اللغة : العربية

كيف نوقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة؟

08 كانون الثاني / يناير 2018

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: أودي ديكل

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

لأكثر من شهر، وللمرة الأولى منذ انتهاء "الجرف الصامد"، نشهد عملية إطلاق مستمرة للصواريخ وقذائف الهاون من أرض قطاع غزة باتجاه إسرائيل. بدأ الإطلاق كرد للجهاد الإسلامي على اكتشاف النفق في أكتوبر 2017 وقصفه، وتزايد في أعقاب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وانضمت إلى عملية الإطلاق هذه فصائل "مارقة" من التيار السلفي الجهادي. حماس - لاعتبارات داخلية بشكل أساس، وعلى خلاف سلوكها في السنوات الأخيرة - لم تبدِ في البداية إصرارًا على وقف الإطلاق، وبالتالي سمحت بتنفيس البخار، وإن لم تطلق اللجام بشكل شامل من أجل منع التصعيد الكبير. الرد الإسرائيلي لغاية الأسبوع الأخير بقي في شكله العادي الموجه من قبل المبدأ القائل بأن "حماس هي الجهة السيادية في القطاع، والعنوان المسؤول الذي عليه ان يدفع الثمن"، مقرات قيادية وبنى تحتية للأنفاق ومواقع التنظيم هوجمت بهدف حثها على لجم العناصر السلفية الجهادية والجهاد الإسلامي عن الاستمرار في الإطلاق.

الاستراتيجية الإسرائيلية تعتمد على عدد من الافتراضات العملية؛ أولها التسليم بحكم حماس للقطاع واعتبارها العنوان المسؤول، حتى من دون الاعتراف بها كلاعب شرعي. وثانيها الحاجة إلى الإبقاء على الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي الممارس على حماس بهدف ردعها وإضعافها وإبطاء عملية تعزز قوتها العسكرية. وثالثها التقدير بأن الردع الإسرائيلي الأساسي تجاه حماس بقي منذ 2014 فاعلًا وحماس تخشى التصعيد، أما الافتراض الرابع فهو ان حماس تركز اليوم على تطبيق اتفاق المصالحة الداخلية الفلسطينية ودفع شرعيتها الداخلية والإقليمية، وعليه فالتصعيد والانجرار إلى المعركة العسكرية مع إسرائيل لا يخدمانها. وأخيرًا إسرائيل ليس لها مصلحة في تصعيد التوتر القائم إلى حد المواجهة الواسعة، إذ أنها فعلًا لا تسعى إلى ان تغير جوهريًا الوضع في القطاع، في الوقت الحالي أهدافها تجاه حماس والقطاع هي إذابة الإطلاق، والتهدئة والاستقرار. بالإضافة إلى ان إسرائيل غير معنية بأن تبدو وكأنها الجهة التي أفشلت جهود المصالحة الداخلية الفلسطينية التي تدعمها مصر وإدارة ترامب على ما يبدو أيضًا.

لكن وفي النقطة الزمنية الحالية، استراتيجية الرد الإسرائيلي اتضح أنها غير مجدية، حماس تجد صعوبة في وقف الإطلاق، مستوى التصعيد مشحوذ على خلفية قرار حماس بتغيير قواعد اللعب على الساحة الفلسطينية وأمام إسرائيل أيضًا. في الشهرين الأخيرين تبدت علامات تغيير على الافتراضات التي في أساس سلوك حماس. منذ تأسيسه، التنظيم يعرّف نفسه على أنه حامل لواء المقاومة، ومع ذلك في الوقت الحالي تسعى قيادته أولًا وقبل كل شيء إلى دفع المصالحة مع فتح كفرصة لخلع المسؤولية المدنية عمّا يدور في القطاع (لكن من دون التنازل عن قوته العسكرية)، سيما المسؤولية عن منع أعمال المقاومة للفصائل الأخرى ضد إسرائيل؛ إلا ان عملية المصالحة واجهت صعوبات، لأن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يؤخر إيصال الدفعات الاقتصادية التي وعدت بها في غزة، كما انه تراجع عن تحمل المسؤولية المدنية عن قطاع غزة. دوافع حماس لوقف الإطلاق ضعفت أكثر في أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في القطاع كرد فعل على إعلان الرئيس ترامب بشأن القدس، قادة التنظيم شاركوا في المظاهرات التي نظمت على حدود القطاع، وفي الأحداث التي اندلعت، وعلى هذه الخلفية سقط قتلى وجرحى.

إلى الآن، الأضرار التي وقعت لحماس إثر الإطلاق المراقب من القطاع باتجاه بلدات غلاف غزة ليست خطيرة، وسيما طالما ان قيادته تقدر بأنه هناك احتمال كبير لأن يبقى نمط الرد الإسرائيلي الحالي على حاله. إضافة إلى ذلك، تفهم قيادته أنه ومع مرور الوقت يفقد التنظيم سلاح الأنفاق الهجومية التي تعتبر بالنسبة له كنزًا استراتيجيًا، إثر جهود الجيش الإسرائيلي في تعقبها وتدميرها، وبناء العائق تحت الأرضي الضخم (تجدر الإشارة إلى ان التوتر حول القطاع أوقف تقدم البناء). في ذات الوقت حماس تجد صعوبة في إيقاع الضرر بإسرائيل، بإخراجها حيز التنفيذ عملية نوعية من أرض الضفة الغربية، بسبب نجاح مجهودات الإحباط التي تبذلها المخابرات العامة والجيش الإسرائيلي، وكذلك صعوبة تجنيد نشطاء للقيام بعملية ساعة كون التنظيم يفرض التهدئة في القطاع؛ المنطقة التي يسيطر عليها.

تعبير آخر عن تغيير حماس لاتجاهها هو الانضمام إلى إطلاق الجهاد الإسلامي، الثاني بعد حماس بترتيب القوى في القطاع، الخاضع للنفوذ الإيراني والمزود بوسائل قتالية إيرانية. يبدو ان سبب تردد حماس في لجم إطلاق الجهاد الإسلامي هو الرغبة في ضمان استمرار الدعم الإيراني بالمال والسلاح. في العام المنصرم، عندما أراد قائد حماس في القطاع يحيى السنوار ان يمنع إطلاق صواريخ الجهاد الإسلامي حقق هذا الهدف. على ضوء ذلك، يمكن التقدير بأن اعتباراته اليوم مختلفة، حتى ان السنوار أعلن ان الأجنحة العسكرية التابعة لحماس والجهاد الإسلامي تلقت مكالمة هاتفية من قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، أعلن خلالها ان "إيران ستوصل أي مساعدة تكون مطلوبة للدفاع عن القدس".

عمليًا، في هذه الأيام توجد على ساحة القطاع ظروف تشبه الظروف في المنطقة تلك التي سادت قبل جولات مواجهة سابقة، وسيما "الجرف الصامد". تفاقم أزمة البنى التحتية في القطاع (تزويد القطاع بالكهرباء لساعات قليلة يوميًا، رغم رفع عقوبة محمود عباس بخصوص الدفع مقابل الكهرباء لإسرائيل، ونقص مياه الشرب ومشاكل معالجة مياه المجاري)، بالإضافة إلى الإقالات في القطاع الخاص والارتفاع الكبير على حجم إفلاس التجار الصغار والمتوسطين، وكذلك التضرر الكبير في سيولة البنوك والمؤسسات التجارية، كذلك ضائقة حماس الاقتصادية ملحوظة: رواتب موظفيها الأخيرة نسبتها 40% من الراتب العادي.

على هذه الخلفية يزداد تواتر وحجم الحوادث والتحذيرات على نمط الفعل ورد الفعل بين حماس وإسرائيل ومخاطر التصعيد تتفاقم، ديناميكا التصعيد لها حياتها الخاصة، حتى عندما لا تدفع مصالح الطرفين باتجاه معركة واسعة. المشكلة الاستراتيجية لدى إسرائيل أنها من جهة غير مستعدة لأن يتحول الإطلاق إلى نمط حياة اعتيادي بالنسبة لبلدات غلاف غزة، ومن جهة أخرى تسعى إلى الامتناع عن الخروج في عملية واسعة النطاق في غزة، على افتراض ارتفاع احتمال ان يتطلب ذلك إعادة احتلال القطاع بشكل كامل، وذلك بسبب الميل لإصلاح إخفاقات المعركة السابقة، وكذلك على ضوء تصريحات وزير الأمن أفيغدور ليبرمان بأن المعركة القادمة في غزة يجب ان تكون الأخيرة لحماس كـ "الذهاب بكل قوة وعدم التوقف إلى ان يرفع الطرف الآخر الراية البيضاء، ويصرخ مستغيثًا". وعدا عن تكلفة المعركة، فالسيطرة على قطاع غزة سيكلف إسرائيل أثمانا باهظة للغاية: حكم مباشر لحوالي مليوني فلسطيني ومفاقمة المشكلة الديموغرافية في إسرائيل وعبء اقتصادي انساني ثقيل، المغامرة بقوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة لفترة طويلة وأثمان سياسية ثقيلة تدفعها إسرائيل.

إلى جانب هذا، في التصعيد يكمن احتمال إيقاع ضرر كبير بحماس، وسيما انتهاء فصل حكمها للقطاع، حتى مصر من شأنها أن تتضرر؛ وعليه فإن القاهرة تحاول لجم حماس، وفي المقابل إسرائيل، وإحياء خطوات المصالحة بين حماس وفتح، لكن الشغف المصري بهذا الخصوص خفت في ظل الصعوبات التي تتغلب على ترتيب العلاقات بين المعسكرين الفلسطينيين المتخاصمين، وكذلك في ظل ابتعاد خيار مبادرة العملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بوساطة إدارة ترامب. يبدو - والحال كذلك - ان الطريق إلى جولة قتال اخرى في غزة، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الهدوء النسبي، تصبح أقصر كل يوم، الشاهد على ذلك التغيير الذي طرأ على شكل الرد الإسرائيلي في أعقاب الإطلاق الذي نفذه الجهاد الإسلامي، ففي ليلة الـ 4 من يناير هاجمت إسرائيل نفقًا للجهاد الإسلامي، وأكثر من ذلك مهاجمة بنى وأنفاق للجهاد الإسلامي معناها رفع المسؤولية عن حماس، ويُفهم من ذلك ضمنيًا الاعتراف بعجزها عن السيطرة على الوضع كجهة سيادية في المنطقة.

إذا أرادت إسرائيل منع التصعيد، عليها ان تجد طرقًا للعمل الحثيث والفوري لتقليل الضغوطات الإنسانية والاقتصادية عن قطاع غزة، لكن دون ان تفسر على أنها تلين أمام "الإرهاب"، من خلال تعزيز الردع أمام حماس أمامها عدة خيارات:

1. إيصال رسالة لحماس مفادها أن إسرائيل ستكون مستعدة لإيقاف ردها لفترة زمنية محددة لكي تسمح لها بلجم العناصر المسؤولة عن إطلاق الصواريخ، وقطع سلسلة الفعل ورد الفعل، وذلك من خلال الإيضاح أنه إذا لم تبدِ حماس إصرارًا على وقف الإطلاق فالرد سيكون عنيفًا.

2. الارتقاء درجة في الرد العسكري فحواه التسبب بضرر جدي لحماس مثل مهاجمة موقع مأهول لحماس في وضح النهار أو عقارات أخرى ذات قيمة لديها، بهدف التأثير على حماس لتغيير أنماط عملها. احتمال كبير ان عملية من هذا النوع - على خلاف اغتيال مسؤولين في التنظيم - لن تقود إلى مواجهة عسكرية واسعة.

3. وضع تحدٍ أمام حماس على المستوى السياسي بالاعتراف العلني بكونها القوة الأساسية والعنوان المسؤول في القطاع مقابل الهدوء الأمني والاستقرار يجلب لحماس المساعدات الضرورية التي تمنعها السلطة الفلسطينية عنها، وسيما الكهرباء والماء، وإقامة محور تزويد من ميناء أسدود للقطاع، بل ويسمح بخروج العمال من المنطقة للعمل في مستوطنات غلاف قطاع غزة؛ معنى مثل هذه الخطوة التي ستعكس تغييرًا جوهريًا في سياسة إسرائيل تجاه حماس والقطاع هو التسليم بكيان شبه رسمي معادٍ ومسلح وليس منزوعًا سلاحه في القطاع، وكذلك إغلاق الطريق على احتمال عملية سياسية في المستقبل القريب، رغم ان التغيير في هذا الاتجاه سيثير توترًا بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

4. خيار آخر وهو المفضل، والذي نوصي به، وهو تسخير مصر في مجهود الوساطة. على إسرائيل ان تضع في يد القاهرة صندوق أدوات يتضمن منحًا اقتصادية وبنى حقيقية مهمة، الغرض منها فتح حماس على إظهار جهد حقيقي لتهدئة المنطقة ولجمها، إذا رفضت حماس التعاون مع المقترح المصري ستزداد شرعية الإضرار الشديد بها، من أجل زيادة جاذبية هذا المقترح الواضح على إسرائيل ان تزيد من استعدادها لاحتمال اندلاع حرب عسكرية وتطور أحداثها وصولًا إلى إعادة احتلال قطاع غزة. ونقدّر بأن إبداء هذا الاستعداد سيفيد في تهدئة الوضع على الأقل على المدى القريب، بل انه سيحفز استمرار خطوات المصالحة الداخلية الفلسطينية، حتى وإن لم يتوافقوا في عملية المصالحة الداخلية فلن يفهم ان إسرائيل هي من أفشلتها. إقحام مصر في مجهودات التهدئة سيخدم المصلحة المصرية في ان تبقى الجهة الإقليمية الآمرة الناهية في الشأن الفلسطيني، ومن خلال ذلك تساعد في كبح جماح النفوذ الإيراني والتركي والقطري في قطاع غزة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر

أخبار مميزة