اللغة : العربية

ولاية ثانية للرئيس السيسي: شرعية في أزمة

08 أيار / مايو 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: أوفير فينتر وخضر سواعد

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

كما كان متوقعًا، فاز عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية في مصر، التي أجريت في منتصف مارس، بأغلبية 97.08% من الأصوات. نسبة التصويت كانت 41.05% فقط (مقابل 47.5% في انتخابات 2014 و51.85 في انتخابات 2012)، وذلك رغم أن الانتخابات استمرت ثلاثة أيام ورغم التهديدات، اتضحت أنها تهديدات فارغة، بتغريم كل من لا يمارس حقه في التصويت بمبلغ 500 جنيه مصري (حوالي 28$، سدس متوسط الراتب الشهري في مصر). معنى ذلك أنه من بين 59.07 مليون شخص له الحق في التصويت، 37.8 مليون شخص لم يدلوا بأصواتهم للرئيس الحالي. عدد الأصوات اللاغية كانت الأعلى في التاريخ المصري (7%، أكثر من 1.7 مليون صوت)، وترك أغلب الشباب المصري صناديق الاقتراع. المرشح المنافس، موسى مصطفى موسى، توقف عن اعلان دعمه للسيسي بعد أن انضم للسباق، ونُظر لترشحه كمحاولة لخلق ما يشبه انتخابات تنافسية. المرشحين الأكثر أهمية استُبعدوا، اعتُقلوا أو توصلوا لنتيجة أنه من الأفضل لهم أن يلغوا ترشحهم.

الانتخابات، بنتيجتها هذه، أكدت أزمة الشرعية التي يعاني منها الرئيس المصري الحالي أكثر مما منحه التوكيل الانتخابي. هدفه المركزي، نسبة تصويت عالية، خصوصًا في صفوف أبناء الجيل الشاب، لم تتحقق، وثبت أن حملة دعم ترشحه كان لها تأثير ضئيل. الوعدان الرئيسيان اللذان اعتمد عليهما السيسي هما شرعية حكمه في ولايته الأولى، اعادة الاستقرار الأمني وتحقيق رفاهية اقتصادية، لم يتحققان بعد، وتآكلت مصداقيتهم إلى حد كبير. الشرعية "الايجابية" التي كانت مدفونة على أمل تحسين واقع حياة المواطنين في مصر استبدلت تدريجيًا بشرعية "سلبية"، معتمدة على عدم وجود بديل جذاب، القلق من تدهور الوضع لفوضى (كما حدث في سوريا، ليبيا أو اليمن)، وفرض التخويف على جهات المعارضة.

أزمة الشرعية للنظام المصري، حسبما كُشفت في الحملة الانتخابية، ظهرت على مستويين: الأول، في تعميق الانقسامات الداخلية داخل المؤسسة العسكرية الحاكمة، والثاني، بزيادة النفور بين المؤسسات الحاكمة والجمهور المصري الواسع ومسؤولي المجتمع المدني. إن تقويض الشرعية يحمل بداخله تحديات معقدة بالنسبة للرئيس المصري مع بداية ولايته الثانية، وتستوجب تخطيطًا مناسبًا من قبل صناع القرارات في المجتمع الدولي واسرائيل.

 

تقويض ركائز شرعية النظام

إن الوقوف المتوحد لأجهزة الأمن وراء النظام اعتبر حتى وقت قريب أحد أسباب قوته، لكن في الأشهر التي سبقت الانتخابات ظهرت دلائل تؤكد وجود خلاف داخلي بينهم. الدليل الأول ظهر بإقالة رئيس الاركان محمود حجازي، ورئيس المخابرات العامة خالد فوزي، في أكتوبر 2017 ويناير 2018، على التوالي. جاء هذا بعد تقارير حول اقالة المئات من أفراد المخابرات العامة منذ 2013 في سبيل تعيين شخصيات موالية للسيسي من المخابرات العسكرية (من بينهم رئيس مكتب الرئيس عباس كامل، الذي حل محل فوزي). علاوة على ذلك، اثنان من رؤساء المنظومات العسكرية المصرية السابقين، قائد سلاح الجو ورئيس الحكومة السابق، أحمد شفيق، ورئيس الأركان السابق سامي عنان، تحديا السيسي وطالبا الترشح للرئاسة. حسب تقديرات مختلفة، إن ترشحهم يعكس الصدوع التي ضربت قاعدة الدعم العسكري للرئيس.

البديل الذي قدماه شفيق وعنان لم يكن شخصيًا فقط بل جوهريًا، وكان هدفه تخفيف العزلة المدنية المتزايدة تجاه المؤسسة العسكرية التي تبحر في طريق المصريين منذ يوليو 2013. كثير من القوات المدنية التي دعمت خلع الرئيس مرسي على يد السيسي شعروا بالاستياء من الاستبداد الذي يمارسه نظامه، الذي دفع تأثير الجهات غير العسكرية خارج منظومة صنع القرارات. مع ترشحه، تعهد عنان بالحد من الدور المركزي للجيش في إدارة شؤون الدولة لصالح باقي الجهات ومشاركة القطاع المدني. سارع السيسي، من جانبه، لإحباط محاولات ايجاد بديل سياسي أمامه مما قد يقسم صفوف الجيش، وتحولت الانتخابات الرئاسية أشبه باستفتاء لاستمرار ولايته. الشخصيات العامة، التي دعت لمقاطعة انتخابات من هذا النوع، تم وصفهم من قبل النظام بأنهم "أعداء مصر"، ووصف التعاون معهم بأنه "استجابة لمؤامراتهم".

كجزء من دروس الانتخابات الرئاسية وقبيل الانتخابات البرلمانية المصرية التي ستعقد في 2020، يعمل السيسي على تشكيل حزب يمنح له قاعدة دعم سياسي مدني أكثر متانة. ومن المفترض أن يساعده ذلك في إحداث تغيير دستوري لإزالة القيد الذي يحصر الفترة الرئاسية في مصر في ولايتين وتمديد كل فترة ولاية لستة سنوات بدلًا من أربع. اليوم، البرلمان المصري مكون من 596 عضو، أغلبهم مستقلين. الباقي مقسمون بين 19 حزب، أغلبهم مكون من أقل من خمس مقاعد. ونتيجة لذلك، بقيت المنظومة السياسية المصرية منقسمة ومتشققة، حيث يقف وراء الرئيس ائتلاف "دعم مصر" الذي يصل عدده 370 عضو. لقد بدأت مؤخرًا مفاوضات لتشكيل ائتلاف الحزب، لكن هناك شك إن كانت خطوة كهذه ستساهم في تعزيز الشرعية للنظام، طالما أنها لا يرافقها حرية تنظيمية موازية لقوات حزبية منافسة.

 

تداعيات ذلك على المجتمع الدولي وإسرائيل

إن شرعية النظام المتزعزعة ليست مشكلة مصر وحدها، بل هي مصدر قلق اقليمي ودولي. إذ أنها ستضر بقدرات النظام على تطبيق المراحل القادمة في خطة الاصلاحات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي، والتي يتوقع أن تشمل قرارات مؤلمة جديدة في تخفيض الدعم ورفع أسعار المنتجات والخدمات، وبالطبع ستصعب من جهوده لتحقيق تعاون في محاربة الارهاب من ناحية السكان المدنيين المحليين في شبه جزيرة سيناء. تفاقم الاحتكاك الداخلي في المجال العسكري المصري والتوتر بين المؤسسة الحاكمة وبين القوات المدنية قد يجر، على المدى المتوسط والبعيد، مصر لدوامة سياسية أخرى، تهدد استقرار الدولة.

بناء على ذلك، على أصدقاء مصر، خصوصًا الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، أن يحثوا الرئيس المنتخب على تصميم عقد اجتماعي جديد في ولايته الثانية، ديمقراطي وأكثر شمولية. يجب أن يشمل هذا العقد كفاح شجاع للفساد، تعامل مع احتكارات اقتصادية، فتح المجال السياسية أمام قوى متنوعة، توسيع حرية التعبير عبر الاعلام وزيادة الشعور بالمشاركة للمواطنين المصريين في تشكيل مستقبل وحاضر أبنائهم.

تؤثر أزمة الشرعية أيضًا على علاقات مصر مع إسرائيل. النظام المصري بحاجة لشرعية عامة واسعة من أجل فرض مجازفات سياسية، مثل تلقي قرارات مثيرة للجدل لتعزيز التعاون الثنائي أو الاقليمي مع اسرائيل. كما أن نظام ذو شرعية مهزوزة قد يتبنى خط شعبي معادي لإسرائيل بهدف تقوية وضعه السياسية، وسيصعب عليه التوسط بشكل متوازن وفعال بين اسرائيل والفلسطينيين وممارسة الضغط على قيادة فتح وحماس للتوصل لتنازلات وتسويات.

في الوقت نفسه، يستلزم الواقع السياسي في مصر فرصًا لتعزيز التعاون الثنائي بينها وبين اسرائيل، في مجالات تساهم في شرعية النظام، مثل الاقتصاد، الأمن، الطاقة، المياه، الزراعة والسياحة. وفي استطلاع أجراه معهد واشنطن في نهاية 2017 ظهر أن 29% من المصريين يدعمون التعاون مع اسرائيل، حتى بدون استئناف عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية، حيث أنه يتوقع أن ترتفع هذه النسبة لو حدث تقدم في العملية امام الفلسطينيين. حقيقة أنه لم يحدث احتجاج شعبي واسع حول توقيع اتفاقية الغاز بين البلدين في فبراير 2018، تعتبر علامة مشجعة على أن الجمهور المصري مهيأ لتعزيز العلاقات مع اسرائيل حول قضايا مشتركة ذات أهمية.

أخيرًا، من الأفضل لإسرائيل أن تعمل كي لا يعزز التعاون بينها وبين النظام المصري صورتها العامة في صفوف أوساط المعارضة في مصر ك "حليف للطاغية". لذلك عليها أن تسعى، بقدر المستطاع، لإجراء حوار مع لاعبي سلام موجودين خارج دائرة الحكم، والتوضيح، من بين عدة امور، من خلال رسائل باللغة العربية في الشبكات الاجتماعية رغبتها بتعزيز علاقات جيران جيدة مع كامل المنظومة السياسية والمدنية في مصر.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر