اللغة : العربية

التطرف لعنة إسرائيل

04 كانون الثاني / يناير 2018

بقلم: إسماعيل مهرة

أطلس للدراسات

دولة الاحتلال اليوم تشبه قطارًا منفلتًا بلا كوابح، خرج عن سكته، وركابه مجموعة من المجانين السكارى المنتشين بالقوة والمعربدين، يرقصون على وقع موسيقى مجنونة، ساخرين من كل ما حولهم. نعم، إسرائيل اليوم تحتفل بجنون التطرف وتمنحه أثمن الجوائز، ولا يشغلها شيء عن مواصلة حمى عنصريتها؛ فكل يوم تصدر قوانين وقرارات وتوصيات في تنافس على قلب الجمهور أو على عنوان في صحيفة أو وقت على شاشات البث، في غياب تام لأي صوت متعقل، فجميعهم تقريبًا من قادة ووعاظ وجمهور يركبون أجنحة التطرف.

وفي الميثولوجيا اليهودية يعرف التطرف بأنه لعنة على اليهود، حيث ينسب للتطرف سبب خراب هيكلهم وتدمير مجتمعهم القديم، ويسود اليوم قول رائج في إسرائيل ان المتطرفين هم من سيتسبب في تدمير البيت الثالث (في إشارة إلى دولة إسرائيل) كما تسبب المتطرفون في الماضي بتدمير البيتين الأول والثاني، ويذكر التاريخ اليهودي ان المتطرفين من بين اليهود فرضوا على مجتمعهم قديمًا تمرديْن أديا إلى فقدان وتدمير ما كان لهم، حيث قاد التمرد الأول مناحم بن يهودا، الذي يوصف في التاريخ اليهودي بصاحب الآراء المتطرفة، وكبير كهنتهم في ذلك الوقت حنانيا بن ندباي، الذي فرض قراره على بقية الكهنة، اللذيْن وصل بهم التطرف إلى درجة قيادة تمرد كبير ضد الإمبراطورية الرومانية، ثم جاء التمرد الأكبر في عهد بار كوخبا الذي تم قمعه بقوة، ويعتقد اليهود ان بار كوخبا كان سببًا في فقدانهم كيانهم وتشتتهم في الأرض.

وبعيدًا عن قراءة اليهود لروايتهم التاريخية؛ فإن المرء المتابع لاندفاعهم نحو التطرف وإغلاق كل الأبواب في وجه أية خيارات وعدم ترك أية فسحة لنا للعيش بما يقتل أي أمل للاعتدال؛ فإن الانسان الفلسطيني ليتساءل: كيف يمكن لهؤلاء ان يؤمنوا مستقبلهم بالاعتماد فقط على القوة الغاشمة دون ان يكونوا قد أصيبوا بلوثة الجنون؟

بالأمس عقدت الكنيست جلسة للتصويت على مشروع قانون يسمح بتنفيذ حكم الإعدام بحق الأسرى، رغم أنه ليس له احتياج، لا قانوني ولا سياسي تنفيذي، فالاحتلال عمليًا ينفذ كل يوم أعمال الإعدام بحق الأبرياء والنشطاء من أطفال وشباب ونساء ورجال، ولا تردعهم أحيانًا سوى وجود الكاميرات كشاهد لفضح انتهاكاتهم، وهو ما ردعهم عن الطفلة البطلة عهد التميمي، حيث كانت الكاميرا ستفضحهم. أما من الناحية القانونية، فالقانون المطبق في الضفة من قبل الاحتلال وهو قانون الطوارئ، يسمح للنيابة بالمطالبة بحكم الإعدام، وفي حال أجمع القضاة الثلاثة على الحكم بالإعدام استجابة لطلب النيابة، فإن الحكم يصبح ساريًا إذا لم يتم الاستئناف عليه، مثله مثل أي حكم عسكري آخر، لكن ليبرمان يشعر ان طريقه للتنافس لا تمر عبر مكافحة الفساد والمطالبة بالشفافية، لأنه وحزبه غارقين في ملفات وشبهات الفساد؛ ولكنها تمر عبر التصعيد ضد الفلسطينيين، سواء كانوا من غزة أو الضفة أو ممن يحملون عضوية الكنيست.

والكنيست في السنوات الأخيرة تعج بالعشرات من القوانين العنصرية، والتي بعضها من شدة زحام التنافس يكرر قوانين موجودة أصلًا سبقهم إليها عنصريون سابقون، ممّا يضطرهم لإجراء تعديلات أو عمليات دمج متأخرة، فهذا قانون لسحب الجنسية وثانٍ لتجريم التمويل وثالث لتخوين المقاطعة وتجريمها ورابع لعدم تسليم جثامين الشهداء وخامس ضد تمويل الأسرى وسادس ضد تبادل الأسرى وسابع لتوسيع القدس وثامن للتخلص من بعض قرى القدس العربية وتاسع لسحب هويات المقدسيين وعاشر لفحص ولاء العرب... الخ، حيث لا يتسع المجال هنا لذكرها.

وقبل أيام صادقت الهيئة العليا لحزب "الليكود" (مركز الحزب) على قرار بضم أراضي الضفة وتطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنين دون الفلسطينيين، أي إنه يشرع علنًا بتبني نظام الأبرتهايد العنصري ويسعى إلى تنفيذه بالضفة، ويطالب قادته (وهم الذين بادروا إلى الاقتراح) بتبني هذا القرار والسعي لتمريره في كل هيئة ومؤسسة من الكنيست إلى الحكومة، إلى دوائر ومنابر الفعل الأخرى. صحيحٌ ان نتنياهو تغيّب عن الاجتماع، لكنه ملزمٌ حزبيًا به، أضف إلى ذلك أنه ليس فقط لم ينتقده ولو تلميحًا غير مباشر، بل ان مقربيه هم من سعوا لإقراره، وحزب "الليكود" ليس فقط الحزب الحاكم والمسيطر على الحكم منذ فتره طويلة، ويُتوقع ان يستمر في سيطرته أو على الأقل في تأثيره الكبير على الحكم لعقد قادم على الأقل؛ بل يُعتبر مركزًا تتنافس مع أفكاره وتتبناها وتستنسخ شعاراته الأحزاب الكبرى الأخرى، مثل "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد و"المعسكر الصهيوني" برئاسة آفي غباي، الذي قال ان "القدس الموحدة بغياب السلام أفضل من سلام يقسمها، وأن السلام لا يجب ان يؤدي إلى تفكيك المستوطنات"، فضلًا عن ان غالبية الأحزاب الأخرى تقع على يمين "الليكود".

بقرار مركز الحزب بفرض السيادة على الضفة، يكون الحزب (وهو هنا بقرار يعبر عن حقيقة سياسات الاحتلال دون تجميل أو حيل علاقات عامة متذاكية) قد أعلن للفلسطينيين أن ليس لكم ما تبحثون عنه عبر مسارات وأدوات التسوية، وليس لكم من طريق سوى ان تفرضوا علينا إرادتكم فرضًا.

لبيد اعتبر بحق قرار "الليكود" أفضل هدية لمنظمات الـ "بي. دي. اس"، حيث قدّم إسرائيل بلا تجميل وبلا مكياج، قدمها على حقيقتها البشعة، بحيث لم يعد بإمكان أصدقائها المقربين الدفاع عنها وتبرئتها من العنصرية.

وعن جنون التطرف الذي لم يفسح مجالًا في إسرائيل لقراءة المتغيرات "الإيجابية" في العالم العربي والإسلامي، كتب عكيفا الدار في "المونيتور" أن "قادة إقليميين بما فيهم الرئيس الإيراني حسن روحاني وقعوا في إسطنبول - في المؤتمر الذي دعا إليه أردوغان ردًا على قرار ترامب - على بيان جاء فيه: ندعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والسيادية على حدود الـ 4 من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، وندعم السلام القائم على أساس حل الدولتين لشعبين، والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، حدود المدينة تحدد في المفاوضات حول الحل النهائي. نحن ندعم - كخيار استراتيجي - مبادرة السلام العربية 2002 والتي اعتمدت 2005 من قبل القمة الإسلامية". ويضيف الدار "أردوغان اعتبرها قمة تاريخية، على ما يبدو بسبب توقيع روحاني عليها؛ لكنهم في إسرائيل لم يعيروا ذلك أي اهتمام".

يبدو ان التطرف الإسرائيلي هو لعنة عليهم، فقد كان بإمكانهم أن يؤمنوا مستقبل دولتهم بتسوية تؤدي للتوصل إلى سلام، لكن إصرارهم على تجاهل الواقع والاعتماد على القوة لن يجلب لهم سوى اللعنة والدمار.

انشر عبر

أخبار مميزة