اللغة : العربية

الاحتجاجات في إيران ومعادلة التصعيد الإسرائيلي ضد غزة

03 كانون الثاني / يناير 2018

بقلم: عبد الناصر عيسى

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

تستخدم إسرائيل في الأيام الأخيرة مبررات جديدة من أجل توضيح وتبرير سياستها وموقفها تجاه قطاع غزة، وتحديدًا مسألة التصعيد أو كبح النفس في ظل استمرار المقاومة من غزة، ومن أهم هذه المبررات رغبتها في عدم إثارة الجبهة الجنوبية، للسماح بالاحتجاجات الشعبية الناشئة والمتزايدة في إيران بأخذ مداها، وعدم صرف أنظار الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي عنها، إضافة إلى لمبررات السياسية والاستراتيجية التي تتحكم في معادلة التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة.

في محاولة للتصدي للمطالب المتزايدة من قبل الرأي العام الإسرائيلي وقادة المعارضة اليسارية لردة فعل أكثر قوة وحزمًا لاستمرار تساقط صواريخ المقاومة على الأهداف الإسرائيلية؛ اعتبر وزير الأمن أفيغدور ليبرمان (في مقابلة مع القناة 13 للتلفزيون الإسرائيلي 30/12/2017) بأن قوى سلفية مدعومة من إيران هي من تريد جر إسرائيل وحماس لمواجهة شاملة، كما اعتبر نتنياهو مطالب رئيس المعارضة آفي غباي باغتيال قادة في القسام من أجل استرجاع قوة الردع الإسرائيلي مطلبًا صادرًا عن إنسان لم يتخذ قرارًا أمنيًا في حياته.

على ما يبدو، لا ترغب إسرائيل أن تتصدر صور التصعيد الإسرائيلي ضد سكان قطاع غزة وسائل الإعلام الدولية، وذلك لعدم التغطية على صور الاحتجاجات القادمة من شوارع المدن الإيرانية المختلفة، التي اعتبرها بعض كبار قادة الاستخبارات الإسرائيلية بأنها أخطر تهديد على النظام الإيراني منذ فشل الثورة الخضراء في إيران عام 2009، وذلك على الرغم من عدم وضوح الصورة بشكل كامل، وأن المصلحة الإسرائيلية تكمن في عدم صرف الاهتمام والانتباه العالمي عمّا يجري في إيران.

من الممكن القول بأن مبرر أو اعتبار "الاحتجاجات الشعبية في إيران" هو اعتبار جديد ومهم يساعد القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل بتحقيق هدفين أساسيين؛ الأول: الظهور كشريك مؤثر في مواجهة إيران، والثاني والأهم: إقناع الرأي العام في إسرائيل بأهمية استمرار السياسة الأمنية الحالية التي تعتمدها هذه القيادة تجاه غزة، والقائمة على عدم الانجرار إلى تصعيد عسكري واسع النطاق لا يخدم المصالح الاسرائيلية في هذه المرحلة. ومن الجدير ذكره ان العامل الإيراني قد شكل ومنذ سنوات مبررًا مقنعًا وناجحًا للعديد من سياسات نتنياهو الداخلية والخارجية.

لابدّ من التأكيد على أن العوامل الأساسية التي تعتمد عليها المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل - في صياغتها لموقفها من مسألة التصعيد مع المقاومة في قطاع غزة - تتعلق وبالدرجة الأولى بعدم تحديد هدف سياسي وغير باهظ التكاليف أو إستراتيجية سياسية وأمنية متفق عليها تجاه مسألة قطاع غزة بشكل عام من حيث: ما الهدف من الحرب على غزة؟ وهل يوجد بديل حقيقي لحماس لحكم غزة؟ وهل تستطيع إسرائيل تحمل أعباء وتكاليف احتلالها للقطاع أو البقاء فيه لفترة مستمرة؟

كما يركز آخرون على أهمية العامل الاستراتيجي في معادلة التصعيد، أي عدم استكمال الجيش الإسرائيلي للتجهيزات والاستعدادات الاستراتيجية العسكرية المطلوبة، والتي تمكنه من القيام بمناورة برية واسعة وناجحة تسمح له باحتلال كامل أراضي قطاع غزة، وتحديدًا من حيث استكمال تدريب وبناء القوات البرية وتزويدها بالعتاد اللازم للاقتحام البري، كالدبابات المتطورة التي يمكنها تجاوز دفاعات المقاومة الفلسطينية دون ان تتكرر تجربة السقوط في "فخ الشجاعية".

وهكذا ينضم اعتبار إنجاح و دعم المتظاهرين الشجعان في إيران (على حد وصف نتنياهو) في مواجهتهم للنظام الحاكم في إيران إلى جملة من العوامل والمبررات الرئيسية التي تحكم القرار الأمني في اسرائيل، في عدم الرغبة في التصعيد لدرجة المخاطرة بتآكل أحد أهم عناصر نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، وهو قوة الردع الإسرائيلي، ويتميز المبرر الجديد بقدرته المجربة في إقناع الرأي العام الإسرائيلي المتجه نحو اليمين والداعي للمزيد من التصعيد في السياسة الأمنية المرتبكة للحكومة الإسرائيلية تجاه مسألة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر