اللغة : العربية

التوظيف السياسي لإحصاءات الجيش عن أعمال المقاومة

08 كانون الثاني / يناير 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

حكومات إسرائيل على اختلافها كانت دومًا جيدة إلى درجة الاحتراف في استخدام الأرقام الإحصائية وتوظيفها بما يخدم أجنداتها السياسية، فإن أرادت تعظيم الخطر لاستخدامه كفزاعة تخويف سمّنت عدوها بشكل مبالغ، فتجدها ترسل أفضل الناطقين العسكريين والمحللين ليقدموا للجمهور إحصاءات عن كميات الصواريخ وتعاظم قدرتها وزيادة دقتها وقدرتها على ضرب كل الأهداف في الجبهة الداخلية، فضلًا عن الحديث عن النوايا المخبئة للأعداء، وأرقام عن المبالغ المنفقة في التسليح والإعداد، وإحصاءات عن العناصر والأفراد المجندون؛ وكل ذلك يتم حبكه بتقديم سيناريو يقود لأسوأ الكوابيس المنتظر ان يتحقق في كل لحظة، ممّا يجعل الحكومة قادرة على التسلح بكي الوعي هذا لجمهورها لصالح شيطنة الأعداء وإسقاط الطبيعة البشرية عنهم وجعل كل مطالبهم للحرية والتخلص من الاحتلال ليست إلا تزييفًا لحقيقة نواياهم.

ومن جهة أخرى، يمكن لذات الحكومة ولذات الأشخاص قلب الإحصاءات على رأسها، وتوظيفها بشكل عكسي يدلل على نجاح سياسات الحكومة، وأنه بفضل حنكتها وصرامتها نجحت دولتهم في تخطي كل الأخطار وتقليصها والتغلب عليها، وأنه لا شيء يمكنه ان يهدد استقرار التمسك بمنهج الضم والتهويد والعدوان، وهذا بالضبط تقريبًا ما حاولت إحصاءات الجيش عن "مسار الإرهاب" لسنة 2017 ان تقوله، فعنونت تقريرها بأنها السنة الأقل سوءًا، لكنها قدرت بأن السنه القادمة ستكون الأسوأ من بين السنوات من مطلع 2015، ففي ظل انتفاضة القدس واستمرار موجة الغضب ضد إعلان ترامب؛ فقد كانت سنة 2017 الأقل "إرهابًا" في الضفة، وذلك بفضل نشاطات الجيش وأجهزة الاستخبارات التي قامت بالاعتقال وإحباط العمليات، من بينها العديد من العمليات الاستشهادية وأعمال خطف الجنود، ولم تنسَ ان تضيف طبعًا ان الكثير من الفضل يرجع لحنكتها في استخدام سياسات "معتدلة"، بحيث أنها استطاعت بحسب زعمها التمييز بين الأشخاص "المتورطين" وبين بقية أفراد الشعب.

في تناوله للإحصاءات الخاصة بالجيش عن أعمال المقاومة الفلسطينية، كتب المعلق العسكري طال ليف رام تحت عنوان "السنة قد تكون أسوأ بكثير": "تشير معطيات الإرهاب التي ينشرها الجيش الإسرائيلي إلى العام 2017 كسنة أمنية هادئة على نحو خاص، رغم احتمال التصعيد العالي الذي كان فيها في كل الجبهات. ولكن المعطيات العددية لا تعبر عن الميول الحقيقية؛ فالسنة القريبة القادمة ستكون مختلفة تمامًا، ولا سيما تجاه قطاع غزة.

إن استخدام تعبير "التوتر الأمني" كطريقة لوصف وعكس الواقع الأمني إشكاليّ على نحو خاص، إذ ان هذه الكلمة تكاد تقال دومًا في نهاية السنة. ومع ذلك، فإن ضباط الجيش الإسرائيلي الكبار سيقولون بأن السنة الماضية كانت متوترة على نحو خاص، والأمور التي لم تنعكس في معطيات "الإرهاب" في نهاية السنة هي الأعمال الميدانية، الردع، عمل السلطة الفلسطينية، المعجزات، وكل هذه معًا.

في الساحة الفلسطينية بالضفة، تتواصل القطيعة السياسية بين رام الله والقدس، الغضب في السلطة على الإدارة الأمريكية واليأس من المسيرة السياسية، إلى جانب العمليات والاحداث الكبرى التي وقعت: إضراب السجناء، أزمة البوابات الالكترونية وتصريح ترامب عن القدس؛ كل هذه وضعت جهاز الأمن في حالة جاهزية وفي إحساس بأن الانفجار الكبير يدق الباب منذ الآن. أما المعطيات في الميدان - والتي تشير إلى انخفاض دراماتيكي من 269 عملية إلى 99 - فليست أقل من مذهلة.

في قطاع غزة؛ بناء العائق، الوضع الاقتصادي السيء، والوضع السلطوي الصعب لحماس؛ كل هذا هدد التهدئة الأطول التي كانت في الجنوب خلال السنوات الأخيرة، ففي الصيف الماضي اتسعت التقديرات للتصعيد، ولا سيما حول بناء العائق تحت الأرضي، مرت عشرة أشهر بهدوء، وفي الشهرين الأخيرين، بعد أن دمّر الجيش الإسرائيلي نفقًا للجهاد الإسلامي، أخذ التنظيم زمام الأمور، وهو يقود القطاع نحو المواجهة، بينما حماس وإسرائيل تبقتا بلا سياسة واضحة".

ويتماهى الكاتب في استنتاجه مع تقدير الجيش، حيث يقول: "في كل ما يتعلق بإسرائيل، يمكن أن نقول بثقة كبيرة ان السياسة المنضبطة والعاقلة في استخدام القوة العسكرية من جانب القيادة السياسية وقلة الأخطاء في الميدان ساعدت في منع ميول التصعيد"، لكنه يستدرك ان "القمع والردع بدون سياسات سيجد الجيش صعوبة في توفير الهدوء"، وهو هنا يتهرب من تحديد ماهية السياسة الواضحة، "ولكن استخدام أو لجم القوة العسكرية، إلى جانب الجهود المدنية، ليست بعد تعبيرًا عن سياسة واسعة. فبدون سياسة واضحة في الضفة وفي قطاع غزة، سيجد جهاز الأمن صعوبة في الحفاظ على الهدوء، وسيتآكل الردع في الجنوب في السنة القادمة أيضًا".

انشر عبر

أخبار مميزة