اللغة : العربية

علاقة صفقة القرن بأزمة الانتخابات المبكرة في إسرائيل

05 آذار / مارس 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

 

أطلس للدراسات

غادر نتنياهو إلى واشنطن قبل يومين، في زيارة ستستغرق خمسة أيام، يُشارك خلالها في مؤتمر الايباك السنوي، ومن المقرر أن يجري لقاءً مع ترامب في البيت الأبيض، وعلى جدول أعمالهما المشترك ملف إيران بكل ترجماته، والملف السياسي الشرق أوسطي، بما في ذلك ما يطلق عليه "صفقة ترامب".

غادر إلى واشنطن وترك خلفة أزمة ائتلافية مع الكتل الأصولية ومع حزب كحلون، فالأصوليون يطالبون بسن قانون أساس لتعلم التوراة، يلتف على قانون التجنيد بعد أن أسقطت المحكمة العليا التغييرات على القانون، التي تعفي متعلمي التوراة من التجنيد الإلزامي، ومنحتهم المحكمة حتى نهاية سبتمبر قبل إلزامهم بصيغة القانون قبل التعديل.

يذكر ان الاتفاقية الائتلافية تضمنت موافقة من الكتل الائتلافية على سن قانون بإعفاء دارسي التوراة من الخدمة في الجيش، وهو يعتبر بمثابة الإنجاز الأهم للأصوليين في سلم أولوياتهم بعد أولوية زيادة موازناتهم المالية، ولديهم تخوفات كبيرة - في ظل الشكوك الكبيرة التي تتعلق باستقرار الائتلاف الحكومي - في أنهم إن لم يحصلوا على القانون بهذه الفترة ألا يحصلوا عليه لاحقًا.

كان يمكن للأمور أن تستمر دون انفجار للأزمة عبر احتوائها بتشكيل لجان وإقرار القانون في قراءة تمهيدية غير ملزمة لأحد قانونيًا، وكان يمكن للأصوليين أن يقبلوا بذلك لو لم يعلن كحلون وزير المالية ورئيس حزب "كلنا" إصراره على تمرير موازنة 2019 وإقرارها في الحكومة والكنيست قبل نهاية الدورة الحالية للكنيست، والتي تنتهي في 19 مارس الجاري.

كحلون من جهته كان بإمكانه تأجيل إقرار الموازنة للعام 2019 حتى نهاية سبتمبر القادم بحسب ما يحدده قانون الموازنة، لكنه مثل الأصوليين ومثل بقية الكتل لا يثق بأن هذا الائتلاف قد يستمر حتى سبتمبر القادم، وهو يرى في إقرار الموازنة أحد أهم إنجازاته التي سيقدمها لجمهور ناخبيه. وفي حال ساد اعتقاد قوي بقرب الانتخابات، فإن أي من أطراف الائتلاف - باستثناء الأصوليين - لن يوافق على سن قانون يعفي الأصوليين من الخدمة الإلزامية.

الجميع يشعر بأن الأجواء هي أجواء عشية انتخابات، وأن أيّ من الكتل لا تثق بالأخرى، ويتأثر كثيرًا معيار حساسيتهم للانتخابات بمراقبتهم الدائمة لاتجاهات نتنياهو فيما يتعلق بالانتخابات، وتقديرهم بأن نتنياهو أول شيء يقوم به يوميًا هو قراءة استطلاعات الرأي والتشاور مع مستشارية حول أي من الخيارات الأفضل له شخصيًا: استمرار الائتلاف الحكومي أم الذهاب إلى الانتخابات، وفي حال كانت الأفضلية للذهاب إلى الانتخابات، يأتي السؤال الآخر: ما هو التوقيت الأفضل؟ ثم سؤال: على أي خلفية من الأفضل الذهاب إلى الانتخابات، خلفية أمنية أم اقتصادية أم اجتماعية، ومن بينها قضية الدين والدولة؟ ومن خلال مراقبتهم لسلوك نتنياهو؛ يبدو أنهم يميلون للاعتقاد بأن نتنياهو لا يبذل جهدًا كافيًا لحل الأزمة، على الرغم من أنه أعلن قبل إقلاعه لواشنطن أنه غير قلق على استمرار استقرار ائتلافه، وشكّل لجنة برئاسة الوزير ياريف لفين للتوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف.

لقد نجح نتنياهو على مدار ما يقارب من ثلاث سنوات في إيجاد حلول للكثير من الأزمات التي هددت الائتلاف، معتمدًا على الصيغ التوافقية، وعلى أن ليس في مصلحة أحد من أطراف الائتلاف إسقاط الائتلاف الأفضل لهم جميعا، فبالنسبة للأحزاب المكونة لها تعتبر حكومة الأحلام، ومن غير المؤكد أن تتكرر في الانتخابات القادمة.

يظهر جميع المراقبين للحلبة الحزبية والسياسية الإسرائيلية صعوبة في معرفة وتقدير كيف يمكن لتبكير الانتخابات أن يخدم نتنياهو، لا سيما وأن جدول عمل المستشار القانوني مندلبليت غير واضح، فماذا لو أعلن المستشار تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو تتهمه بالرشوة في ذروة الحملة الانتخابية؟ الأمر الذي لابدّ سيؤثر في جمهور الناخبين وسيجعل الفساد ومحاكمات نتنياهو أهم قضية في أجندة الانتخابات، وهو أمر لا يعمل لصالح نتنياهو، لكن من جهة أخرى فإن افتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة في 14 مايو وافتتاحها من قبل ترامب في ذروة الحملة الانتخابية سيعمل كريح إسناد قوية لصالح نتنياهو، وربما نتنياهو يعتقد أيضًا بأن مندلبيت سيمتنع عن السماح للمحققين بإجراء أي تحقيق أثناء الحملة الانتخابية خوفًا من أن يُفسر ذلك بالتأثير على الانتخابات، وبالتالي سيمنح نتنياهو وقتًا إضافيًا مريحًا.

الانتخابات المبكرة تظل في إسرائيل خيارًا قائمًا وواقعيًا دومًا، وبالتجربة فإن آخر أربع حكومات أكثر من عامين ونصف العام، وهذه الحكومة هي الأطول عمرًا منذ عقد، وفي وقت ما بين نهاية العام وبداية العام المقبل ثمة احتمالية قوية لإجراء انتخابات حتى بدون انفجار أزمات قوية، لذلك فإن الذهاب للانتخابات في الأشهر القريبة القادمة لا يعتبر أمرًا ذا مغزى كبير على المستوى الحزبي الداخلي في إسرائيل.

لكنه قد يكون ذو مغزى وأهمية خاصة على المستوى السياسي، وهنا نعتقد بأن من بين الأسباب الخفية التي قد تدفع نتنياهو إلى توظيف هذه الأزمة وتحويلها إلى سبب للانتخابات المبكرة، هي ما يعرفه نتنياهو عن صفقة ترامب التي ينوي ان يعرضها على الأطراف في الأشهر القريبة، ولمعرفتنا بعقلية نتنياهو التي ترفض أي حلول أو تنازلات للفلسطينيين مهما كانت محدودة، وتفضيله الاستمرار في إدارة الصراع وفرض أقصى ما يمكن من وقائع على الأرض كأمر واقع؛ فإن نتنياهو لن يكون سعيدًا بصفقة ترامب مهما جاء فيها، حتى وإن اضطر ان يعلن قبولها بشروط وتحفظات، فبالنسبة له فقد أخذ من ترامب أهم شيء (القدس والسفارة والاستيطان)، وهو لا يريد أن يصل إلى مرحلة يضطر فيها لأن يفكك ولو بؤرة استيطانية واحدة، لذلك فإن تبكير الانتخابات وتحول الحكومة إلى حكومة تسيير أعمال دون ان تمتلك أي حق في النقاش والبحث بمبادرات سياسية، سيمنحه وقتًا مهمًا وثمينًا وكافيًا ربما للتحايل على الصفقة وتقطيع الوقت.

في النهاية فإن كل الخيارات لازالت ممكنة، حيث لا زال ممكنًا احتواء الأزمة الائتلافية بصيغ توافقية أو تصعيد الأزمة وصولًا إلى حل الحكومة؛ كل ذلك مرهون بشخص نتنياهو وبوقت زمني محدد لا يتجاوز مدة أسبوعين.

انشر عبر