اللغة : العربية

المفاعل السوري المدمر يكشف خواءً إسرائيليًا

26 آذار / مارس 2018

بقلم: عبد الرحمن شهاب - مدير مركز أطلس للدراسات

 

أطلس للدراسات

بعد 11 عامًا من قصف ما اعتبرته إسرائيل مفاعلًا نوويًا سوريًا، سمحت الرقابة الإسرائيلية بنشر تفاصيل العملية، والتي كشفت عن ثلاثة جوانب من العملية: عملية الوصول إلى المعلومة التي كشفت أن هناك مصنعًا تم بناؤه قبل خمس سنوات من ذاك التاريخ، آليات اتخاذ القرار بقصف المبنى المحدد، وطريقة القصف.

كان الدافع الأساسي للنشر هو كتاب ايهود أولمرت، الذي يعترف فيه بمسؤولية إسرائيل عن العملية، ويتحدث في فصل خاص عن تفاصيل اتخاذ القرار عندما كان رئيسًا للحكومة، وبذلك يكون قد أفقد الرقابة العسكرية مبررات تحفظها على النشر؛ بل وتم الادعاء بأن توقيت النشر هو مؤامرة للترويج للكتاب، تمت حياكتها بين الرقابة وناشر كتاب أولمرت "يديعوت احرونوت" للحد من تنامي تفرد بيبي نتنياهو بالزعامة الكاريزماتية.

في رحلة الجيش الإسرائيلي للبحث عن صورة الانتصار المفقودة، حاول الإعلام الإسرائيلي الاستفادة من نشر المعلومات من خلال الكشف عن أسماء بعض الطيارين الذين أدوا المهمة وإظهار البطولة التي تحلى بها الطيارون، ونشر صور الطائرات العائدة من مهمتها بنجاح، فيما هذه المهمة لم تبعد عن الحدود الشمالية لفلسطين سوى 450 كيلو متر، ولم تستطع الطائرات الإسرائيلية القيام بهذه المهمة دون الدخول لأراضي دولة ثالثة للفرار من المضادات السورية، ورغم ذلك فقد اضطرت إحدى الطائرات لأن تلقي خزان الوقود، والذي سقط في تركيا وكان يحمل كتابات عبرية، وفضح المهمة.

الإعلام الإسرائيلي حاول أيضًا الاستفادة من النشر كونه حاصلًا لا محالة، وذلك بتوجيه رسائل لإيران بأن إسرائيل لن تسمح لأعدائها بامتلاك سلاح يهدد وجودها، وأن إسرائيل ستقوم بما يجب فعله بتدمير المفاعلات الإيرانية إذا لم تقم الولايات المتحدة بذلك، وأن إسرائيل لا تحتمل المراوغات السياسية التي تقوم بها إيران لسرقة الوقت للوصول إلى الحافة النووية ونقطة اللا عودة من خلال تضليل المجتمع الدولي، وخصوصًا وكالة الطاقة النووية.

ولكن السحر انقلب على الساحر، فالكشف عن تفاصيل اتخاذ القرار كشف البعد الردعي الذي كان يسري في مؤسسات الكيان الإسرائيلي، وخصوصًا صانع القرار، والذي عكسه التردد والخوف والقلق والأرق والسهر واستهلاك القهوة والسجائر والأيدي المرتجفة التي توقع وهي تفكر "ماذا لو اكتشف النظام السوري أنهم وراء العملية؟"، 11 عامًا وهم يخشون التصريح بأنهم من فعل ذلك، خوفًا من أن يجعل النظام السوري مضطرًا للرد.

الحديث المكثف عن عدد ودقة الصواريخ لدى سوريا يعكس عجزًا إسرائيليًا عن قدرتها على التعامل مع هذا التهديد، وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان كان محقًا عندما أعرب عن ندمه على نشر التفاصيل، كونها أدت إلى إيصال صورة سيئة عن صمود وقدرة صانع القرار في إسرائيل، هذا عندما كان أولمرت المندفع والمتهور هو الذي يتخذ القرار، وايهود باراك رجل الجيش الأول عن يمينه؛ فكيف بالمتردد نتنياهو؟ فعلًا، لقد كان الكشف عن المعلومات رسالة لإيران، ولكنها رسالة بأنه يمكنها أن تفعل ما تشاء، فهذه الدولة لم يعد فيها صاحب قرار، وهكذا فإن قرار النشر أدى إلى الإضرار بصورة الردع الإسرائيلي.

تفاصيل المعلومات أظهرت كيف ان الصدفة هي التي أوصلت "الموساد" للمعلومة التي أدت إلى تتبع القضية، فيما لم تستطع الاستخبارات العسكرية بمنظومتها الضخمة الوصول إلى أي معلومة رغم مرور خمس سنوات على بداية بناء "المفاعل النووي"، وهذا يعكس فشلًا استخباريًا كبيرًا في إسرائيل، فقد كان محقًا رئيس "الموساد" السابق تامير باردو، في حديث أدلى به لـ "يديعوت احرونوت"، أن التأخير في اكتشاف المفاعل كان "فشلًا استخباراتيًا بحجم الفشل في حرب يوم الغفران - حرب أكتوبر"، فشل يفتح الباب مشرعًا أمام تساؤلات كبيرة أبرزها: هل بإمكان الاستخبارات الإسرائيلية ان تؤكد أن سوريا لم تكن قد أنشأت غير هذا المفاعل أو أن كان هذا المفاعل هو مظهر لمنشاة تضليلية للتغطية على عمل آخر؟ وهل دولة مثل إسرائيل يكفيها الاعتماد على الصدفة في كشف المعلومات عن عدوها؟ ومن جانب آخر، إذا كانت هذه هي قدرة النظام السوري، فما هي القدرات الإيرانية في هذا المجال، وهي ذات الاقتصاد القوي القادر على بناء ما يشاء، وهي الحليف الأكبر للنظام السوري، وربما المفاعل السوري جزء إضافي من منظومة شرق آسيوية، حيث من المفترض بأنهم سبقوا السوريين في هذا المضمار، وبالتالي قطعوا أشواطًا سرية خلف تضاريس إيران الوعرة؟

كشف المعلومات أدى إلى إظهار الأنانية والوضاعة التي تعتري السياسيين وأصحاب القرار في إسرائيل، وأظهر أن إسرائيل الجديدة تقودها مجموعات ذات مصالح ضيقة تقود القرارات وليست المصالح العليا للدولة هي الحاكمة وليست المؤسسة، فباراك كان يرغب بأن يغامر بتأخير قصف المفاعل حتى بعد أن يصبح حارًا ومشعًا وقصفه يشكل إضرارًا بالبيئة من خلال انتشار الإشعاع الذي ينتشر في المنطقة، وبالتالي إدانة لإسرائيل؛ كل ذلك من أجل أنه يتوقع ان يكون يومها هو رئيس الحكومة ويسجّل الانتصار لنفسه! تحول القيادة الإسرائيلية إلى هكذا شخصيات يتطلب آليات جديدة لدراسة صناعة القرار في إسرائيل، تعطي أولوية للتحليل النفسي للفرد والمصالح الشخصية أكثر من التركيز على مصلحة الجماعة ومصلحة الدولة، لا شك بأن هذه الدولة تنحو نحو الشخصانية بعيدًا عن صورة المؤسسين الأوائل الذين يعتبرون في نظر المجتمع الإسرائيلي قادة مُضحين.

انشر عبر