اللغة : العربية

مسيرات العودة: حرب رابعة أم انتفاضة ثالثة؟

09 نيسان / أبريل 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

مسيرات العودة ورفع الحصار الكبرى في جمعتها الثانية بالقرب من السلك الفاصل شرقي القطاع، تفرض نفسها بقوة كبيرة على وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، من حيث مساحات التغطية الخبرية فقط، ومن طرف واحد؛ لذلك يغلب على تقاريرها ذات الأفكار، وتقريبًا نفس المفردات، وكأن معظمها يحرر من قبل الناطق العسكري للجيش، ومعظمها ينطلق من ذات الصورة النمطية لديهم عن القطاع باعتباره الجبهة الجنوبية التي تغلي وترتفع فيه كل يوم احتمالات الانزلاق لحرب رابعة، وحتى مقالات الرأي التي يكتبها محللون كبار تفتقر للإبداع والعمق؛ ربما بسبب التحيز الواضح لسياسات الاحتلال عامة، وتغيب عنها الأسئلة والانتقادات الجريئة.

المراسلون العسكريون لمختلف الوسائل الإعلامية الاحتلالية - والذين يُعتبرون ويُنظر إليهم على أنهم المؤتمنون على تقديم وعرض وتوصيف ما يجري من مواجهات - أجملوا يوم الجمعة الماضي، بجملتيْن رئيسيتيْن:

- "حماس فشلت في جلب الجمهور، والمحافظة على زخم حشد الجمعة السابقة؛ وذلك بسبب الردع الذي مارسه الجيش"، ولا أدري كيف تبنوا جميعهم كذبة الـ 20 ألف متظاهر، ويقدّرون حجم مظاهرات لا تغطي إلا جزءًا قليلًا من ساحة رابين في تل أبيب، والتي لا تساوي عشرًا من أي من ساحات المواجهة الخمسة على حدود القطاع، بعشرات الآلاف. ثم ان محاولة تفسير سبب التراجع بأنه ناتج عن الردع (وهي كلمة متحايلة على الاسم الحقيقي لعمليات القتل المتعمد الذي قام به جيش الذبح) هو تفسير يحاول ان يعطي شرعية لأعمال قتل المحتجين بأن قتلهم كان مفيدًا، وأنه يجب الاستمرار بالتمسك بأعمال القتل لردعهم أكثر فأكثر، وعلى المجتمع الاحتلالي ان يصمت ويمنح جيشه حرية القتل والحق الكامل في الذبح، وفي ذلك تأكيد على الوصف العنصري لشارون للعرب حيث قال "ما لا يأتي بالقوة سيأتي بمزيد من القوة"، والمقولة الشعبوية العنصرية "دعوا الجيش ينتصر".

- "في نهاية اليوم، فإن الجيش يشعر بالرضى والارتياح، وأنه بثمن قليل من الدماء (والمقصود هنا الدماء الفلسطينية ) نجح الجيش بصد المتظاهرين والحفاظ على أمن وحدود الدولة، برغم كل محاولات التخريب ومحاولات تنفيذ عمليات تحت ستار الدخان، وأن الجيش مستعد لمواصلة القيام بذلك طالما يتطلب الأمر بغض النظر عن المدى الزمني"، طبعًا وفي هذه الفقرة من التقارير لابدّ أن تسمع عن الأوامر المشددة التي عمّمت على الجنود والقناصة الخاصة بإطلاق النار، وكيف ان الفلسطينيين يرسلون الأطفال وأن جنودهم يبذلون جهودًا كبيرة لعدم المساس بالمدنيين، والمساس فقط بكبار المحرضين؛ بالرغم من أنهم يواجهون جمهورًا كبيرًا يندس بينهم بعض "الإرهابيين" وفي نفس الوقت يخشون من نيران القناصة الفلسطينية، رغم ان أسماء الشهداء والمصابين وصورهم وأعمارهم تفضح أكاذيبهم، كما ان صور الجنود وهم يتمشون فوق التلال الرملية تؤكد عدم خوفهم من أية قناصة فلسطينية لتأكدهم ان السلاح الفلسطيني محيّد في هذه الاحتجاجات.

أما المراسلون المختصون بتغطية الساحة الفلسطينية، فجميعهم أيضًا يتحدثون عن نجاح حركة حماس بالخروج من أزمتها وتوجيه الغضب الفلسطيني ضد الاحتلال، وفي إعادة غزة إلى الأجندة المحلية والدولية، ويسهبون أكثر في الحديث عن نجاح حماس داخل الساحة الفلسطينية ضد خصومها؛ هذه التقارير وإن لم تجافِ الحقيقة في بعض جوانبها، إلا أن هدفها هو ذات أهداف المراسلين العسكريين، وهو التحريض على دوافع المحتجين ومن يقف خلفهم، وأن المواجهات الشعبية الدائرة على حدود القطاع الشرقية ليست إلا حرب أخرى بوسائل جديده تديرها فصائل "إرهابية" توجه الغضب لإسرائيل، لكن هدفها هو نقل رسالة إلى جهات أخرى، وهنا محاولة لتبرئة الاحتلال، وأنه ليس إلا ضحية للخلافات الفلسطينية، وأنه كيس لكمات، أي لا الحصار ولا حق العودة ولا التهويد والاستيطان ونقل السفارة هي الأسباب الحقيقية المحركة للاحتجاجات، ويصرّون بشكل متعمد على عدم رؤية شعار الاحتجاجات الكبير والمعروف الذي تحدث عن العودة ورفع الحصار.

أما كتاب الرأي من المحللين فلم يكونوا استثناءً، فكرروا كتابة ذات المضامين من الأفكار التي باتوا يحفظونها عن ظهر قلب، والتي في غالبها تعتمد على تقديرات استخبارية أو قراءات من خلف شاشات الحواسيب أو كما فعل الكاتب الكبير في "يديعوت احرونوت" ناحوم برنياع، الذي تجوّل بين القناصة ونظر إلى الحشود الكبيرة عبر عدسة القناص مع إضفاء بعض الألوان لزوم متطلبات جذب القراء، فهذه المواجهات بالنسبة لهم ليست إلا تهديد آخر يزيد من احتمالات اندلاع الحرب الرابعة، والكثير من التساؤلات حول معضلة حماس فيما لو لم تنجح هذه الاحتجاجات، وماذا ينتظرنا في ذروتها يومي نقل السفارة والنكبة؟ ومتى ستنطلق الصواريخ؟ وتوصيات بتقليل أعمال القتل لما يشكل ذلك من حرج للاحتلال على الساحة الدولية، أي ان القطاع في نظر هؤلاء لا يشكل تهديدًا إلا عندما ينفجر بالصواريخ، وأن هذه الاحتجاجات ستنتهي بحرب!

والحقيقة أننا نستغرب من هؤلاء الذين كانوا من أكثر المتحدثين عن الانتفاضة الثالثة مع كل هبة أو موجه احتجاجية في الضفة؛ لماذا لم يكتبوا ويناقشوا احتمالات تحوّل هذه المواجهات إلى انتفاضة ثالثة مستمرة، وعن احتمالات انتقالها إلى مدن الضفة، وعن احتمال تبني نشطاء الضفة لذات عناوين الاحتجاج الأسبوعي الذي تطلقه الهيئة التنسيقية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار، أليس ثمة احتمال بأن تجد أسماء الجمع صداها في الضفة؟ والسؤال: لماذا يستبعدون عمدًا احتمال أننا دخلنا الانتفاضة الثالثة، رغم توفر معظم شروطها من جمهور وقيادة وظروف، ومن المحتمل جدًا ان تكون أيام 14 و15 مايو تاريخ انطلاقها في كل الوطن؟ ربما يعود ذلك لأسباب أخرى لا يتسع المقال لتناولها، غير تبلد عقولهم وسيطرة نمطية تفكيرهم ورؤيتهم للقطاع.

وأخيرًا، وبرغم ان لغة التهديد وسياسة القتل هي السياسة المتبناة احتلاليًا ضد المواجهات الشعبية؛ فمن المؤكد ان الاستنفار العسكري الاحتلالي يوازيه استنفار سياسي داخل أروقة عصابة تل أبيب، وأن مزيدًا من المكالمات الهاتفية تصل من عواصم غربية، وستصل وسيزداد وصولها، وأكثر ما يقلقهم هو سؤالهم بعيدًا عن القتل: ما هي خطتكم تجاه القطاع، ونحن لا زلنا في البداية فقط؟

انشر عبر