اللغة : العربية

معاريف / الحل الذي يدحره الجميع

11 شباط / فبراير 2018

بقلم: جاكي خوري

ثلاث سنوات ونصف السنة، منذ انتهى حرب "الجرف الصامد" لم يجرِ في اسرائيل بحث علني واعٍ بهذا القدر في الوضع في غزة مثلما يجري هنا هذا الاسبوع. وزراء، جنرالات، مراسلون عسكريون ومحللون للشؤون الفلسطينية سألوا كيف بحق الجحيم تحل المشكلة. ولكن قلة قطعوا العظم بالسكين، كما يقول المثل العربي. غزة تستدعي أسئلة صعبة. على رأسها، لماذا لا نفحص بعمق خيار التسوية مع حماس. تسوية ليست سلاما أو حتى حلفا، بل لقاء مصالح، من النوع الذي يقترحه زعماء حماس في جملة من القنوات منذ بضع سنوات.

ثلاث امكانيات تقف امامها اسرائيل. احتلال القطاع، احتواء المشكلة أو المبادرة الى تسوية. وفي ثلاثتها توجد الغام. الجيش الاسرائيلي ينطلق لإسقاط حكم حماس ويعيد احتلال القطاع. من سيسيطر فيه في اليوم التالي؟ فمصر تخلصت منه في 1967. القدس فرحت لان غزة وقعت في يدها. والقاهرة ايضا كانت سعيدة، لذات السبب أيضا. أبو مازن؟ حتى لو أراد، أو وعد مسبقا بان يأخذ المهامة على رأيه، مشكوك جدا أن ينجح. غزة اليوم ليست تلك التي اخذت منهم في 2007. سكانها أكثر تطرفا وفقرا، منقطعون وغاضبون على السلطة. ابو مازن لا يرى فيها اقليما انتزع منه، بل عبء ثقيل. هو أيضا، لشدة الدهشة، يحاول الهرب منها.

 حسب التقدير، في المعارك لإسقاط حكم حماس سيسقط بين 200 – 400 جندي من الجيش الاسرائيلي. اليوم التالي لا يبشر بالخير. بعد نحو عقدين من اخلاء لبنان يمكن للجيش الاسرائيلي أن يغرق مجددا في حرب عصابات على أرض غريبة. المهامة المدنية – ادارة الشؤون اليومية للقطاع – ستجبي مليارات الشواكل من صندوق الدولة. كل هذا، ولا ضمانة في أن تتوقف نار القسام.

 

رسائل سرية

اما سياسة الاحتواء، او القرار بعدم القرار، ستطبقها اسرائيل في القطاع منذ اكثر من عقد. مخاطرها معروفة لنا جميعا. توتر دائم، بينما تندلع كل بضع سنوات حرب. سكان بلدات غلاف غزة أسرى في ايدي مطلقي القسام. الجيش الاسرائيلي يجد صعوبة في الدفاع عنهم، وهم يخضعون لنية حماس الطيبة. حرب اضافية تتضمن نارا كثيفة نحو غوش دان، تعطيل الطيران ونزول نصف سكان اسرائيل الى الملاجيء.

كما توجد مخاطر مستقبلية، مثل ولادة جيل غزي لا يعرف الاسرائيليين عن قرب، تربى على أن يرى في اسرائيل عدوا أو مستغلا ويطور نحوها مشاعر الانتقام. سيأتي يوم وحتى الجانب الاخلاقي من شأنه أن يدق بابنا بكل قوته. صحيح أن القلب اليهودي تربى على أن يدافع عن نفسه، ولكنها ليست مهامة بسيطة بالنسبة له أن يحشر مليوني مواطن في معسكر كبير، مع العلم بان الغالبية الساحقة لا ذنب لهم.

أما خيار التسوية فهو على الورق، الاكثر إثارة للاهتمام منها جميعها. فالفكرة بحد ذاتها بسيطة جدا. والتحدي هو في التنفيذ. اسرائيل ترفع الحصار، وبالمقابل تحصل على حدود هادئة. لحماس مسؤولية كاملة على الا يطلق اي صاروخ شمالا. واسرائيل من جهتها تتعهد بان تمنح سكان القطاع وزعماءهم حرية حركة. للسفر الى الخارج متى شاءوا، ليستوردوا ويصدروا، وليصيدوا دون قيد. ليس هذا اتفاق سلام، وهو لا ينطوي على اخلاء بلدات أو تنازل عن اراضٍ. قادة حماس يلمحون بعناد لرغبتهم في التسوية. والرسائل من مكاتبهم ازدادا منذ ايام "الجرف الصامد". وهي ترسل بقنوات دبلوماسية أو بتصريحات علنية مبطنة وفي اسرائيل يحلون لغزها. كما ترافقت الاشارات بالأفعال ايضا. فقبل سبع سنوات اقامت الذراع العسكري لحماس وحدات التجلد، وهذه قوة خاصة تلاحق مطلقي القسام. في القطاع هناك من هزء بهم ووصفوهم بأنهم "حرس حدود اسرائيل". ومثلما نشر لأول مرة في هذه الصفحة، ففي إطار محادثات المصالحة بين حماس والسلطة، اعربت حماس عن موافقة ايجابية على اقتراح مصري بنسخ التهدئة في قطاع غزة الى الضفة الغربية. الخطة لم تتحقق، لأنها كانت جزءا من رزمة المصالحة التي فشلت.

عن نزع السلاح، طوعا وبلا شرط، يرفضون في حماس الحديث في هذه المرحلة. وفي نظر حماس فإنها تقاتل في سبيل وجودها وتوجد في تهديد وجودي. وسلاحها هو وسيلة دفاع ضد التصفية. مهمته ان يكون ايضا ورقة ضغوط على اسرائيل بهدف دفعها نحو رفع الحصار.

 

عزلة إقليمية 

لدى الكثير من الاسرائيليين، بمن فيهم كبار المسؤولين، فان التفكير في التسوية مع حماس تثير الهواجس. لعلها وصفة لفشل مدوٍ يجبي ثمنا دمويا ولكن من المفاجيء ان نعرف انها لم تفحص بعمق على الورق. فلا توجد جهة في اسرائيل وضعت خطة مفصلة لحل في قطاع غزة تتضمن فضائل التسوية، آليات التصدي لمخاطرها الامنية، آثارها السياسية ومعانيها الاقتصادية على اسرائيل وعلى الفلسطينيين. وأحيانا تطرح اقتراحات بشأن القطاع، ولكنها موضعية كخطة الوزير اسرائيل كاتس لإقامة جزيرة امام شواطيء غزة تشكل مصاف طيران نظيف، برقابة اسرائيلية وثيقة، يمنح سكان القطاع فتحة للعالم. واقترحت قبرص، صديقة اسرائيل، وضع ميناء ليماسول تحت تصرف اسرائيل وحماس. وحسب الاقتراح، تقام في هذا الميناء منشأة برقابة وادارة اسرائيلية يصل اليها بشكل عام كل من يخرج من غزة أو يعود اليها، قبل أن يواصلوا الى مقاصدهم. والبضائع التي ترسل الى القطاع، تنزل في ليماسول وتفحص قبل أن يسمح لها بمواصلة الطريق، تحت رقابة اسرائيلية، في الطريق الى غزة عبر البحر.

 اسرائيل وحماس باتتا مجربتين لآلية واحدة كهذه. فقبل سنتين ونصف السنة، وضعت خطة مفصلة لإدخال الاسمنت الاسرائيلي لسكان غزة ممن تضررت بيوتهم في الحرب. وبواسطة الامم المتحدة اقام منسق اعمال الحكومة في المناطق جهازا قرر الكمية اللازمة لكل عائلة، وحرص على أن يوفرها بدقة. ونقل الاسمنت بالشاحنات وسلم في حاجز ايرز تحت عيون المراقبين وكاميرات الفيديو، في قاعة اعدت لذلك. كل واحد تلقى بالضبط عدد الاكياس اللازمة له والكثيرون رمموا هكذا بيوتهم.

 صحيح حتى الان، تعمل الظروف الاقليمية لصالح اسرائيل، اذا ما رغبت في فحص امكانية التسوية. فجيل الزعماء الحالي لحماس، الذي ورث عن الاباء المؤسسين، يسعى الى الخروج من دور الولد الشرير في الحارة ويتوجه الى نيل الشرعية الدولية. حماس معزولة اقليميا، ومكانتها الاقتصادية مهزوزة. وحتى اخوانهم في السلطة الفلسطينية يديرون لهم الظهر. وبالمقابل يمنحون اسرائيل استقرارا نسبيا. المصريون مستعدون لان يعرضوا خدمات الوساطة، ودافعهم في ذروته، لأسبابهم الخاصة. مكانة اسرائيل متينة، وهي ستصل الى الخطوة بينما يدها هي العليا، ودون سيف مسلط على رقبتها، وسيسعد الدول العربية استثمار مشروع حقيقي للقطاع، حيث سيسحبون من الايرانيين ساحة نفوذ وسيصفون ايضا بؤرة اقليمية عدم الاستقرار. ورغم ذلك، خائفون من التسوية - يمكنكم ان تنامو بهدوء (والصلاة الا تخيب "القبة الحديدية" الآمال). حالة الشك بين الطرفين عميقة والشكوك في الجانب الاسرائيلي في السماء. كيف قال ذات مرة صحافي ما، وان كان على جبهة اخرى: خطر السلام انقضى.

انشر عبر

متعلقات

معاريف / علم الهستيريا

الإثنين, 13 أغسطس 2018

معاريف / لا زعامة

الخميس, 09 أغسطس 2018

معاريف / التورط في غزة

الأربعاء, 08 أغسطس 2018

معاريف / آيزنكوت يحاول الانقاذ

الأربعاء, 01 أغسطس 2018