اللغة : العربية

إسرائيل تغرس أقدامها أكثر في شرق المتوسط

13 آذار / مارس 2018

مركز دراسات الأمن القومي

 

عوديد عران، عيلي رتيج، أوفير فينتر

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في 19 فبراير، أعلنت شركات الغاز في إسرائيل عن توقيع عقد لتصدير 64 متر مكعب من الغاز الطبيعي لمصر بتكلفة 15 مليار دولار لمدة عشر سنوات. العقد المبرم، بين مالكي حقول "تمار" و"ليفيتان" لمجموعة "دولفين" المصرية، يستند على أساس وثيقة تفاهمات من أكتوبر 2014. يمكن التقدير بأن حكومة إسرائيل كان لها دور مهم في تحقيق الصفقة، سواء بتعزيزها أمام حكومة مصر، وربما أيضًا بتغطية الضمانات المطلوبة من "دولفين" للموافقة عليها.

الضوء الأخضر في القاهرة على توقيع صفقة الغاز، بعد تأخير طويل من طرف مصر، اعتمد على عدة اعتبارات؛ الأول: تطلّع مصر لتسوية التعويضات بمبلغ 1.76 مليار دولار، المطلوب من شركات الغاز المصري دفعها لشركة الكهرباء في إطار تحكيم دولي من 2015. الثاني: قرار تخصيص غالبية الغاز في حقل "ظهر" للسوق المصري يمهّد الطريق لضخ الغاز من إسرائيل، من قبرص ومن دول أخرى لمنشآت التسييل في دمياط وإدكو من أجل تصديرها لأوروبا؛ خطوة تزيد من القيمة الاقتصادية والسياسية الكامنة في كون مصر الوحيدة في المنطقة التي تمتلك بنى تحتية للتسييل. الثالث: ضمان بعائدات تقدر بحوالي 22 مليار دولار خلال عشر سنوات وتقوية العلاقة الاقتصادية بين مصر وأوروبا.

رغم كل مزاياها، تُثير صفقة الغاز مع إسرائيل جدلًا عامًا في مصر، وقد خرجت عناصر إسلامية - أغلبهم من المنفيين خارج مصر - ضد "استيراد غاز عربي إسلامي مسروق من دولة احتلال، وإدخال المليارات لمالية الصهاينة"، وعبّر مسؤولو معارضة يعملون داخل مصر عن قلقهم من خلق اعتماد مصري على إسرائيل، لكن تركز انتقادهم على التشكيك في الجدوى الاقتصادية الناتجة عن الصفقة بالنسبة للجمهور المصري العام وانعدام الشفافية التي رافقت توقيع الاتفاق.

ردًا على ذلك، أشار متحدثون باسم الشرطة إلى الاعتبارات التركية القطرية الخطيرة التي تقف وراء جزء من الانتقادات للصفقة، لقد صغروا من دور الحكومة المصرية بالتوسط في الصفقة، قللوا من أهميتها السياسية وأكدوا على فوائدها الاقتصادية.

الرئيس السيسي، المنشغل حاليًا بالحملة الانتخابية لفترة ولاية ثانية، أعرب عن رضاه من أن الغاز في المنطقة سيخرج من مصر وليس عبر دول أخرى، ملمحًا إلى تركيا. حسب قوله، حققت مصر موطئ قدم في شرق البحر المتوسط نتيجة للاتفاق، وثبتت نفسها كمركز طاقة إقليمي، وحسب رأيه "سجلت مصر جول عظيم".

الـ "جول" الذي احتفل به السيسي يضع - كما يبدو - إسرائيل ومصر كلاعبيْن يلعبان في نفس الفريق ويعملان لأجل تعزيز أهدافهما المشتركة. الصحافة المصرية الحكومية أكدت على المكاسب التي تحققها الصفقة لكلا البلدين، بعض المقالات أشارت للعلاقة بين التنسيق الأمني في سيناء وتوسيع التعاون في مجال الطاقة. هذا المنظور المصري يعطي عمقًا إضافيًا لعلاقات السلام، ويُبرز المصالح المتبادلة طويلة الأمد.

إن صفقة الغاز تخلق منصة لتعاون ثنائي ومتعدد يضم أطرافًا أخرى في المنطقة، تشمل مصر وإسرائيل. مع ذلك، من السابق لأوانه اعتبار الصفقة كتقدم في مجال التطبيع، فصفقات الطاقة تتم بين مصر وإسرائيل منذ سنوات الثمانينات، أي ان الصفقة الحالية لا تعتبر سابقة. علاوة على ذلك، من الصعب التقدير في هذه المرحلة لأي درجة ستُحدث ثمار الصفقة تأثيرًا بالنسبة للجمهور المصري العام وستزيد من تقديره وتعاطفه مع السلام.

قضية مركزية لم تلقَ جوابًا في الاتفاق، وهي طبيعة نقل الغاز من إسرائيل لمصر. في بيان لاحق لشركات الغاز أُشير إلى مفاوضات تجري الآن مع شركة EMG لتحويل اتجاه الأنبوب الأصلي، الذي تم إغلاقه في 2011؛ هذا هو البديل الأسرع والأرخص، لكنه يضم تحديات أمنية كبيرة، إذ أنه يتعرض للتخريب في شبه جزيرة سيناء، سواء لأسباب أيديولوجية أو للابتزاز الذي يمكن أن تمارسه القبائل في المنطقة.

في حال لم يتم اللجوء لهذا البديل، بديل رخيص آخر سيكون بناء أنبوب بري بطول 100 كيلومتر من جنوب قطاع غزة يربط بين أنبوب الغاز في جنوب إسرائيل وبين أنبوب الغاز المصري في سيناء عبر معبر كرم أبو سالم أو نيتسانا؛ هذا البديل سيسمح لإسرائيل بالوصول لأنبوب الغاز العربي للأردن (الواصل أيضًا للبنان وسوريا)، لكنه سيكون أيضًا معرضًا للتهديدات الأمنية.

بديل مضمون لكنه أغلى بكثير يشمل مد خط أنبوب تحت مائي مباشر من حقل "تمار" لمصر على طول 300 كيلو متر. حقيقة أنه تم توقيع صفقة بين الجانبين دول ذكر موضوع النقل (البند الذي يعتبر له تداعيات مهمة على أرباح الصفقة وثمن الغاز) يثير احتمال أن تكون هناك اعتبارات سياسية واقتصادية أخرى لعبت دورًا في نجاح الصفقة أو توقيتها. بالإضافة لمشكلة النقل، فإن الفشل في حل قضية الدين لشركة الكهرباء أيضًا قد يُصعب تنفيذ الاتفاق.

البديل المصري لنقل الغاز من إسرائيل، وفي المستقبل من قبرص وربما أيضًا من لبنان، يصبح أكثر واقعية من أمر مد أنبوب لتركيا، ويرجع ذلك لتطرف في السياسات الإقليمية لتركيا، التدهور في علاقاتها مع أوروبا، وقوة حزب الله المتوقعة بعد الانتخابات القادمة في لبنان، التي يُتوقع أن يمر الأنبوب عبر مياهها الاقتصادية. تضاف إلى ذلك سياسات طاقة جديدة قادتها تركيا في العام الماضي، تسببت بتخفيف زيادة احتياجات الغاز الطبيعي في الاقتصاد لصالح استخدام الفحم والطاقة المتجددة (والطاقة النووية لاحقًا).

في المقابل، تقدم مصر لإسرائيل سوقًا محليًا متطورًا وإمكانية استخدام منشآت التسييل في النقل لأوروبا. ونظرًا للمنافسة القوية المتوقعة على سوق الغاز المسيل في أوروبا في السنوات المقبلة، فإن استخدام منشآت التسييل القائمة هو البديل الحقيقي أمام شركات الغاز في إسرائيل في حال كان برغبتها اقتراح ثمن منافس.

بالإضافة للأنبوب لمصر، تم بناء أنبوب للأردن، كجزء من اتفاق توريد 45 متر مكعب غاز على مدار 15 عامًا، والذي تم توقيعه في 2016. الأنبوب سيمر من الشمال لبيسان وسينقل الغاز أيضًا للسلطة الفلسطينية، كما انه سيسمح بضخ الغاز بكميات كبير بثلاثة أضعاف من المطلوبة ضمن الصفقة الأردنية ويفتح إمكانية "ارتباط شمالي" مع أنبوب الغاز العربي الذي يمر بالأردن.

الصفقات مع مصر والأردن لها قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لإسرائيل والمنطقة. يضاف إليها اتفاق مستقبلي محتمل مع السلطة الفلسطينية، سيسمح بتوريد الغاز - وربما إنتاج الغاز أيضًا - أمام شواطئ غزة. هذه الاتفاقات تعمل على تعزيز علاقات إسرائيل مع جيرانها، من خلال خلق مجموعة مصالح مشتركة، كما تفتح الإمكانيات أمام تعاون إقليمي غير موضوع الغاز الطبيعي، مثل تصدير وتوريد كهرباء وماء محلاة.

من ناحية أمنية، ضخ الغاز من إسرائيل لمصر، الأردن والسلطة الفلسطينية يتحول لمصلحة إقليمية، ليست إسرائيلية فقط. في ظل الواقع الجديد الذي سيُخلق، أي مساس بقدرات إنتاج الغاز لإسرائيل - من ناحية حزب الله أو حماس - سيمس أيضًا بتوريد الكهرباء للأردن، مصر والسلطة، التهديد سيشكل مكونًا مهمًا في التعاون الاستخباراتي والأمني من طرف دول الجوار للكشف عن أعمال التخريب ومنعها، كما أنه يشكل حافزًا لتهدئة الوضع في حال اندلعت مواجهة مع أحد التنظيمات. من ناحية اقتصادية، تقديم شراكة بين إسرائيل وجيرانها في كل ما يتعلق بموارد الطاقة سيشجع دخول مستثمرين آخرين لمنطقة شرق البحر المتوسط، وسيظهر لهم أنه من الممكن تنفيذ مشاريع واسعة النطاق للإنتاج والتصدير التي تحتاج لتعاون إقليمي.

الصفقة قد يكون لها آثار على القضية اللبنانية، فالخلافات غير المحسومة بين لبنان وإسرائيل بشأن تعيين الحدود البحرية تشكل قلقًا سياسيًا وأمنيًا بالنسبة لإسرائيل. من ناحية أخرى، هي لم تمنع مصر أو الأردن من الدخول في صفقة طويلة الأجل في مجال الطاقة مع إسرائيل.

واضحٌ أن للمواجهة بين إسرائيل ولبنان عواقب وخيمة، لا سيما بالنسبة للبنان، تتمثل - من بين جملة أمور - في عدم إمكانيتها استغلال النفط والغاز من مياهها، وقد تمس بمصالح إسرائيل فيما يتعلق بتطوير احتياطي الغاز القريبة من الحدود.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في الدراسة تعبّر عن كُتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر