اللغة : العربية

تل أبيب في مرحلة حسم الملفات

10 أيار / مايو 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

كان مساء الثلاثاء بالنسبة لشعوب المنطقة مساءً دراماتيكيًا ممزوجًا بالتوتر والترقب والشعور بأننا أمام مرحلة نوعية؛ ما بين خطاب ترامب الذي أمر بالتنصل من الاتفاق مع إيران وإعادة فرض عقوبات قاسية عليها، وبين النشر الإسرائيلي المتواتر عن توتر عالٍ في الشمال وفتح للملاجئ وقصف لاحق لأهداف داخل سوريا، وكلا الحدثين أو الأمرين مرتبطان ببعضهما البعض، وهما مرتبطان بالدور العدواني والمهيمن لإسرائيل، والمتطلع نحو فرض نفسها على المنطقة كقوة امبريالية صاحبة هيمنة ونفوذ دون أي منازع أو منافس، والمتطلعة أيضًا نحو إعادة تشكيل المنطقة بما يمكنها من تحقيق مصالحها.

منذ وقت، انتقلت السياسات الإسرائيلية من موقع الديبلوماسية المغلفة بالكثير من العلاقات العامة إلى ديبلوماسية مستفزة ووقحة، تتحدث مباشرة بلغة الأنياب والمخالب دون أن تداري أطماعها، ديبلوماسية تتحدى عواصم القرار الغربي، بما في ذلك البيت الأبيض في عهد أوباما، طبعًا مستندة إلى لوبيات ومنظومات وقوى علنية وخفية تؤمّن لها كل الدعم والإسناد، وتشاركها في الأجندة المسيانية المجنونة، فالقوى الصهيونية التي تحكم تل أبيب اليوم مصابة بحماس أيديولوجي صهيوني توراتي قوي، يحلق على أجنحة الشعور بسكرة القوة، فيقود سياسات متطرفة ومتسرعة ومقامرة على كل الجبهات في آن واحد، دون مراعاة لأية حسابات، فنجد ذات السياسات المتطرفة والمنفلتة في الضفة وغزة وسوريا وإيران، فيستمر الاستيطان وتهويد القدس والتنكر للتسوية وصم الآذان عن مناشدات المجتمع الدولي الخجولة، ويستمر الحصار والقتل على جبهة القطاع، والطلعات الجوية والقصف على سوريا وصل إلى حد الاستباحة اليومية، بما في ذلك استهداف ما تسميه بالوجود الإيراني، وعدم نفي قيامها باستهداف عدد من العسكريين الإيرانيين.

إسرائيل التي لا تعرف سوى لغة القوة تشعر بأنها الوحيدة التي تملك حق الحديث والكلام، حيث ان هذا الحق مكفول فقط لأصحاب القوة، وما تقوم به في هذه المرحلة وما تقوم به من عربدة هو لرغبتها الشديدة بحسم معظم الملفات قبل ان تغلق نافذة الفرصة التاريخية التي تعتقد بأنها مشرعة لها الآن في ظل نفوذها وقوتها والضعف الفلسطيني والتفكك العربي والإسناد الترامبي الكبير لها؛ حسم ملف القضية الفلسطينية بالقضاء على ممكنات إقامة كيانية فلسطينية في الضفة يمكن ان تتحول إلى دولة، بما في ذلك، وقبل كل ذلك بحسم قضية القدس واللاجئين والأرض والحدود والسيادة، ومن يحكم غزة يجب ألا يشكل تحديًا، لا أمنيًا ولا سياسيا، لا حاضرًا ولا مستقبلًا، فلا أمل للحياة في القطاع بعيدًا عن التوافق معها، وحسم ملف الجولان وسوريا والتحدي الإيراني، سواء ما يتعلق بالنووي أو الصاروخي أو النفوذ الإقليمي، فضلًا عن حسم العلاقة مع النظام الرسمي العربي لصالح التسليم العربي بالهيمنة الإسرائيلية والتخلي عن قضية العرب المركزية.

إسرائيل - التي وصفها بيرس بأنها في أحسن أحوالها يمكنها ان تكون دولة عظمى لساعات فقط بدون المساندة والدعم الأمريكي - هي في حقيقة الأمر أقل من ذلك بكثير، فيما لو لم نكن بمثل ضعفنا وتفككنا، فحتى الموقف الترامبي الذي يمنح تل أبيب كل هذه القوة والوقاحة ما كان له ان ينفلت لسانًا وسياسة ويدًا ضد العرب وقضاياهم وضد سائر المنطقة لو اتخذ العرب موقفًا فيه الحد الأدنى من الكرامة والاستقلال والتعبير عن السيادة والثقة بالنفس، فالرئيس الأمريكي ترامب نفسه هو الأكثر تقديرًا للقوة وللمواقف التي تستند لها.

إسرائيل ألحت وحرضت على الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما سوية مع الدول الكبرى مع إيران بعد أكثر من سنتين من المفاوضات، غير آبهة بتداعيات الأمر وكيف أنها تجر العالم كله إلى المزيد من التوتر والاحتقان الدولي، فضلا عن خطورة الشعور بانتشار حالة دولية من الاستخفاف والاستهتار بالاتفاقات الدولية وبالمنظومات السياسية والقانونية الأممية التي ترعى وتضمن الالتزام بهذه الاتفاقات، وهي (أي إسرائيل) لا يبدو أنها تخشى أن تتحمل تداعيات ومسؤوليات هذا الاستخفاف أمام الرأي العام الدولي، بالإضافة إلى حالة الحرج والارباك الكبيريْن اللذيْن تسبب بهما إعلان ترامب للحكومات الغربية التي أعلنت أنها متمسكة بالاتفاق ولديها شركات عادت للعمل في إيران بعد توقع الاتفاق، فكيف ستتصرف هذه الدول وقد منحها ترامب ستة أشهر لوقف نشاط شركاتها في إيران قبل ان تتعرض هي الأخرى لعقوبات اقتصادية؟

إن السياسات والمصالح والعربدة الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا باتت بشكل واضح تشكل خطرًا على السلم والاستقرار الدولييْن، وهذا ما يجب ان يفهمه العالم الذي أصبح حقيقة ينوء تحت أعباء نزوات تل أبيب.

ان صهيونية عصابة تل أبيب المنفلتة تفرض علينا، فلسطينيين وعرب ومسلمين، ان نرد لها بذات اللغة التي تفهمها، وهذا لا يعني بالضرورة ردًا عنيفًا مباشرًا، بل رد يعزز ويساعد في بناء ممكنات قوتنا وقوة موقفنا، فالمصالحة هنا هي رد قوى ويبني منظومة قوتنا، وبناء ما أمكن من موقف عربي رسمي وشعبي هو تعزيز للقوة، وحكمة الرد الإيراني بعدم الانسحاب من الاتفاق وعدم منح الدول الغربية فرصة للتنصل من التزاماتها والتحرر من الحرج أمام الموقف الأمريكي هو أيضًا تعزيز للقوة وتطويق للموقف الأمريكي - الإسرائيلي. أما على الساحة السورية فلابدّ من رد تكتيكي مؤلم لحماية سوريا من الاستباحة العدوانية الإسرائيلية التي قد تتحول إلى عدوان يومي روتيني.

انشر عبر