اللغة : العربية

ضربة أهداف السلاح الكيماوي في سوريا .. إسقاط الواجب

16 نيسان / أبريل 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: أودي ديكل وكرميت فالنسي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

نظام بشار الأسد استخدم السلاح الكيماوي، خصوصًا غاز الكلور، عشرات المرات منذ القصف الصاروخي الأمريكي على مطار الشعيرات في سوريا، والذي حدث العام الماضي. لكن، القصف المدني في دوما باستخدام سلاح كيماوي (يبدو انه كلور مع غاز الأعصاب) من قبل نظام الأسد في الاسبوع الماضي، تحديدًا هو ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأخذ قرار العمل العسكري، الذي تم تنفيذه في 14 ابريل، حسب الخطوط الحمراء التي حددها وبالتعاون مع بريطانيا وفرنسا. في هذا الوقت، سؤالان مهمان يطرحان بالنسبة للقصف: ما الذي تغير مقارنة بالضربة السابقة؟ وما هي تداعيات هذا العمل؟

حسب تقارير وزارة الخارجية الأمريكية، تم إطلاق 103 صاروخًا من سفن وطائرات. رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد أشار إلى أن الهجوم استهدف ثلاثة أهداف تعود لمنظومة الأسلحة الكيماوية، مركز أبحاث علمية قرب دمشق، منشأة تخزين وقيادة ومخزن لأسلحة قتالية كيماوية قرب حمص، وأوضح أنه تم تحذير قوات روسيا في سوريا حول وقت الضربة من خلال قنوات تنسيق. وأكد وزير الدفاع الأمريكي الجنرال جيمس ماتيس على أن "هذه المرة هي ضربة واحدة". كل عمل عسكري آخر سيكون مرتبطًا بالطريقة التي يعمل بها الرئيس الأسد وقرار العودة لاستخدام سلاح كيماوي.

كان الهدف من الضربة إظهار الإصرار الدولي لمنع استخدام سلاح كيماوي، بشكل مخالف للقانون الدولي، وبث رسالة ردع للأسد: تجنب استخدام سلاح كيماوي ضد المدنيين؛ بعد أن فشلت الضربة الأمريكية في 2017 بنقل رسالة ردعية فعالة بشكل كافٍ.

 

رؤى من الهجوم

بجانب النجاح العملي، هناك حديث عن إنجاز سياسي للولايات المتحدة في أعقاب التزامها بالخطوط الحمراء التي وضعتها ونجاحها بتشكيل ائتلاف، رغم أنه محدود مع بريطانيا وفرنسا، اللتان اقتنعتا بأن نظام الأسد مسؤول عن الهجوم الكيماوي.

لكن هذا الائتلاف، الذي تشكل لغرض معين، ركّز فقط على منع استخدام سلاح كيماوي بالحرب في سوريا، ومثلما أوضح متحدثو حكومة ترامب، لن يحدث تغير في سياسات الولايات المتحدة تجاه سوريا. بالتالي، الولايات المتحدة لا تشكل خطرًا على نظام الأسد أو على التواجد الإيراني المتصاعد والهيمنة الروسية في سوريا.

من ناحية الأسد لم يتغير شيء، فقد نجح بالقضاء على معاقل المتمردين في ضواحي العاصمة دمشق، تنظيم جيش الاسلام وضع سلاحه، النظام سيطر أخيرًا على كل الغوطة الشرقية وأغلبية السكان السنة في المنطقة موافقون على الإجلاء لإدلب، في إطار خطة الأسد وإيران لتنظيم التوزيع الديمغرافي في الدولة حسب مفتاح ديني وعرقي بشكل مريح أكثر من السابق.

أهداف الهجوم تم اختيارها حسب صلتهم بالتطوير، الإنتاج وتخزين مواد قتالية كيماوية، أكثر من كونها أهداف قد يضر ضربها بالقدرات الهجومية لجيش الأسد ضد السكان والتمردين (طائرات، مروحيات ومطارات). لقد اختارت الولايات المتحدة وشركاؤها في الهجوم استخدام أسلحة في تنفيذ الهجوم من أجل الحد من الخطر الذي قد يُصيب الطائرات، حتى أنهم امتنعوا عن استهداف أهداف قد تهدد قوات روسية موجودة في سوريا. هناك احتمالات عالية أن عملًا كهذا كان سيلزم روسيا برد عسكري، اعتراض الطائرات المهاجمة والصواريخ من قبل منظومات دفاع جوية متمركزة في سوريا. كلما كان نطاق الأهداف أوسع زاد خطر وقوع أضرار جانبية ومساس بشخصيات من الجيش الروسي، عناصر إيرانية ومواطنين، لكن هذا الأمر تم تجنبه. التحذير قبل تنفيذ الهجوم سمح بإخلاء المواقع وتقليل الأضرار، لذلك هناك شك إن كانت قد تم القضاء الكلي على المواد الكيماوية وقدرات انتاجها.

أما بالنسبة لتأثير الضربة على التيارات في سوريا، فإن هذا الهجوم غير كافٍ من أجل التعامل مع خرق قوانين الحرب والتسبب بضرر واسع النطاق بالمواطنين خلال الحرب، بما يشمل استخدام سلاح تقليدي في قصف كثيف من الجو وإلقاء براميل متفجرة من الطائرات. لم تطرح الولايات المتحدة وشركاؤها خطة هدفها ضمان عدم تكرار الهجمات الموجهة للمساس بالمواطنين، وليس فقط مواد قتالية كيماوية، من طرف الأسد والائتلاف الذي يدعمه.

وربما، بعد مرور سبع سنوات على الحرب، سقط فيها أكثر من نصف مليون قتيل وملايين اللاجئين والمشردين؛ يستحق المواطنون السوريون دعمًا دوليًا أكثر إلزامًا، الأمر يتطلب سلسلة نشاطات يكمل بعضها الآخر، من ببينها عقوبات على روسيا وإيران بتهمة دعمهم لأعمال القتل التي يقوم بها الأسد، توحد دول الغرب لإنهاء الحرب الأهلية فورًا، واندماجهم في مفاوضات متعددة الأطراف حول مستقبل سوريا. في نفس الوقت، يُخيل أن تداعيات الضربة - في الواقع الدولي الحالي - ستساهم في توحيد أطراف الائتلاف الموالي للأسد بقيادة روسيا وإيران، رغم الفجوات في المواقف بينهم، والتي اتضحت مؤخرًا فيما يخص تسوية مستقبلية في سوريا.

 

ردود روسيا وإيران

حسب رسائل الرئيس ترامب، إن الاستخدام المتكرر من طرف الأسد للسلاح الكيماوي هو نتيجة لفشل روسيا في تأمين صياغة اتفاق لتفكيك قدرات السلاح الكيماوي في سوريا من 2013. وكان ترامب قد طالب روسيا وإيران بالتوقف عن دعم نظام الأسد القاتل، وأعلن أنه في أعقاب دعمهم تلقى عليهم مسؤولية الوضع في سوريا.

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد هددت بـ "عواقب وخيمة جدًا" من التدخل العسكري الأمريكي في سوريا، وقد حذر رئيس الأركان الروسي من أنه "في حال تضررت قوات روسية، فإن القوات المسلحة للاتحاد الروسي سترد وستعمل على اعتراض هجوم الطائرات والصواريخ". بعد القصف قال سفير روسيا في الولايات المتحدة انتولي انتونوف أن الثلاثي الغربي لم يتعامل مع تحذيرات روسيا، وكرر قائلًا "لقد حذرنا أن عملًا كهذا لن يُبقينا دون نتائج"، مع ذلك، نشرت وزارة الخارجية بيانًا جاء فيه أن الهجوم لم يضر بمناطق تواجد الجيش الروسي في سوريا؛ ولذلك لم يحتج الأمر تشغيل منظومات الدفاع الجوية الخاصة بالروس.

في هذا الوقت، يدرسون في موسكو أمر ردود محتملة، روسيا قد تزيد من مساعداتها لجهود نظام الأسد للسيطرة على المناطق التي بقيت تحت سيطرة المتمردين، بما فيها جنوب سوريا. وزارة الدفاع الروسية أعلنت أنهم يبحثون احتمال تزويد منظومة الدفاع الجوية السورية بمنظومة برية جوية متطورة من نوع اس 300، بإمكان موسكو أيضًا أن تقف بجانب الأسد وتركيا في جهد مزدوج ضد القوات الديمقراطية السورية، وسيطرة على المجال الكردي شمالي شرق سوريا وفتح الممر البري الإيراني للبحر المتوسط. علاوة على ذلك، الهجوم قد يقوّي العلاقة الاستراتيجية بين روسيا وإيران، خصوصًا لو قرر الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي؛ وحينها ستتمكن موسكو من تزويد إيران بسلاح إضافي، وخصوصًا منظومات دفاع جوية متطورة، من أجل إحباط هجوم جوي على أهداف النووي في إيران.

بالنسبة لإيران أيضًا الهجوم لم يغير أي شيء، فأهدافها بقيت كما هي: بقاء الأسد في الحكم وتطهير كل المناطق السورية من حكم المتمردين. قد يكون مصدر القلق الوحيد بالنسبة لإيران هو تجسّد الوحدة الغربية حين يتم وضع خطوط حمراء بالنسبة لاستخدام أسلحة دمار شامل، وتداعيات ذلك على تنفيذ خطة النووي العسكرية.

تحديدًا، حقيقة ان الأسد نفسه لم يُصب بأذى في الهجوم واعتبارها لمرة واحدة، وأنها لم تكن موجهة لإسقاط النظام؛ تعزز نهج ضبط النفس من طرف إيران تجاه إسرائيل (التي بقيت بيدها قدرة التسبب بضرر من خلال ضربة قاسية بنظام الأسد وإحباط الهدف الاستراتيجي لإيران لتحقيق تأثير كبير في الحوض الغربي للشرق الأوسط).

أكثر من ذلك، الامتداد الرئيسي لإيران (حزب الله) لم يجازف بمغامرة عسكرية ضد إسرائيل، خصوصًا عشية الانتخابات في لبنان. بالإضافة لذلك، تمسك الرئيس ترامب بنيته في إخراج القوات الأمريكية قدر الإمكان من شمالي شرق سوريا تشجع سياسات ضبط النفس الإيرانية، من أجل عدم التسبب بتغيير سياساته والعمل على وقف نية إيران لتأسيس وحماية ممر بري إيراني عراقي سوري لبناني. في النهاية، يجب التفكير بالضغوطات الداخلية، الأزمة الاقتصادية في إيران، واستمرار الاحتجاجات الشعبية تشكل حاجزًا آخر امام نشاطات إيرانية بعيدة الأمد ضد الغرب، خصوصًا قبل قرار ترامب في مايو بخصوص الاتفاق النووي.

 

تداعيات الأمر بالنسبة لإسرائيل

نطاق الضربة المحدود، التصريحات حول التركيز على القدرات الكيماوية، الحرص الشديد على عدم التسبب بضرر لممتلكات روسية في سوريا وعدم استغلال الضربة لزيادة تدخل الائتلاف في تسوية الوضع في سوريا؛ هذا كله يعزز سياسات روسيا وإيران في سوريا واستمرار دعم نظام الأسد.

إسرائيل من جانبها بقيت وحدها في المعركة أمام التمركز الإيراني ووكلائها في سوريا؛ لذلك عليها أن تكون حريصة على الحفاظ على التنسيق الاستراتيجي مع روسيا، التطرق بحساسية لتحفظها بالنسبة لعمل إسرائيل في سوريا، وفعليًا التسليم باستمرار حكم الأسد. في الوقت نفسه، على إسرائيل ان تستعد لجهد مشترك للائتلاف الموالي للأسد لتوسيع وتعزيز حكم الأسد جنوب سوريا، بما في ذلك هضبة الجولان السورية؛ وضع يتطلب منها فرض خطوط حمراء بالنسبة لنشر قوات إيرانية ووكلائها قرب حدود هضبة الجولان.

حرية العمل الجوي لإسرائيل، ولدول الغرب في سماء سوريا شوكة في حلق روسيا وإيران، ولذلك يجب توقع محاولات للحد منها. سبق وأن تم التلميح إلى أن الرد على ذلك يكون من خلال تعزيز منظومة الدفاع الجوية الروسية في بطاريات صواريخ برية جوية متطورة من نوع اس 300/400. خطوة روسية أبعد في هذا السياق ستكون جعل البطاريات مأهولة بطواقم روسية، حتى تأهيل الطواقم السورية.

إيران لديها حساب مفتوح مع إسرائيل في أعقاب قصف مطار T4 في وسط سوريا الاسبوع الماضي. في ضوء القيود في اسلوب التعامل الإيراني، من المرجح أن تبحث إيران عن طريقة عمل سرية ومفاجئة لضرب إسرائيل، لكن دون ترك بصمات أصابع، كما يُرجح أنه لهذا السبب تم نشر وحدة طيارات بدون طيار إيرانية مزودة بقدرات هجومية، لكن تم اكتشافها. بناءً على ذلك، على إسرائيل ان تحافظ على يقظة عالية حول التطورات القادمة، لكن عليها تجنب بث الشعور بالضغط، حرب واسعة في الساحة الشمالية ليست نتيجة ضرورية، وسلوك إسرائيل له تأثير كبير على مستوى التصعيد.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر