اللغة : العربية

مسيرة العودة: لا تستعجلوا الحصاد

02 نيسان / أبريل 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

مسيرات العودة تزامنت مع عطلة عيد الفصح اليهودي، واحتجاب الصحف عن الصدور واقتصار نشرات الأخبار على التغطية الموجزة؛ الأمر الذي جعل من الصعب الوقوف على أصدائها في اليوم الأول داخل الإعلام الإسرائيلي، واقتصر الفضاء الإعلامي الإسرائيلي للمواقف الرسمية التي عبّر عنها رئيس الأركان والناطق باسم الجيش ووزارة الأمن والناطقين الحكوميين.

وبطبيعة الحال، فإن المواقف الرسمية ستتبنى دومًا الرسالة الرسمية التي تقوم على اتهام الفلسطينيين وتحميلهم المسؤولية والتحريض عليهم، فضلًا عن توجيه رسائل الإرهاب والردع والدفاع عن الموقف الرسمي سياسيًا، وتبرير أعمال القتل، بل وتشجيعها؛ كما فعل نتنياهو في منشوره الذي أثنى فيه على أعمال القتل التي بفضلها - كما قال - استطاع بيت إسرائيل ان يحتفل بأمان في ليلة العيد.

وعبر كل ناطقيها من جنرالات وإعلاميين ووزراء، صدرت لمجتمعها وللعالم رسالة تتهم فيها الفصائل الفلسطينية باستخدام المدنيين كدروع بشرية للمس بأمنها والتعدي على سيادتها، ولتنفيذ أعمال إرهابية وتخريب في البنى التحتية وإقامة بنى تحتية إرهابية، وقد استندت إلى بيانات الفصائل التي تبنت عددًا من الشهداء وكشفت هويتهم كمقاتلين في وحداتها العسكرية، حيث عبّر الناطقون الإسرائيليون أن من تم قتلهم بنيران القناصة لم يكونوا مدنيين ولا علاقة لهم بالاحتجاجات السلمية، وبحسب تقديراتهم فإن فصائل المقاومة التي دفعت عشرات الآلاف للتظاهر بالقرب من الحدود سرعان ما ستبدأ قريبًا بإطلاق الصواريخ.

برغم الرسائل الإعلامية الرسمية الصارمة لدولة الاحتلال في الاتهام والتحريض والإرهاب، والتي خلت بشكل واضح من أي حديث - حتى ولو بالتلميح - لإمكانية البحث في الدوافع الانسانية والمعيشية، أي في موضوع الحصار وإمكانية الحديث فيه؛ فإنه من المؤكد أن سياسات حكومتهم تجاه القطاع، بما فيها قضية الحصار، تشهد في هذه الأيام نقاشًا وتفكيرًا أكبر من السابق من حيث الأطراف المشاركة به ومن حيث حيز النقاش نفسه وعمقه، وهذا النقاش فقط سيزداد وسيصبح موضوعًا للبحث الدائم والاضطراري على مائدة اجتماعات المؤسسات الرسمية ذات الصلة، وسيتحول إلى جزء من خطاب كل القوى، وذلك في حال استمرت الاحتجاجات الشعبية وحافظت على زخم مناسب.

ومن يستعجل البحث عن صدى الأحداث وقطف ثمارها أو الخروج بخلاصات واستنتاجات عن مستقبلها في يومها وأسبوعها الأول؛ سيخيب ظنه، وهو مجرد فاقد للصبر ولا يفقه أبجديات وأسس علاقة المقاومة الشعبية بالنتائج، التي من شروطها الصبر والمثابرة وطول النفس.

مسيرات العودة ورفع الحصار التي كان ثمنها كبيرًا (17 شهيدًا وأكثر من ألف جريح) نجحت في إيصال رسالتها إلى الرأي العام وإلى أصحاب وعواصم القرار، ويمكننا ان نقول بأنها نجحت نجاحًا كبيرًا مقارنة بأنها لا زالت في بدايتها، وبرغم محاولات اغتيالها إعلاميًا، سواء بحجبها أو بتشويهها؛ فوصلت إلى مجلس الأمن وبثت الصحافة العالمية مداولاته، كما بثت الفيديو الذي وثق عملية الإصرار على القتل المتعمد للشهيد عبد الفتاح عبد النبي عندما أطلق القناصة النار عليه أكثر من مره وظهره لهم وبعيدًا عنهم دون أن يشكّل أي تهديد عليهم، وبما يكذب أكذوبة تعليمات إطلاق النار؛ هذا الفيديو وحده جعل مرشح الانتخابات الأمريكية السابق وعضو مجلس الشيوخ بيرني ساندرز يدين عملية القتل ويطالب بالسماح للفلسطينيين بحق الاحتجاج دون تعريضهم للقتل.

نعم، التأثير في الرأي العام ليس سهلًا، لا سيما على خلفية ما يجري في سوريا وبلاد عربية أخرى؛ لكن يبقى دومًا للقضية الفلسطينية مكانه خاصة في الضمير العالمي غير الرسمي.

بدوره، الإعلام غير الرسمي الإسرائيلي - لا سيما في الصحافة المكتوبة - والذي عبر عنه عدد من كتاب الرأي، بدا منذ الأحد منشغلًا بما حدث في اليوم الأول لمسرات العودة ورفع الحصار، فكانت هذه المسيرات الموضوع الأهم، وربما الوحيد، الذي استهوى الكتاب، وانعكفوا عليه بالتحليل والقراءة الحذرة، وهي لا زالت قراءة خجولة ومتحفظة ومتمسكة بالطابوهات الصهيونية، لكنها نقدية أيضًا وغير متحمسة للرواية الرسمية، وتحاول أن تقرأ رسائل المجتمع الغزي من تظاهراته بعيدًا عن التلقين الحكومي.

وممّا جاء في بعضها: ان الرسالة الأهم لسكان غزة هي المطالبة برفع الحصار. الفصائل التي استعرضت قوتها العسكرية قبل المسيرات تقول لإسرائيل: أمامكم خيارين؛ إما الاستجابة للاحتجاجات التي لا تأتي من منطلق الضعف أو الدخول في حرب. حماس نجحت بشكل كبير في تحشيد الجماهير، وإسرائيل نجحت في الدفاع، وإذا استمر الفلسطينيون بالاحتجاج فإن إسرائيل ستكون أمام مشكلة كبيرة. الجيش يراهن على فتيل المقاومة القصير، الذي سرعان ما سيطلق الصواريخ. الحشود الكبيرة كانت نجاحًا لقائد حماس في غزة يحيى السنوار. على إسرائيل ان تتحمل مسؤولياتها عن السجناء في السجن الأكبر في العالم، القضية الغزية عادت ككرة اللهب إلى إسرائيل التي تمنت أن تتخلص منها، لا يمكن تجاهل المسؤولية عن مليونين من الجوعى والمرضى، لقد نجح الغزيون في إعادة قضيتهم إلى الأجندة الدولية.

إذًا، فقد نجحت الجماهير الفلسطينية ولو بثمن كبير في أن ترسل رسالتها للعالم، وهذه فقط البداية، ولابدّ من المثابرة والصبر وطول النفس، فسلاحنا الاحتجاجي الشعبي السلمي المستمر يعتبر التهديد النوعي الأكبر الذي يواجه الاحتلال ويحيّد ترسانته، وسيجبرهم على التفكير في خيارات جديه بعيدًا عن الإرهاب والحصار والتنكر.

انشر عبر