اللغة : العربية

عندما تلتقي الخطوط الحمراء المتوازية في سوريا

12 نيسان / أبريل 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: آساف أوريون وعاموس يدلين

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في الـ 7 من ابريل، هاجم النظام السوري وبالسلاح الكيماوي مواقع الثوار في دوما على مشارف دمشق، وفي أعقاب ذلك أُبلغ عن عشرات القتلى والمصابين، من بينهم أطفال. في اليوم التالي، غرد رئيس الولايات المتحدة باستنكارات شديدة اللهجة بحق المسؤولين، ومن بينهم "الأسد الحيوان"، وإيران وروسيا اللتان تدعمانه، وقرر أنه سيكون لذلك "ثمن باهظ".

في ليلة التاسع من ابريل، هاجمت إسرائيل - حسب ما نُشر - أهدافًا إيرانية ذات علاقة بالقدرات الجوية، بما في ذلك طائرات غير مأهولة بالمطار العسكري T4 في قلب سوريا. في الهجوم قتل على الأقل 14 شخصًا، من بينهم سبعة إيرانيين، أربعة منهم شُخصوا على الملأ من قبل إيران على أنهم من رجال الحرس الثوري، ومنهم ضابط رفيع المستوى. إيران أعلنت ان إسرائيل مسّت بقواتها ووعدت بالرد.

روسيا نشرت هي الأخرى ان إسرائيل هي من هاجمت دون أن تبلغ موسكو، بينما امتنعت إسرائيل عن تناول الموضوع بشكل مباشر؛ بل إن روسيا حذرت من "تطورات خطيرة"، ودعت السفير الإسرائيلي في موسكو للاستيضاح، كما انتقدت إسرائيل بسبب استخدام القوة من جانبها ضد المدنيين في غزة. في الـ 10 من ابريل فرضت روسيا الفيتو في تصويت مجلس الأمن بهذا الشأن.

تصريحات الإدارة الأمريكية في الأيام الأخيرة تبشّر بهجوم متوقع من جانبها في الوقت القريب، وربما أيضًا بمشاركة حلفاء من الغرب ومن المنطقة. تأجيل زيارة الرئيس ترامب إلى أمريكا اللاتينية ربط بالرد الذي يخطط له، وكذلك التقارير عن تحرك القوات البحرية وجيش الولايات المتحدة نحو شرق البحر الأبيض المتوسط تعتبر دلالات شاهدة على ما سوف يأتي.

على المستوى التشغيلي، تنتظر الساحة خطوتيْن قادمتيْن تجريان في ظاهر الأمر كل على حدى، وعلى محوريْن متوازييْن: الرد الإيراني على الهجوم الإسرائيلي على قواتها في T4، والرد الأمريكي على هجوم النظام بالسلاح الكيماوي في دوما. الرد الإيراني قد يكون حازمًا، وليس بالضرورة فوريًا، وهذه المرة ببصمات إيرانية واضحة أو من خلال وكيل، وهو أسلوب العمل المفضل على الأغلب بالنسبة لإيران. ساحة العمل يُفترض ألا تكون من أرض إيران، وإنما من سوريا أو من ساحات عمل أخرى مثل اليمن (القريبة من المسارات البحرية في البحر الأحمر) أو من لبنان، رغم أن الأمر هناك ينطوي على مخاطرة التصعيد الواسع، ولا يجب استبعاد الإضرار بالممتلكات الإسرائيلية واليهودية في أنحاء العالم كما نعرف من الماضي.

الاحتمالات التشغيلية المفترضة للهجوم المكافئ من قبل الولايات المتحدة إما بالهجوم بالنيران من الجو والهجوم الصاروخي في نطاق محدود كما حدث في مهاجمة مطار الشعيرات قبل عام وإما هجوم في نطاق أوسع من ذلك. الأهداف قد تتضمن أهدافًا متعلقة بالسلاح الكيماوي وقواعد ومنظومات سلاح تابعة لسلاح الجو، والتي تستخدم في إلقاء السلاح النووي، وأهداف الدفاع الجوي التي تشتري للنظام الشعور بالأمن من نوع ما، وعلى مستويات أعلى، كذلك قواعد عسكرية وأمنية للنظام، وصولًا إلى أهداف النظام الحقيقية. على المستوى الاستراتيجي، ورغم ان الأحداث نابعة من مستويات مختلفة؛ إلا أن اجتماعها في الوقت والمكان تجسّد صورة دراماتيكية ذات محور هو الأهم في سياق محيط إسرائيل الأمني.

الهجوم في T4 وقع في سياق الخط الأحمر الأخير الذي حددته إسرائيل، والذي بناءً عليه لن تقبل بتمركز إيران في سوريا، إنها مرحلة أخرى في الصدام المتسارع بين إصرار إيران على التمركز على الساحة الشمالية وبين إصرار إسرائيل المعلن على منعها. الحدث البارز السابق في هذا السياق كان "يوم المعركة" في الـ 10 من فبراير، والذي أسقطت فيه طائرة إيرانية غير مأهولة وطائرة حربية إسرائيلية، وهوجمت فيه أهداف إيرانية في T4، وقتل فيه جنود إيرانيون، ودمّرت منظومات دفاعية جوية سورية. التمركز الإيراني الذي تسارع مع تراكم إنجازات النظام وحلفائه في الحرب الأهلية حظي مؤخرًا باعتراف ودعم القمة الروسية - الإيرانية - التركية في أنقرة؛ بل وبريح مساندة أخرى في اعقاب تصريحات ترامب بشأن نيته إنهاء تواجد القوات الأمريكية في سوريا.

في الهجوم الأخير، أصابت إسرائيل بشكل مباشر القدرات الإيرانية المهددة في سوريا، ودفعت إيران ثمن تواجدها في الساحة. وبشكل غير مباشر أثبت الهجوم لإيران شدة الاصرار الإسرائيلي على فرض الخط الأحمر الذي حددته وردعها عن مواصلة التمركز في سوريا، من خلال إظهار استعداد إسرائيل لتحمل مخاطر الرد، بل والمخاطرة بالتصعيد. في ذات الوقت اعتبر الهجوم رسالة إلى روسيا بشأن انعكاسات استمرار سياستها التي تسمح بتمركز إيران في سوريا.

الهجوم الكيماوي في دوما يبرز شعور الأمن الشخصي الكبير لدى النظام في هذا الوقت. بعد ان تأكد من ان استمرار حكمه مضمون، وأن الولايات المتحدة فقدت الاهتمام بما يدور في سوريا، ما عدا عن "الدولة الإسلامية - داعش"؛ سمح لنفسه بالقيام مرة أخرى بهجوم كيماوي واستفزاز الإدارة الأمريكية. من جهة ترامب الذي حركته قبل عام صور الأطفال القتلى للعمل، فإن الحدث هو بمثابة فرصة أخرى لإثبات موقفه بشأن الخطوط الحمراء التي قررها ليفرق نفسه عن أوباما، وكذلك إظهار موقف صلب أمام بوتين.

حقيقة جدولة الأحداث أوجدت الوحدة بين محور المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية في السياق السوري والملف غير المغلق (ملف تكرار استخدام السلاح الكيماوي من قبل نظام الأسد) وفرض أنظمة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل من قبل الولايات المتحدة؛ هكذا تقاطع فرض خط إسرائيل الأحمر وفرض خط الولايات المتحدة الأحمر، بينما روسيا تجد نفسها تسارع إلى ردع كلاهما عن القيام بعملية أخرى تقلقل انجازاتها في سوريا، ومكانتها كقوة كبرى راعية ومهيمنة على هذه الساحة. بهذه الطريقة أوجد أيضًا تجمّع تشغيلي، بل وربما استراتيجي لجهود إسرائيل والولايات المتحدة على الساحة السورية: أولًا في الخطاب المحتدم أمام روسيا، الذي فيه الأفضل لإسرائيل ألا تقف وحدها، وثانيا بعودة الولايات المتحدة إلى الانشغال بما يجري في سوريا، عدا عن معالجة "الدولة الإسلامية" والقدرة على الجمع بين قضايا السلاح النووي ومستقبل النظام وبين تمركز إيران في سوريا.

لكن الوحدة الاستراتيجية لا تقتصر على الحدود السورية، وهي تحدث حيث في الخلفية الأزمة المتشكلة حول مطالب نظام ترامب بتحسين الاتفاق النووي أو المخاطرة بتجديد العقوبات وانسحابه منه في الـ 12 من مايو، بل والذهاب أبعد من ذلك؛ مع تقدم الاستعدادات للقاء ترامب مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون بشأن الملف النووي. من هنا فإن الصدام بين إسرائيل وإيران في سوريا عشية مناقشة الصفقة النووية ينطوي على احتمال التغيير من بناء المعالجة المنفردة للقضايا المشخصة (النووي في إيران، والنووي في كوريا الشمالية، وإيران في سوريا ونفوذها الإقليمي عمومًا، والإرهاب وعلم الصواريخ ونشر الطائرات غير المأهولة، والنووي من قبل إيران وكوريا الشمالية) إلى إطار أوسع وأشمل مع العلاقات المتبادلة بين القضايا والقنوات. إليك مثلًا: مناقشة الاتفاق النووي يتوسع ليشمل قضايا أخرى من السياسة الإيرانية الخطيرة، بينما الضغط العسكري على إيران، وحتى على نظام الأسد، من شأنه ان يستخدم أيضًا كرافعة لدفع إنجازات في مجال النووي، بل وربما لتحريك روسيا للقيام بدور أكثر إيجابية وشراء وزن أكبر بكثير لأهداف إسرائيل.

من جهة إسرائيل، يظهر احتمال متزايد للتصعيد على الساحة الشمالية وتوتر مع روسيا، سواء على خلفية الهجوم الأمريكي المتوقع، وفي ظل المعارضة الروسية أو على ضوء رد إيران في الساحة الشمالية أو خارجها، وسواء على ضوء ردود فعل إسرائيل على هذا الرد، والتي يمكن ان تتضمن أهدافاً إيرانية أخرى كثيرة في سوريا. تبادل التغريدات والتحذيرات الشديدة بين القوتيْن العظمييْن يعكس التوتر السائد بينهما حول الحدث جيدًا؛ على ضوء ذلك المطلوب من إسرائيل ان تتجهز لما هو آت:

على المستوى العسكري، المطلوب استعدادات استخبارية دفاعية وهجومية، تقوّي الجيش الإسرائيلي، وقد بدأت بالفعل، وفي ظل التطورات على إسرائيل ان تستعد لهجوم واسع على الأهداف الإيرانية في سوريا والمنظومات الدفاعية الجوية والنيران وأجواء النظام وإمكانية التصعيد الكبير. على المستوى السياسي - العسكري، وكما أمكن التعلم من نقاشات الكابينت الأخيرة، المطلوب خطاب مكثف ومعمق بشأن أهداف السياسة الإسرائيلية في السياق الحالي، وبشأن بعض العمليات العسكرية في إنجازها، وحول السيناريوهات المحتملة والبدائل الاستراتيجية والتشغيلية، وحول التنسيق ومنع الاحتكاك في مناطق العمليات العسكرية مع الولايات المتحدة ومع روسيا. على إسرائيل ان تجد نقطة التوازن الصحيحة بين كبح خطوات إيران وبين مخاطر المواجهة، وبين الإصرار على مصالحها الأمنية وبين الحاجة المهمة للامتناع عن الاحتكاك مع روسيا.

في ظل المخاطرة الحقيقية بالتصعيد العسكري، فمركز الثقل الأساسي لفعل إسرائيل هو في المجال السياسي، حيث ان عليها إجراء حوار استراتيجي حثيث ومكثف مع الولايات المتحدة حول الصورة الشاملة وحول القضايا الكبرى المطروحة على جدول الأعمال (الاتفاق النووي وإيران في سوريا وحزب الله ونشر الأسلحة من قبل إيران وكوريا الشمالية) وحول العلاقات التي بينهما، وعلى إسرائيل ان تنسق مع الولايات المتحدة تحركاتها السياسية، وسيما التصرف تجاه روسيا، وإقامة قناة اتصال مفتوحة مع روسيا بهدف تقليص احتمال وقوع الاحتكاك والتوتر معها، وبقدر الإمكان دمجها في دور إيجابي للحد من تمركز إيران في سوريا.

على إسرائيل ان تبلور مع الولايات المتحدة سبلًا لدفع أهدافهما المشتركة والمنفردة من خلال تقليص مخاطر التصعيد، وكما في حالات أخرى الاستخدام المراقب للقوة العسكرية والسيطرة على التصعيد والتواصل الفاعل مع الأعداء والشركاء ستكون ضرورية لإدارة التحديات.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر