اللغة : العربية

اتفاق المصالحة .. تحول في الساحة الفلسطينية؟

17 تشرين الأول / أكتوبر 2017

مركز دراسات الأمن القومي

بقلم: شلومو بروم

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

في الـ 12 من أكتوبر وقع وفدا المفاوضات الفتحاوي والحمساوي في القاهرة على اتفاق مصالحة جديد، وفي جوهره الالتزام بتنفيذ اتفاق المصالحة الذي وقع بين التنظيمين عام 2011.

في إطار ذلك الاتفاق، وافق الطرفان على إقامة حكومة وحدة وطنية (حكومة تكنوقراط) دون مشاركة شخصيات سياسية، كذلك توافق الطرفان حينها على التجهيز لانتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني خلال عام، والتي ستديرها لجنة انتخابية مركزية يعمل فيها قضاة متوافق عليهم. كما اتفق ان تنضم حماس إلى منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية تواصل خلال ذلك السيطرة الأمنية في الضفة الغربية وحماس على قطاع غزة، وتشكيل لجنة أمنية مشتركة تنسق بين الطرفين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين المحتجزين لدى الطرفين.

كما يتضمن الاتفاق التزامًا صارمًا وجدولًا زمنيًا للتنفيذ عندما يكون الأمر متعلقًا ببنود الاتفاق التي تتناول نقل الحكم المدني في قطاع غزة إلى الحكومة في رام الله، وترتيب وضع الموظفين العمومين الذين جندتهم حماس للخدمة في غزة، والسيطرة على المعابر ورفع العقوبات التي فرضتها حكومة رام الله على قطاع غزة. غير أنه وعندما يدور الحديث عن البنود المسماة "القضايا الوطنية"، ومن بينها مصير الذراع العسكرية التابعة لحماس وانضمام حماس إلى منظمة التحرير والاستعداد للانتخابات العامة للبرلمان والرئاسة؛ هناك فقط الالتزام بالتفاوض حولها.

الجدول الزمني الذي اتفق عليه الطرفان في القضايا المدنية كالتالي:

أ) حتى الأول من نوفمبر، ستتلقى السلطة الفلسطينية المسؤولية عن معبر كرم أبو سالم ومعبر بيت حانون (ولا موعد إلى الآن بخصوص معبر رفح).

ب) حتى الأول من ديسمبر، سينتهي تسليم إدارة قطاع غزة للسلطة، وفي هذا الإطار على ما يبدو ستلتقي الأجهزة الأمنية التابعة لحماس ونظيرتها من السلطة من أجل تنسيق نقل السيطرة على الأجهزة الأمنية المدنية لحكومة السلطة.

ج) حتى الأول من فبراير 2018، سيتم ترتيب وضع موظفي غزة الذين عينتهم حماس (حوالي 45 ألف شخص)، كجزء من هذه الخطوة سترفع العقوبات التي فرضتها السلطة على قطاع غزة.

لقاء ذلك بخصوص "القضايا الوطنية"، لم يتقرر سوى جدول زمني للمفاوضات:

أ) في الـ 21 من نوفمبر، تلتقي جميع التنظيمات الفلسطينية في القاهرة لمناقشة موضوع الانتخابات.

ب) في الأسبوع الأول من ديسمبر، يُعقد لقاء بين فتح وحماس في القاهرة، تناقش خلاله جميع القضايا الوطنية.

 

اعتبارات اللاعبين الأساسيين

اتفاق المصالحة هو نتاج مبادرة مصرية دعمتها الأردن أيضًا والعربية السعودية ومجلس التعاون الخليجي كذلك، ودول أخرى تنتمي إلى التجمع السني البراغماتي. يُراد من المبادرة أن تخدم المصالح المصرية والتجمع السني عمومًا، وعزل حماس عن حركة الاخوان المسلمين وعن الدول الداعمة لهذه الحركة (قطر وتركيا)، ومنع دفع حماس إلى الحضن الإيراني، ومنع تعاون حماس والمجموعات الجهادية، وسيما في شبه جزيرة سيناء، ومنع اندلاع العنف بين إسرائيل وحماس، والذي من شأنه ان يصرف الأنظار عن المشاكل الأساسية للتجمع السني البراغماتي (الإسلام الجهادي، الاخوان المسلمون، وإيران) وكذلك المساس بقدرتها على مواجهة هؤلاء بالتعاون مع إسرائيل، وأخيرًا ترميم موقف زعامة مصر في العالم العربي من خلال تجديد دورها المركزي في المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.

في المرحلة الأولى نجحت مصر في تحقيق هدف إبعاد حماس عن الاخوان المسلمين وعن المجموعات الجهادية، عندما أعلنت حماس عن ورقتها السياسية الجديدة، والتي تضمنت من بين ما تضمنته قطع الانتماء إلى جماعة الاخوان المسلمين والتعهد بوقف العلاقات مع المجموعات الجهادية العاملة في سيناء والتعاون مع مصر التي تقاتلها. في المرحلة الثانية أنجز في القاهرة اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، من بين الكثير من الأمور، من خلال استخدام ورقة المواجهة بين القيادة في رام الله ومحمد دحلان، الاخبار التي ظهرت في الإعلام الفلسطيني بشأن الدور المركزي الذي يفترض ان يقوم به دحلان في غزة دفعت هي الأخرى قيادة السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات التي تهدف إلى تحقيق المصالحة. من جهة محمود عباس ورفقاء دربه، فإن إبعاد دحلان عن القيام بأي دور على الساحة الفلسطينية شرط لابدّ منه، قدرة دحلان على تسخير مساعدات مالية معينة من قبل الامارات المتحدة لم تكن كافية لمواجهة معارضة عباس الشديدة لدحلان، والمعروف بأنه ليس له أي دور في الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين فتح وحماس.

إجمالًا، عباس وحركة فتح راضون عن اتفاق المصالحة، فمن ناحيتهم توقيع الاتفاق - وفي إطاره مصادرة أي دور لدحلان - كان نصرًا تحقق نتيجة لاستعدادهم التام للقيام بخطوات صعبة ضد قطاع غزة وسحب المصادر المالية منه والتسبب بتفاقم الأوضاع فيها. تطبيق البنود التي اتفق عليها بالكامل سيسمح بتجدد التواجد الأمني الموسع للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة؛ أولًا: ملفات السلاح العامل في المجالات المدنية، الشرطة الزرقاء ووحدات الأمن الداخلي والأمن الوطني والمخابرات العامة، وفي المجمل حوالي 20000 شخص سيخضعون لحكومة السلطة. ثانيًا: قبلت حماس بإبعاد رجالها من المعابر، بما في ذلك معبر رفح، واستبدالهم بقوات السلطة، وعلى ما يبدو من الحرس الرئاسي. لكن ما يزال يقف أمام رجال فتح تحدٍ صعب بالقضايا المسماة "القضايا الوطنية"، وفي مركزها تحقيق هدف "حكومة واحدة وسلاح واحد"، الذي يعني إخضاع جميع العناصر المسلحة للسلطة.

حماس دفعت إلى هذا الاتفاق بسبب الوضع في قطاع غزة، والذي تفاقم إثر الخطوات التي اتخذتها السلطة وتعاونت معها فيها إسرائيل، وكذلك أثر على حماس ارتباطها بمصر التي تسيطر على المنفذ الوحيد للقطاع الذي لا تسيطر عليه إسرائيل، وتصاعد الصراع بين الدول السنية البراغماتية بقيادة العربية السعودية وبين قطر، والذي أوجد فصلًا بين حماس ومصدر المساعدة المالية الأساسي خاصتها. دور مهم قامت به أيضًا التغيرات في قيادات حماس؛ إسماعيل هنية انتخب رئيسًا للمكتب السياسي بدلًا من خالد مشعل، ويحيى السنوار من الذراع العسكرية التابعة للتنظيم انتخب قائدًا لحماس في قطاع غزة.

عمليًا كانت النتيجة انتقال مركز القيادة الحمساوية إلى غزة، وجعل السنوار هو الشخصية الديناميكية، وعلى خلاف التقديرات التي سادت في إسرائيل بعد انتخاب السنوار، والتي وفقها معناه سيطرة الذراع العسكرية على الذراع السياسية وسياسة أكثر تشددًا يقودها السنوار، في الواقع فإن شخصيته المتشددة تسمح للذراع السياسية بفرض إرادتها على الذراع العسكرية؛ هذا التطور برز في تصريح السنوار الذي قال فيه انه "سيكسر العظام" لمعارضي خطواته. السنوار اعتمد سياسة براغماتية وعقلانية، وحسب تشريح وضعه فإن مفتاح حل مشاكل قطاع غزة موجود في مصر وليس في إيران، وهو يتصرف وفق ذلك.

التوقيت الحالي لاتفاق المصالحة ساعة فرج من حيث تصرفات نظام ترامب والحكومة الإسرائيلية أيضًا، يبدو ان طاقم المفاوضات الأمريكي برئاسة جيسون غرينبلات يدعم خطوة المصالحة، بل انه دفع باتجاه القيام بها على افتراض انه بذلك تزاح عقبة أمام العملية السياسية الإسرائيلية - الفلسطينية. الرباعية (التي تشمل الولايات المتحدة) صرحت هي الأخرى في الـ 19 من سبتمبر بأن هناك حاجة لإعادة قطاع غزة إلى حكم السلطة الفلسطينية، حيث من الواضح ان هذه العملية لن تكون ممكنة إلا من خلال اتفاق المصالحة بين التنظيمين. الحكومة الإسرائيلية ردت هي الأخرى باعتدال نسبي، ورغم أنها عبرت عن معارضتها للاتفاق إلا انها لم تتخذ خطوات عملية ضد السلطة الفلسطينية في أعقاب توقيعه، يبدو ان هذه الاستجابة نبعت في جوهرها من عدم الرغبة في مواجهة إدارة ترامب والسيسي، ولكن ربما عكست هذه الاستجابة أيضًا تفهم إسرائيل ان الاتفاق سيسهم في تهدئة الوضع في قطاع غزة ومنع وقوع مواجهة عنيفة أخرى بين إسرائيل وحماس.

 

سيناريوهات محتملة وسياسة نوصي بها

محاولات سابقة للصلح بين فتح وحماس انتهت بالانهيار حتى بعد توقيع الاتفاقات وبدء تنفيذها، بسبب نظر الطرفين إلى منظومة العلاقات بينهما على أنها لعبة نتيجتها صفر، فيه مكسب طرف هو بمثابة خسارة للطرف الآخر، كلاهما معنيان بمجرد اتفاق يؤدي تطبيقه في نهاية المطاف إلى هيمنته المطلقة. هذه الديناميكا أدت إلى انهيار أو عدم تطبيق المحاولات السابقة لترتيب العلاقات بين المعسكرين بسبب عدم التوافق على "القضايا الوطنية" ومن بينها:

1. مسألة خضوع الذراع العسكرية الحمساوية للحكومة الفلسطينية: حماس تتطلع إلى خلق واقع على النمط اللبناني (حكومة مركزية في بيروت بموازاتها يحتفظ حزب الله بميليشيا مسلحة لا تخضع للحكم المركزي)، قيادة السلطة تصر على إيجاد مبدأ سلطة واحدة مع سلاح واحد، وفي هذه الأثناء تم تأجيل نقاش هذه القضية. هذه المسألة مرتبطة أيضًا بعلاقات حماس مع إيران، الذراع العسكرية مرتبطة بمساعدة إيران ووجودها يلزم التنظيم بمواصلة تطوير العلاقات مع طهران أيضًا.

2. انضمام حماس إلى منظمة التحرير والقبول بشروطها من قبل التنظيم: حماس معنية بالانضمام إلى منظمة التحرير كخطوة تمكنها من السيطرة على المنظمة، بينما فتح تتطلع إلى ضم حماس إليها بشروط تحد وتقلص تطلعات حماس قدر الإمكان.

3. ملف الانتخابات: الطرفان يدعمان - إن جاز التعبير - إقامة الانتخابات للمجلس التشريعي والرئاسة، لكن فقط وفق شروط تضمن انتصارهما؛ من هنا ينبع الخلاف على طريقة الانتخابات.

السيناريوهات المحتملة هي ثلاثة سيناريوهات: في السيناريو الأول يتم تنفيذ التوافقات التي قبلت، لكن "القضايا الوطنية" المفتوحة تظل محل خلاف، ورغم ذلك يقرر الطرفان عدم تحطيم الأواني، بذلك يوجد توازن جديد في قطاع غزة، في إطاره يكون تواجد مسلح للطرفين في القطاع؛ هذا الواقع سيشبه إلى حد ما الواقع في لبنان، وإذا كان الأمر كذلك فستواصل الحكومة الفلسطينية كونها معادية لذراع حماس العسكرية، وتحاول تقييد نشاطاتها، وكذلك سيكون لها مطلق الحرية للتفاوض مع إسرائيل. وفي السيناريو المحتمل الثاني عدم الاتفاق على هذه القضايا سيؤدي إلى انهيار الاتفاق والعودة إلى الوضع الذي سبق توقيعه. والسيناريو الثالث - وهو السيناريو المتفائل، وفرصته ضئيلة - أن يصل الطرفان إلى توافق على القضايا الوطنية، وعلى تطبيقها أيضًا.

على جميع الأحوال، نرغب في ان تستمر إسرائيل في سياستها التي لا تعارض الاتفاق بشكل فاعل، والتي تتعاون مع الولايات المتحدة ومصر والسلطة الفلسطينية، والأفضل ان يكون للفلسطينيين حكومة واحدة تمثلهم أمام إسرائيل، وتوفر مدخلًا أفضل للتقدم ولو تدريجيًا وبشكل محدود لتمييع الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني؛ بل وربما لإنهائه في المستقبل. حتى السيناريو اللبناني إن جاز التعبير أفضل من الوضع الحالي؛ ذلك انه سيصنع الاستقرار في قطاع غزة، ويحد أكثر من تحركات حماس العسكرية، وسيكون مغزاه ان حماس تعطي الحكومة في رام الله قيادة العلاقات السياسية مع إسرائيل، بما في ذلك التفاوض معها.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية.

انشر عبر