اللغة : العربية

إسرائيل تعلن حربها الشاملة وكتّابها يبحثون في الأدوات

11 كانون الثاني / يناير 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

إطلاق الصواريخ وسبل مواجهتها وتأجيل الانفجار وترميم الردع هو ما يشغل معظم كتاب الرأي الإسرائيليين، في تناول الموضوع الأكثر سخونة على المستوى الأمني، وهم كعادتهم يتبنون كالببغاوات التقارير والتقديرات الأمنية الإسرائيلية، وكذا المواقف السياسية المركزية، ويحاولون الاجتهاد في التفاصيل وفي إخراج الخطط الإسرائيلية بطريقة جراحية دون النظر للأسباب الرئيسية، ودون إجراء أي نقاش حقيقي. حتى لو كان الكتاب يصفون أنفسهم بالباحثين ويكتبون لمراكز دراسات كبيرة في تل أبيب، فبالنسبة لهم الاحتلال أمر واقع لا يمكن الحديث عنه، والاستيطان أمر واقع، و"رفض الفلسطينيين وميلهم للعنف والإرهاب" أمر واقع، ولا يتبقى سوى تقليل الخسائر الإسرائيلية وإلحاق الهزيمة بالفلسطينيين، وهو بالنسبة لهم دومًا أمر ممكن بمزيد من القوة والحنكة، ولو لاستقطاع وقت محدد من الهدوء، فإسرائيل منذ ان نشأت تعيش بين فترات متقطعة من الهدوء الذي تفرضه بقوة سلاحها وبطش أمنها.

إسرائيل تشخصنا عدوًا، وتعتبر معاركها معنا معارك ضمن حرب استراتيجية كبرى لتصفية العدو وإلحاق الهزيمة الشاملة به، لكنها لا تصرح بذلك علنًا، وتتصرف وفق ذلك دون أن تعلنه، وفي السنوات الأخيرة - ولا سيما في ظل حكومة نتنياهو الأخيرة ورئاسة ترامب - تطلق هجومًا شاملًا ومتسارعًا على كل الجبهات، على جبهة الاستيطان وتثبيت الأمر الواقع، بحيث لا يبقى مكان لإقامة الدولة الفلسطينية، وتتنافس في التشريع لتعميق الاحتلال وضم المستوطنات، وصولًا إلى ضم كل الضفة كما اقترح حزب "الليكود"، وتدفع بقوة لتصفية وخنق الوكالة لما تحمله من تذكير للعالم بقضية اللاجئين وأسباب تحولهم إلى لاجئين، وقضيتهم التي لا زال المجتمع الدولي يصم آذانه عنها، وتطلق حملات استراتيجية على المستوى الدبلوماسي ومؤسسات التأثير في الرأي العام، فمؤسسة "فيسبوك" بات ذراعًا إسرائيلية في مواجهة الصفحات الفلسطينية، والعالم يصمت عن تقييد ومنع نشاط منظمات دولية ترصد انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني، بل وأحيانًا يستجيب للمطالب الإسرائيلية بوقف تمويل بعض المنظمات الفلسطينية بسبب تصريح أو موقف رافض للاحتلال.

ورغم ان حرب إسرائيل الأكثر فتكًا وتأثيرًا على مستقبل المنطقة هي على ساحة الضفة، فإن الكتّاب - وتأثرًا بالمزاج الشعبوي السائد في الإعلام ولدى النخبة قبل المجتمع، وبسبب الثمن - يميلون أكثر للكتابة عن سخونة الجبهة الجنوبية، ويبدو أننا كغزيين بالنسبة لهم لسنا أكثر من وحوش يجب ترويضها، تارة باستخدام الردع العنيف وتارة بتقديم بعض الطعام، أما أمر القفص الذي نعيش داخله فهو ليس من شأنهم ولا علاقة لهم به، وقدرنا ان نعيش داخله أو نبحث عن حريتنا جنوبًا.

ويبدو ان علينا أن نشكرهم، لأنهم يبدون حساسية وتفهمًا لاحتياجاتنا الإنسانية، فيذكرون حكومتهم ان سوء الأوضاع الاقتصادية وشظف العيش والحصار المتواصل سيؤدي إلى انفجار الغضب، وعلى إسرائيل ان تكون رحيمة وتبدي بعض السخاء في تقديم بعض التسهيلات، رغم أنها "غير مسؤولة عمّا يحدث في القطاع"، ولكنها بنظرهم ستبقى مسؤولة من وجهة نظر المجتمع الدولي، ولأن الفلسطينيين لا يعرفون أن يوجهوا غضبهم سوى لإسرائيل، ولأن إسرائيل دولة متحضرة لا تمارس القتل إلا دفاعًا عن نفسها، وعندما تمارسه ضد الأطفال والمعاقين تحرص على أن تظل الدولة الأكثر أخلاقية في العالم، وهي بالمناسبة تغضب كثير لو تم إدراج أخلاقياتها وطهارة سلاحها رقم (2) على سلم الأكثر أخلاقًا وطهرية في العالم، مثلًا بعد فنلندا أو سويسرا، وتتهم من قام بالتدريج التصنيفي باللاسامية، ولأنها كذلك في نظر كتابها ونفسها، فهي تحرص ان يبدو قتلها للأطفال قتلًا رحيمًا، ولن تنسى للفلسطينيين جرمهم الكبير بأنهم أجبروا الشباب الإسرائيلي المتحضر على ان يضطر لقتلهم.

نحن بالنسبة لهم مشكلة معقدة، والتعقيد بنيوي عضوي يعود لطبيعة العرب والفلسطينيين على وجه الخصوص، وأن لدينا قدرة دائمة على إنتاج المشاكل، وفي مقدمة أدوات الحل ونصائحه؛ بات يبرز مفهوم متذاكٍ وإبداعي جديد يطلق عليه "صندوق العدة" ("ارغاز هكيليم" بالعبرية)، وهذا الصندوق الساحر توجد به كل الأدوات الحديثة والقديمة، بما فيها الذكاء التكنولوجي، وهو قادر على أن يوفر لك دومًا الأداة التي تساعدك في حل المشاكل بسهولة ويسر وسرعة ونجاعة إنجاز، تمتلكه الحكومة والجيش. ذكاء هؤلاء الكتاب يكمن في اقتراحهم على الحكومة أي من أدوات الصندوق يستخدمون، ومتى وبأية طاقة، فالأدوات متوفرة - بحسب زعمهم - لكن المشكلة بمن يستخدمها بالطريقة الصحيحة.

إسرائيل تمارس حربها الشاملة علينا دون أن تعلنها، بينما نحن نعلن الحرب دومًا دون ان نمارسها، وإن دخلناها ندخلها مشتتين وبعفوية وبلحظة حماسية موسمية، فتكون النتائج ما نحن عليه، وربما ما سنصبح علية من تدهور، لا سمح الله.

انشر عبر

أخبار مميزة