اللغة : العربية

معضلة إسرائيل القطرية في غزة

14 آذار / مارس 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

بقلم: كوبي ميخائيل، يؤال جوزنسكي

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في نهاية فبراير، التقى في القدس وزير الشؤون الإقليمية تساحي هنغبي، والمبعوث القطري لقطاع غزة محمد العمادي، المسؤول عن مشروع إعمار القطاع. مثل اللقاءات السابقة، اللقاء عُقد رغم أن إسرائيل وقطر ليس بينهما علاقات دبلوماسية رسمية، ولكن لإسرائيل وقطر مصلحة مشتركة: نقل مساعدة إنسانية لقطاع غزة.

من ناحية إسرائيل، هذه المساعدات تساهم بتأجيل للمواجهة القادمة بينها وبين حماس. في مقابلة عقدت معه بعد اللقاء، قال العمادي أنه "بدون إسرائيل، لما كان أمر نقل المساعدات للقطاع أمرًا ممكنًا"، مضيفًا "الحقيقة أن ما نفعله بغزة يمنع الحرب المقبلة". أما بالنسبة لقطر، فالمساعدات تهدف لتسجيل نقاط لها، خصوصًا لدى الإدارة الأمريكية من أجل أخذها لصفها في الأزمة بينها وبين جيرانها في الخليج.

بينما تنفي قطر أنها تساعد حماس بشكل مباشر، لكن هناك شك كبير إن كان جزء - على الأقل - من المساعدات المحولة للقطاع من قطر لا يصل ليد الحركة. في هذا السياق، يُذكر أن قطر تستضيف في أراضيها رؤساء المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل في السابق وإسماعيل هنية اليوم (حتى وإن كان لا يتواجد في أراضيها بشكل دائم ومستمر كسابقه)، علاقة قطر مع القطاع توطدت في 2012 بعد زيارة الأمير حمد بن خليفة في غزة. حسب مصادر قطرية، فقد استثمرت قطر في قطاع غزة منذ عملية "الجرف الصامد" حتى اليوم حوالي 800 مليون دولار، دعم قطر لحماس هو الأكبر بالنسبة للمساعدات التي تتلقاها حماس من أي دولة عربية أخرى، هذه المساعدات تقوّي قدرات الحركة في الحكم بالقطاع، وخصوصًا من خلال دفع رواتب وتعزيز مشاريع إنسانية وبنى تحتية في المنطقة.

يجدر التأكيد على أن لدى قطر مصلحة في تحسين صورتها من خلال زيادة المساعدات الانسانية لقطاع غزة، كطريقة للتقرب من الولايات المتحدة وللحصول على دعمها على خلفية الأزمة بينها وبين بعض جيرانها في الخليج العربي. واشنطن نفسها تحاول المصالحة بين الصقور في الخليج، وقد قال مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط جيسون غرينبلات مؤخرًا أن التعاون بين إسرائيل وقطر قد يساعد سكان قطاع غزة، كما شارك غرينبلات المقابلة التي أجراها العمادي للإعلام في صفحته الخاصة على "تويتر".

المعضلة الإسرائيلية: نشاطات قطر في قطاع غزة تتم بموافقة ومساعدة إسرائيل. في الخلفية تُعقد علاقات تجارية (بشكل غير مباشر) بين إسرائيل وقطر، وإن كانت على نطاق صغير. يزور قطر مسؤولون إسرائيليون، بينما يزور إسرائيل قطريون لأسباب دينية بالدرجة الأولى. العمادي نفسه أشار إلى أنه زار إسرائيل 20 مرة منذ انتهاء عملية "الجرف الصامد".

بالإضافة إلى ذلك، رغم مبادرات تشريعية متعلقة بالأمر، قطر لا تعتبر إسرائيل دولة عدو، رغم أن مقر الأمن القومي ينشر تهديدًا يحذر مواطني إسرائيل من زيارة قطر. في الوقت نفسه، صرّح مسؤولون إسرائيليون في السنوات الماضية بلهجة حادة ضد قطر مطالبين بعزلها بحجة أنها تدعم الإرهاب. مع ذلك، لم يتوقف تعاون إسرائيل مع قطر في جهود المساعدات الإنسانية بالقطاع، بل تزايد في السنوات الأخيرة؛ وبذلك نلاحظ في السياسات المعلن عنها - على الأقل - لإسرائيل أمام قطر وتدخلها في القطاع أن هناك ازدواجية معينة.

يبدو انه في أساس السياسات الاسرائيلية إزاء قطر هناك اعتراف بأن التعاون مع قطر له مزايا أكثر من عيوبه، ومن بينها تقييد إجراءات إيران وإضعاف تأثيرها على حماس وعلى ما يحدث في قطاع غزة، كما أن قطر قد تكون قناة اتصال وعامل وسيط ذات تأثير على حماس، وفعلًا كان هناك تقارير تتحدث عن محاولات توسط من طرف قطر بين اسرائيل وحماس، تهدف من بين عدة أمور لتبادل أسرى. قضايا أخرى تم ذكرها في هذا السياق، مثل اقامة ميناء بحري أمام شواطئ قطاع غزة ومطار في مناطق القطاع. كما نقلت مصادر صحفية أنه حسب طلب إسرائيل والولايات المتحدة توقفت قطر عن استضافة مسؤول حماس صلاح العاروري، الذي انتقل للعيش في لبنان. علاوة على ذلك، إسرائيل لديها مصلحة في توجيه المساعدات القطرية لهدف إنساني، مع فهم أن هذه المساعدات قد تحسن الوضع الإنساني الصعب في المنطقة، ودفع مواجهة محتملة بينها وبين حماس، والتي قد تتوجه من طرفها لتصعيد عسكري من أجل حرف الانتقاد الشعبي عنها وتوجيهه نحو إسرائيل، وأيضًا كوسيلة لإضفاء شرعية لوضعها في القطاع.

في ظل الخلافات بين دول الخليج، فإن سياساتهم تجاه غزة غير موحدة؛ فجيران قطر لديهم رغبة بدفع أثرها من غزة، وجهودهم تشمل نقل مساعدات من الامارات المتحدة للقطاع، تقدر بـ 700 مليون دولار، عبر محمد دحلان. لدحلان نفوذ ومكانة في الشارع الغزي، ليس فقط بسبب خروجه من القطاع وطبيعة كونه معارضًا لمحمود عباس؛ بل أيضًا بسبب قدرته على تحويل أموال من الامارات العربية (حيث يعيش في سنواته الأخيرة) لصالح مشاريع مجتمعية وللعائلات المحتاجة. الامارات العربية تتمنى أن تراه وريثًا لعباس وزعيمًا لفتح والسلطة الفلسطينية.

في الواقع، السلطة الفلسطينية قلقة من أن تحظى حماس بدعم إضافي بفضل زيادة المساعدات للقطاع. العمادي، المبعوث القطري للمحادثات في إسرائيل، أشار في مقابلات للإعلام أن السلطة تمس بجهود إعمار القطاع، خصوصًا في كل ما يتعلق بتحسين قدرات توريد الكهرباء لسكان القطاع.

إسرائيل - التي طلبت أن تساعد عباس في تعزيز عملية المصالحة بين فتح وحماس - تعاونت مع السلطة الفلسطينية وقللت من إمدادات الكهرباء للقطاع، لكن بعد فترة، وحين اشتدت الظروف في القطاع، مارست إسرائيل ضغوطات على السلطة لتغيير سياساتها والعودة لضخ الكهرباء بالكميات السابقة. سلوك إسرائيل في هذه الحالة يعكس الازدواجية الإسرائيلية بين الرغبة في دعم السلطة الفلسطينية وبين ضرورة المساعدة لتقديم استجابة للأزمة الإنسانية في القطاع، ومعنى ذلك هو دعم حماس وإضعاف السلطة.

علاوة على ذلك، فإن زيادة تأثير قطر في القطاع معناه أيضًا زيادة التوتر بين إسرائيل وبين نظام السيسي في مصر، المهم جدًا بالنسبة لإسرائيل الحفاظ على تعاون استراتيجي معه، وبينها وبين الثلاثة أعضاء الآخرين في "الرباعية العربية"، السعودية، الامارات، والبحرين، التي تفرض حظرًا على قطر منذ يونيو 2017، والتي تسعى إسرائيل لتطوير علاقاتها معهم في إطار جبهة إقليمية ضد إيران.

وفقًا لذلك، هناك توتر أساسي بين المصلحة الاسرائيلية لتحسين الوضع الإنساني في القطاع وبين ضرورة الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع مصر، نضيف عليها أيضًا اتفاق الغاز المهم الذي تم توقيعه مؤخرًا، ومع بعض دول الخليج التي لا تنظر بشكل إيجابي إلى تأثير قطر في القطاع.

يُضاف إلى ذلك علاقة تركيا في التأثير والوجود القطري في القطاع، في ظل وجود علاقة قوية بين البلدين، تركيا وقطر أسستا محور دعم للإسلام السياسي في المنطقة، وتدخلهما في قطاع غزة هو جزء من استراتيجية عمل واسعة جدًا، تظهر أيضًا في ساحات أخرى.

منذ أن تم فرض الحظر على قطر، أصبح أمر نقل المساعدات القطرية لغزة أكثر تعقيدًا، إذ أن مصر لا تسمح بنقل البضائع والمواد الخام من قطر عبر معبر رفح. إسرائيل بقيت بالتأكيد هي الطريق الوحيد لقطر لنقل مساعدات للقطاع، اسرائيل تحظى من خلال ذلك بقدرتها على التأثير على قطر وحماس أيضًا؛ لذلك، من الممكن أن تستطيع إسرائيل الاستفادة من الأهمية التي تعطيها حماس للمساعدات القطرية في تشكيل ضغط قطري على حماس لإعادة جثث جنود الجيش والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين لدى الحركة.

على إسرائيل أيضًا أن تدرك - بإجراءات مناسبة مع الإدارة الأمريكية ومصر - إمكانية تليين الرفض القطري للاستجابة للمطالب التي وضعتها لها اعضاء الرباعية العربية كشروط لإلغاء الحظر، وعلى رأسها تبريد العلاقات مع إيران. كما أن على إسرائيل أن تحافظ على تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة، مع إطلاع مستمر لمصر، بمحاولة التخفيف من المعارضة المصرية لدمج قطر في حل الأزمة الإنسانية في القطاع، من بين جملة أمور من خلال تحقيق عمل معبر رفح. في الوقت نفسه مساعدة للجهود الأمريكية لتخفيف التوتر بين قطر ومصر.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر