اللغة : العربية

دوافع العربدة الإسرائيلية

03 أيار / مايو 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

من شدة استفزازات إسرائيل لإيران، يكاد المرء يسأل: ماذا يمكن لإسرائيل أن تفعل أكثر من ذلك لتستفز إيران وتستدرجها إلى رد فعل انفعالي خارج عن سياقات السياسات الإيرانية؟ إن صورة السلوك الإسرائيلي المعربد في الأسابيع الأخيرة يكاد ينطبق عليه قول الشارع "دمها فايع وتبحث عن طوشة"، تقصف هنا وهناك، وتهدد وتتوعد وتحرض، ولا تحسب أي حساب؛ لكن ربما هذا هو فقط الظاهر من الصورة دون ان يعكس حقيقة التفاعلات داخل الصورة، فربما تكون هذه العربدة الظاهرة سياسة محسوبة بدقة وحذر - وهو الاحتمال الأكبر - سياسة بُنيت على قراءات إسرائيلية على مختلف الجبهات، ونابعة من مخاوف مستقبلية كبيرة، فاختارت الاستباق والحسم وتغيير الأدوات وتركيز الهجوم السياسي لاستثمار اللحظة النادرة أو الفرصة التاريخية لوجود ترامب في البيت الأبيض.

على مستوى سياساتها العدوانية من قصف وتهديدات وقتل، فالأمر ربما يعكس عنترية عسكرية، لكنه يظهر بشكل واضح ضعفًا سياسيًا ومخاوف كبيرة من أن الفلسطينيين اكتشفوا "عقب أخيل" الصهيوني، وفي نفس الوقت اكتشفوا مراكز قوتهم ومفاعلات الطاقة الكفاحية المتجددة، وهنا وجد اليمين الصهيوني - الذي يصر على العدوان ويتمسك به ويكابر ويقامر بتمسكه بالحصار - أن العنترية العسكرية واستدراج المقاومة للمربع العسكري هي الحل الأسهل للالتفاف على انتفاضة العودة ورفع الحصار ووأدها، حتى لو بثمن حرب واسعة، فخيار الحرب إسرائيليًا أفضل من خيار مواجهة حالة استنزاف مستمرة من قبل جماهير شعبية تحظى بشرعية ولا يحظى قاتلها بأدنى شرعية.

وخوفها الأكبر ليس فقط من ذروة الزحف الشعبي في ذكرى النكبة، بل من أن تنجح شرارة الانتفاضة في الانتقال إلى مدن الضفة، وما سيخلقه ذلك من تحديات سياسية لحكومة اليمين التي استطاعت حتى الآن - لأسباب لا نريد ذكرها هنا - أن تنجح مشروعها الاستيطاني والتهويدي بشكل فاق توقعاتهم، بل إنهم حققوا في ظل الاستيطان نجاحًا في الساحات الدبلوماسية والعلاقات الإقليمية والدولية، وهم وبخبرتهم يعرفون ألا شيء يحشرهم ومشروعهم في الزاوية ويوقف عجلة نجاحاتهم سوى الإرادة الشعبية الفلسطينية.

رغم أهمية وحيوية وخطورة جبهة غزة على إسرائيل، بما تمثله من تحديات؛ إلا ان إسرائيل تضع ثقلها وضغطها وأولوياتها على ما يسمى بالجبهة الإيرانية، والتي تشمل حسب إسرائيل من طهران وحتى بيروت، مرورًا بدمشق، بالإضافة لليمن والقطاع مع التركيز إلى درجة الدمج بين الملف النووي و"النفوذ الإيراني" في سوريا، فإسرائيل تضغط بشكل هستيري على العالم، مستغلة وجود ترامب وقرب اتخاذ قراره بشأن العقوبات في 12 مايو الجاري، تضغط لكي يقوم العالم الغربي بقيادة أمريكا بحسم الملف الإيراني لصالح إسرائيل، قبل أن يصبح الأمر متأخرًا على الحسم، ومن ناحيتها فلديها الوقاحة الكافية لتطالب العواصم الغربية بأن تدفع ثمن الهواجس والأطماع الصهيونية.

وما قام به نتنياهو يوم الاثنين من استعراض تلفزيوني درامي لفيلم جيمس بوند الإسرائيلي والملف النووي الإيراني المزعوم، حيث استعرض نتنياهو بشكل مستفز للعالم الغربي وبلغة انجليزية موجهه للرأي العام الغربي من فوق رأس الزعماء الغربيين لتحريضهم على زعمائهم وللضغط على ساركوزي وميركل وماي والاتحاد الأوروبي للانصياع لمطالب وتوجهات ترامب، كما استهدف خطابه التأثير على الأمريكيين (جمهوريين وديموقراطيين) ليدعموا قرار ترامب المتوقع بالتنصل من الاتفاق أو المطالبة بإعادة النظر في بعض بنوده وجوانبه وإعادة فرض العقوبات، وقد كشف ترامب ان ما عرضه نتنياهو تم بالتنسيق مع إدارته، وأن العرض ساعده بتأكيد صحة موقفة من الاتفاق النووي الذي وقعت عليه ادارة أوباما.

يتمتع نتنياهو بقدر كبير من الوقاحة والقدرة على الكذب وبيع الأكاذيب وتسويقها على أنها حقائق وبراهين قاطعة، ويحرص على التنكيل بكل من يعارضه حتى من زعماء أوروبا، فالتهم جاهزة، وهو جاهز لاستعادة بعض أحداث التاريخ لإسقاطها على مواقفهم، فحسب رئيسة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي موغيريني، فإن ما قدمه نتنياهو من ملفات ومعلومات - زعم بأنها تكشف عن نوايا المشروع العسكري النووي الإيراني - لا يقدم جديدًا، وإن كل تلك المعلومات معروفة لدى مفتشي الطاقة النووية منذ عام 2003، وقال ساركوزي ان الملفات تؤكد فقط على أهمية الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015.

لكن من قال ان نتنياهو كان مهتمًا أصلًا بعرض معلومات وحقائق جديدة، ومن قال انه سيرتدع ان ظهر ككاذب ومضلل وأنه يجر الغرب لاحتمال اندلاع حرب بناءً على معلومات موهومة وقديمة، مثلما حدث في العراق؛ فالمهم بالنسبة له الغاية التي تبرر استخدام كل وسيلة، بما في ذلك الضغط والابتزاز والكذب والتضليل، وهو لن يبالي بمشاعر مكتومة لدى أي زعيم غربي تجاه سياساته وممارساته، طالما ان مراكز القوة والنفوذ الأمريكية تدعمه وتدعم حفلة الجنون.

وبرغم التحفظات والانتقادات الإسرائيلية الداخلية على الاستعراض التلفزيوني لملفات يزعم ان "الموساد" استولى عليها من إيران، وأنه كشف معلومات وكنز معلوماتي كبير خاطر لأجله خيرة جنود "الموساد" دون ان يحقق شيئًا حقيقيًا؛ فإننا نعتقد بأن نتنياهو نجح إلى حد كبير في التمهيد لإجراء تحولات على المواقف الغربية من الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015، وأنهم باتوا اليوم أكثر قابلية لإجراء تعديلات عليه والتجاوب مع توجهات ترامب.

أما على مستوى الاستفزاز والقصف على المواقع الإيرانية في سوريا أو ما تزعم إسرائيل من أنها مواقع تمدد ونفوذ إيراني، فالملاحظ هنا ان إسرائيل تحافظ بشكل مستمر على تصعيد ما تسميه بخطوطها الحمراء، من نقل صواريخ كاسرة للتوازن إلى قواعد قريبة من الحدود إلى مصانع لإنتاج الصواريخ إلى أي نوع من أنواع التواجد الإيراني في سوريا. ومن الواضح ان إسرائيل تعتقد بأن إيران تبني في سوريا بنى تحتية تخدم مشروعها الاستراتيجي بحسب التقديرات الإسرائيلية، وإسرائيل تسابق الزمن في التدمير المستمر وإرسال رسائل الردع لإيران بثمن الدخول في حرب في توقيت وظروف لا تخدم مستقبل المشروع الإيراني، وهنا ربما إسرائيل تعتقد بأنه لا إيران ولا سوريا ولا حزب الله لديهم قرار بالرد على الاستفزازات الإسرائيلية، وأن القرار هو احتواؤها قدر الإمكان لصالح إنجاح المشروع الأهم، وهذا ربما ما يشكل سببًا للانفلات الإسرائيلي.

انشر عبر