اللغة : العربية

الحرب بين إيران وإسرائيل

05 كانون الأول / ديسمبر 2017

بقلم: بن كاسبيت

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في 15 ديسمبر، غرد وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بالنص التالي "لقد أنهيت لتوي زيارة للحدود الشمالية استغرقت يومين، لن نسمح بتمركز شيعي إيراني في سوريا، ولن نسمح بتحويل سوريا كلها إلى موقع متقدم ضد دولة إسرائيل؛ من لم يفهم ذلك سنفهمه نحن".

في نهاية الأسبوع، في الليلة ما بين 1-2 من ديسمبر، قصفت طائرات مجهولة قاعدة عسكرية تشهد ترميمات على بعد حوالي 14 كم جنوب عرب دمشق. في 11 نوفمبر، قبل تغريدة ليبرمان بأربعة أيام فقط، نشرت شبكة BBC البريطانية صورًا من القمر الصناعي توثق بناء وعملية ترميم واسعة في تلك القاعدة التي تم قصفها، حسب الشبكة البريطانية كان من المفترض ان تستوعبه هذه القاعدة جنودًا وأسلحة وجهات استخبارية غربية، وأضافت ان المقصود جنود من الميليشيات الشيعية التي عملت بتصريح من إيران بالحرب الأهلية في سوريا خلال السنوات الأخيرة. بكلمات أخرى فإن ذراع إيران الطويلة توشك ان تستثمر للمرة الأولى في قاعدة عسكرية دائمة على مشارف دمشق، على مرمى المدفعية الحدودية الإسرائيلية في هضبة الجولان.

إنها المرة الثانية التي تنفذ فيها إسرائيل - حسب تقارير أجنبية - هجمات تثبت ان الخطوط الحمراء التي أشارت إليها في الأشهر الأخيرة سارية وقائمة، وأنها تنوي الوقوف من ورائها واستخدام القوة العسكرية في كل مرة يتم فيها اجتيازها. الهجوم السابق وقع في السابع من سبتمبر، حيث أطلقت صواريخ أرض - جو باتجاه مصنع لتركيب "أجهزة" على الصواريخ بهدف زيادة قدرتها على الإصابة بدقة.

إسرائيل لم تتبنّ مسؤولية مهاجمة القاعدة هذا الأسبوع، لكن وحسب جميع وسائل الإعلام العربية عمومًا، والسورية خصوصًا؛ فليس هناك أدنى شك بأن سلاح الجو الإسرائيلي هو من قام بهذا الهجوم. بكلمات أخرى: يُنسب إلى إسرائيل الهجوم العسكري على موقع يبنيه الإيرانيون لصالح الميليشيات الشيعية التي أسسوها وتعمل تحت إشرافهم وقيادتهم.

والمعنى هو أنه بين إسرائيل وإيران حرب تدور رحاها، وان كانت على نار هادئة وبعنفوان خفيض، هذه الحرب ما تزال غير مباشرة، وتدور من خلال الوكلاء المختلفين المحسوبين على إيران في المنطقة، لكن لا يمكن نفي وجودها، فهي تدور بشكل مستمر متتابع في الجو والبحر والبر، الطرفان يقيسان أحدهما الآخر بعيون مفتوحة، كلاهما يمدان أذرعهما الاستخبارية إلى الحد الأقصى، وتحاولان المناورة باستخدام أدوات لعب غامضة تحدد خلال المباراة، حيث يحاول كل طرف ردع الطرف المقابل وأن يمنع بذات الروح الانجرار إلى الحرب الشاملة؛ الأمر غاية في التعقيد.

استنتاج واضح واحد يمكن استخلاصه من العمليات المنسوبة إلى إسرائيل في الأشهر الأخيرة: التحذيرات الإسرائيلية جدية. إسرائيل قررت أن تمنع بالقوة اجتياز الخطوط الحمراء التي أقرتها، هاجمت عندما اكتشفت مصنعًا لتحسين دقة الصواريخ والقذائف، وهاجمت عندما اكتشفت قاعدة معدة لاستيعاب ميليشيات شيعية بالقرب من دمشق، لم تتبنّ المسؤولية عن الهجمات؛ لكن ليس هناك أي أحد لديه أوهام بشأن هوية الطائرات المهاجمة.

علمنا أنه في اللقاءات الأخيرة التي أجراها كل من نتنياهو وليبرمان مع نظرائهم الروس، أعلنوا بشكل قاطع ان إسرائيل تحتفظ لنفسها بحرية التحرك، وأنها تنوي المهاجمة في كل مرة تمس فيها مصالحها الأمنية. الإسرائيليون أيضًا ألمحوا إلى أنه من الأفضل للروس ان يعملوا هم أنفسهم على فرض الوضع القائم وإبعاد الإيرانيين والمساعدة على منع تحويل الصواريخ والقذائف التي يملكها حزب الله لتكون أكثر دقة، "إن لم تفعلوا ذلك بأنفسكم" قال الإسرائيليون "سنضطر نحن لفعل ذلك بأيدينا".

كان هناك من تذكروا تهديدًا إسرائيليًا مشابهًا صدر في حينها بخصوص مشروع إيران النووي، حينها أيضًا أفزعت إسرائيل الغرب كله بتهديدات مهاجمة البنى التحتية النووية الإيرانية، وسرعت إلى حد كبير فرض نظام العقوبات على طهران، لكن حينها بين 2009 - 2014 إسرائيل بدت مشوشة للوهلة الأولى، ترددت، وقررت في نهاية المطاف ألا تهاجم. في 2017 كانت أقل تشوشًا وأكثر إصرارًا، إذ أن المقصود هجمات أبسط بكثير.

هل هذه الهجمات يمكنها ان تجر الطرفين إلى حرب شاملة؟ الرد يأتي هنا إذا كان ما يزال على الأرض ما يكفي من العناصر الكابحة والمصالح المعكوسة التي من شأنها ان تساعد الطرفين على استيعاب الوضع الجديد وكبح الانجرار إلى الحرب، حتى وإن اندلعت هنا وهناك بعض المواجهات المحلية، إسرائيل يجب ان تأخذ بعين الحسبان ان قدرة إيران وسوريا على الامتصاص لها حدود. فرضية عمل أخرى هي أنه في المستقبل إذا ما استمرت الهجمات، ربما تتطور سياسة سورية من الأعمال الانتقامية ستتجاوز مجرد النيران المتفرقة من الصواريخ المضادة للطائرات التي لا تصيب شيئًا كما تصرفت سوريا إلى الآن، يستطيع السوريون مثلًا ان يطلقوا صاروخًا واحدًا باتجاه مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في قيادة الشمال أو باتجاه هضبة الجولان. ليست هذه حرب شاملة، لكن ذلك يمكن ان يحرك سلسلة عمليات وردود فعل من شأنها ان تتدهور سريعًا، في منطقتنا حدثت أمور مشابهة.

حسب تقدير الاستخبارات الإسرائيلية في سوريا، يوجد الآن حوالي 9000 مقاتل من الميليشيات الشيعية بقيادة إيران، يمكن تأهيلهم في مواقع دائمة ما داموا موجودين في المنطقة ويساعدون الرئيس الأسد على تمكين حكمه وتوسيع سيطرته في الدولة المنهارة. 9000 مقاتل شيعي لا يمثلون تهديدًا من أي نوع على قوة الجيش الإسرائيلي، غير ان المشكلة ليست في الأرقام، "يدور الحديث في الحقيقة عن المبدأ" قال لي مسؤول إسرائيلي أمني رفيع، "ساعة قيام التواجد يمكن تعميقه وتركيزه وفيما بعد أيضًا يمكن تقويته. اتخذنا قرارًا بأن سوريا لن تتحول إلى قاعدة أمامية لإيران ضد إسرائيل، سنفعل كل ما يجب فعله لكي نعبر عن جديتنا بهذا الشأن".

الصحيح إلى الآن ان الحرب تدور في ظاهر الأمر على نار هادئة، ومن خلال وكلاء وبعنفوان خفيض، إنها في الأساس حرب أعصاب، إسرائيل تأمل ان يفهم الإيرانيون المبدأ ويسحبوا بمبادرة منهم القوات المحسوبة عليهم من المناطق السورية، كما تأمل أيضًا ان يفهم الروس ان استمرار غض النظر عن الأعمال الإيرانية من شأنه ان يعرض مصالحهم في تلك المناطق للخطر أيضًا. إسرائيل تأمل بشدة ان يدرس النظام الأمريكي - وبعد ان تستقر مواقفه في المنطقة - مجددًا الانسحاب من الشرق الأوسط عمومًا، ومن سوريا خصوصًا. "الكلمة الأخيرة والقرار النهائي في الموضوع لم يتخذ بعد" قالها لي في نهاية الأسبوع دبلوماسي إسرائيلي، "الأمريكيون لن يهجروا المنطقة، فهم على علم بأهميتها لعموم الشرق الأوسط، وأيضًا في سياق تطلعهم لتجديد المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين".

إذًا فالجميع الآن ينتظر ترامب، بينما المبارزة الحمقاء بين خطوات إيران وردود فعل إسرائيل مستمرة تحت الأرض.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر