجر، وقدوم موسم زرع التفاؤل والأمل.

غزة اليوم هي ذلك البطل التراجيدي والتاريخي الملهم، وهي الصغيرة سيستطيع العالم ان يرى قبضتها وسيغرقه شعاعها، وربما أكثر من يفهم مكانة غزة في التاريخ وقدرتها اللا معقولة في إحداث التغيير أو على الأقل التخريب على كل المتآمرين مهما بلغت قوتهم؛ هي دولة الكيان الصهيوني، فقد قال سابقًا أحد قياداتهم في لحظة من نشوة الانتصار ان الفلسطينيين ليسوا أكثر من شظية صغيرة في مكان جيب شحمي في الجسم، يزعج لكنه محتمل، واليوم يعرفون أكثر من غيرهم ان غزة هي كابوس الحلم الصهيوني، وهي أكبر وأعظم منهم، وكل انتصاراتهم وتقدمهم وإنجازاتهم وقدراتهم تقف عاجزة مشلولة أمام بوابات غزة، أمام الروح الملتهبة، العزة والرفض والثورة، التي لم تنطفئ ولن تطفأ.

تحتار إسرائيل ماذا يمكن ان تفعل مع غزة، ومع مقاومتها الشعبية التي تهدد بأن تتحول إلى انتفاضة تمتد نيرانها إلى الضفة، وتعيد تدفق الدماء إلى شرايين الجسد الفلسطيني، الذي يراهن الإسرائيليون ان الإعياء أنهكه وأوهنه، وبات مسلمًا للقدرية دون القدرة على التغيير والتأثير في ظل التسونامي الصهيوأمريكي، فالانتفاضة الشعبية والدفع بطاقات الجمهور إلى الميدان وإلى المواجهات الأسبوعية، وتحول مثل هذه المواجهات إلى عمل مستمر ودائم هو ربما من بين أكثر الأشياء التي تخشاها إسرائيل.

الانتفاضة الغزية بشكلها الحالي تعتبر سلاحًا وتحديًا جديدًا ومهمًا، حيث يمكن الشعب من الاستمرار بها وتحمل أثمانها وينزع عن المحتل شرعية قمعها والفتك بها، وتدريجيًا وبعد وقت ما لابدّ أن تؤتي أولى ثمارها عندما سيبدأ الصدع ويتحول إلى كسر، ومن بين كل خياراتها فإن إسرائيل كانت ستختار ان تجرنا إلى المربع العسكري، وما لاحظناه في الأيام الأخيرة أنهم يرغبون بذلك عبر أعمال القصف والاستفزازات العنيفة.

وكل ما يعلنه ليبرمان وزبانية تل أبيب وغرينبلات وغيرهم من رفض لأي حديث عن رفع الحصار قبل نزع السلاح والاستجابة لشروط الرباعية هو مجرد شعارات هدفها التغطية على القلق الحقيقي والتغطية على مساعيهم الحثيثة لاحتواء الانتفاضة، وهم يدركون أنهم في مأزق حقيقي، ولابدّ لهم من البحث عن مخارج، وهذا ما كتبه ناحوم برنياع في صحيفة "يديعوت احرونوت" عن خيارات إسرائيل المحدودة تجاه القطاع، والتي من بينها التعامل مع الحكم القائم في غزة كأمر واقع أو تشجيع عودة السلطة إلى القطاع لتتحمل مسؤولياتها.

هذا القلق الإسرائيلي والشعور بالارتباك والاضطرار للبحث عن حلول هو ما دفع غرينبلات لتخصيص جهده ووقته وتغريداته للقطاع، وهو في الحقيقة أمر مستغرب في ظل انشغالاته الكبيرة المفترض أنه "غرقان إلى أذنيه" بها، فقد وجد وقتًا ليلتقي بوزير المخابرات المصرية عباس كامل فقط ليتحدث معه عن غزة، وخصص مقالة في "نيويورك تايمز" للحديث عن غزة، وقبل ذلك عقد مؤتمر عصف فكري في البيت الأبيض.

خلاصة القول ان غزة في يومها، يوم فلسطين، هي صانعة الحدث الأعظم، وهي عنوان لكل ثائر مجاهد، وعنوان لانتصار الإرادة على قوة الباطل مهما عظمت، الشعب اليوم يسطر أعظم صفحات البطولة ويفشل أخطر المخططات؛ لكن الأهم ان يكون اليوم فاتحة لاستمرار وانطلاق انتفاضة التحدي والانتصار، انتفاضة إرادة الشعب بوسائل الشعب، وألا نستعجل الحصاد.

انشر عبر