اللغة : العربية

أبو مازن في مصيدة "عملية التسوية"

02 كانون الثاني / يناير 2018

محمود عباس - رئيس السلطة الفلسطينية
محمود عباس - رئيس السلطة الفلسطينية

بقلم: عبد الناصر عيسى

أطلس للدراسات

يحاول السيد الرئيس أبو مازن أن يرد على الصفعة المدوية التي وجهها ترامب له شخصيًا، ولعملية التسوية التي آمن بها و"عادى" من أجلها نصف الشعب الفلسطيني أو اكثر، وذلك من خلال تغيير بعض السياسات، وبما تسمح به "عدة شغل" عملية التسوية كرفض الوساطة الأمريكية، والتوجه للانضمام إلى المنظمات الدولية، ممّا يعني تصفير أي احتمالية لتجديد "المفاوضات السلمية" والمنقطعة أصلًا منذ تشكيل نتنياهو لحكومته اليمينية عام 2009، الأمر الذي يمنح حكومة إسرائيل اليمينية فوزًا مضاعفًا: قرار ترامب حول القدس هو وقف المفاوضات دون تحمل المسؤولية.

لقد بات من الواضح ان أدوات "العملية السلمية" المتوفرة لا توفر لأبي مازن أن يرد بالشكل المناسب على إعلان ترامب، فهي لا تمكنه من جباية ثمن مناسب من أمريكا يجبرها على التراجع، بل وعلى العكس؛ فقد أظهرت تقارير غربية وإسرائيلية (آخرها القناة 13 للتلفزيون الإسرائيلي 25/12/2017) ان إدارة ترامب تفكر جديًا في تدفيع أبي مازن ثمن استمرار خطواته الاحتجاجية ضد إعلان ترامب المشؤوم، ويطمح الإسرائيليون لأن يكون ذلك على شكل الاعتراف بالمستوطنات بالضفة أو بإسرائيل كدولة يهودية أو نحو ذلك.

كيف يمكن للسيد الرئيس محمود عباس إذًا ان يرد على إعلان ترامب بشكل مناسب؟، يرى الكثير من الخبراء والمراقبين أن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية والخروج من خلالها باستراتيجية وطنية شاملة لمواجهة السياسة الأمريكية - الإسرائيلية، ومنها إعلان ترامب، وتعيد الاعتبار للمقاومة بكل أشكالها لكنها تركز مرحليًا على الاحتجاجات الشعبية الواسعة، إضافة إلى الانسحاب الكامل من عملية التسوية القديمة والمهترئة والعبثية والارتكاز على الحق الفلسطيني، وعلى الأقل كما جاء في قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، والذي يمنح الفلسطينيين جزءًا مهمًا من حقوقهم، ومنها دولة ذات سيادة كاملة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس.

يمكن القول بأن أهم عوامل ضعف أو "عدم كفاية" الرد الفلسطيني برئاسة أبي مازن على إعلان ترامب المشؤوم هو تركيزه على إدارة ترامب دون حكومة اليمين في إسرائيل، وقد يكون ذلك ناتجًا عن تمسك أبي مازن ببقاء واستمرار السلطة بشكلها الحالي من خلال ضمان استمرار التنسيق الأمني، فالضغط الحقيقي على إسرائيل يكمن في تآكل التنسيق الأمني مع الأجهزة الفلسطينية، ولكن ذلك يعني انتهاء السلطة؛ وهو أمر لا يريده أبو مازن حاليًا على أقل تقدير.

وهكذا يقف السيد أبو مازن أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما أن يتقدم نحو ضغط حقيقي ومجدٍ على إدارة ترامب كي يحقق هدفه بتراجع ترامب عن إعلانه، الأمر الذي قد يهدد بقاء السلطة بشكلها ووظائفها الحالية أو أن يكتفي بما تسمح له عملية التسوية، وهو ضغط محدود يحافظ على استمرار السلطة، لكنه غير مجدٍ ولا يحقق الهدف المطلوب.

تجدر الإشارة إلى أن بعض المراقبين يعتقدون بأن احتمالية تراجع ترامب عن قراره بمجرد وصوله لقناعة بأن تهديدات أبي مازن قد تكسر معادلات التسوية القديمة وتؤدي لحل السلطة هو تهديد حقيقي هي احتمالية عالية، ولكنهم يرون في بالمقابل ان احتمالية نجاح أبي مازن بإقناع ترامب بجدية تهديداته هي احتمالية ضعيفة، نظرًا للعديد من الأسباب، ومنها شخصية أبي مازن المحافظة التي لا تميل إلى القرارات الثورية والمطلوبة في بعض الحالات، ومنها حالة الرد على إعلان ترامب.

وأخيرًا، فإن السيد أبو مازن قد وجد أو سيجد نفسه واقعًا في مصيدة أو ورطة أو مأزق عملية التسوية، فهو يريد الرد بشكل مناسب ليجبي من إدارة ترامب ثمناً يجعلها تتراجع عن إعلانها المشؤوم بشأن القدس، ولكنه يريد أيضًا ما يبدو على أنه اهم من ذلك، وهو الحفاظ عل السلطة؛ لذلك فهو غير مستعد لتحمل نتائج الرد المناسب والقرار الثوري المطلوب لذلك، ممّا سيزيد وعلى الأرجح من اندفاعة ترامب نحو اتخاذ المزيد من الخطوات الاستفزازية ضد الفلسطينيين ولصالح إسرائيل.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر